
بقلم الشيخ : عماد الدين الغزالى
واعظ أول وعضو لجنة فتوى بالأزهر الشريف
قضية “نسخ الوصية للوالدين والأقربين” بآيات المواريث هي من القضايا التي يتكئ عليها الفكر الحداثي للتشكيك في انضباط النص القرآني، أو لمحاولة إحياء أحكام نُسخت بدعوى “المقصد الاجتماعي”.
والرد على هذه الشبهة يتمثل في تفنيد الخلط الحداثي بين “الحكم المؤقت” و “التشريع النهائي” وفق النقاط الآتية:
١. النسخ انتقال من “التقدير البشري” إلى “القسط الإلهي”
في بداية الإسلام، كان الحكم هو وجوب الوصية للوالدين والأقربين ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180)، حيث كان الشخص هو من يحدد نصيب أهله.
ثم نزل “نظام المواريث” الذي حدد فيه الله الحصص بدقة الآيات
﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (11)وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوا أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12)﴾
﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176)﴾
الرد هنا: أن النسخ كان ارتقاءً بالحقوق؛ فانتقل حق الوالدين من “تفضل” يقرره الابن في وصيته (قد يظلم أو ينسى)، إلى “فرض إلهي” جبري يأخذه الوالدان بقوة الشرع.
فالحداثي الذي ينكر النسخ هنا، يطالب بالعودة لنظام الوصية المتروك لتقدير البشر، ويلغي “عدالة التوزيع الإلهي” التي استقرت في آيات المواريث.
٢. قاعدة “لا وصية لوارث” (بيان السنة للقرآن)
يستشهد الحداثيون بأن آية الوصية موجودة في المصحف، فكيف تُعطل؟ الرد هو أن السنة النبوية جاءت مبيّنة ومؤكدة لنسخ هذا الحكم، وليست هي الناسخة بذاتها لأن نسخ الوصية كان بآيات المواريث فأكدت السنة النسخ بقوله ﷺ في خطبة الوداع: “إنَّ اللهَ قد أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فلا وصيةَ لوارث”.
السنة هنا لم تلغِ القرآن، بل بينت أن آيات المواريث أصبحت هي “الوصية الإلهية” التي نسخت وصية العباد لأقاربهم الوارثين.
إنكار هذا النسخ يضرب “التكامل” بين القرآن والسنة ويجعل الأحكام متضاربة في التطبيق العملي.
٣. حماية كيان الأسرة من النزاع
لو بقي حكم الوصية للوارثين مع وجود نظام المواريث، لفتح ذلك باباً لا يغلق من النزاعات الأسرية؛ فسيحاول كل وارث الضغط على المورث قبل وفاته ليزيده من خلال “الوصية” فوق نصيبه الشرعي. فالنسخ هنا هو حكمة تشريعية لمنع التمييز بين الورثة ومنع “المحاباة” التي قد تفتت الأسرة، وهو ما يتوافق مع روح العدالة التي ينادي بها الحداثيون لكنهم يخطئون في طريق الوصول إليها.
٤. النسخ الجزئي لا الكلي (بقاء الوصية في غير الوارثين)
من المغالطات الحداثية تصوير أن النسخ ألغى “فكرة الوصية” تماماً.
والحقيقة أن النسخ وقع على (وجوب الوصية للوارثين) فقط.
أما الوصية لغير الوارثين (كالأقارب غير الوارثين، أو أعمال الخير) فهي باقية ومستحبة في حدود الثلث.
هذا التمييز يوضح دقة التشريع الإسلامي؛ فهو لم يغلق باب الإحسان بالوصية، ولكنه نظمه بحيث لا يطغى على الحقوق الواجبة للورثة التي حددها الله.
٥. إحكام المنظومة التشريعية
يدعي الحداثيون أن القول بالنسخ يضعف النص، بينما الحقيقة أن النسخ في مسألة الوصية هو دليل على تطور التشريع نحو الإحكام.
فالتشريع بدأ مرناً (وصية)، ثم انتهى منضبطاً (مواريث). ولو لم نقل بالنسخ، لوقعنا في تناقض شرعي وعقلي: هل نطبق نصيب الأم في المواريث (السدس أو الثلث)، أم نطبق ما أوصى به الابن لها في وصيته؟ الجمع بينهما مستحيل عند التعارض، والقول بالنسخ هو الحل الوحيد الذي يحفظ للنص هيبته وللحقوق استقرارها.
الخلاصة:
إنكار الحداثيين لنسخ الوصية هو محاولة لفتح ثغرة في نظام المواريث الإلهي الصارم، وإعادة التشريع إلى “ذاتية البشر” بدلاً من “موضوعية الوحي”. النسخ هنا كان انتقالاً من “الرحمة بالوصية” إلى “العدل بالفرض”، وكلاهما من عند الله.