رسالة إلى الأمة من خلال حياة الإمام الأشعري


بقلم الدكتور : طه عبد الحافظ أحمد الوزيري

دكتوراة فى الدعوة والثقافة الإسلامية – جامعة الأزهر الشريف

وهذه الرسالة أوجهها لنفسي أولا، ولأتباع الإمام ثانيا، وخصومه ثالثا:
• تعلموا من الأشعري الشجاعة.
الإمام الأشعري –رضي الله عنه- لما تبين له خطأ ما كان عليه في الاعتزال لم يصر على أخطائه ليحافظ على صورته عند الناس، ومكانته عن المعتزلة (الذين كانت لهم الغلبة)، بل خرج بكل شجاعة أمام الناس جميعا، وأعلن عن انتكاساته الفكرية والعقدية، وجاهر بتوبته، وأخذ يدافع عن الحق بأقوى من دفاعه عن الباطل من قبل.
فليتنا تكون عندنا الشجاعة التي نعلن بها عن أخطائنا!
لقد اعتزل وأخذ يقلب ورقه ويراجع علمه، فهلا تركنا الجدل فترة لنراجع علومنا وشيوخنا ونبحث عن الحق لا عن دليل نفحم به الخصم.
لقد فعلها الأشعري –رضي الله عنه وأرضاه-.

• لا تغرنّكم الوجاهة الاجتماعية، ولا تمنعنّكم من الإذعان للحق.
البعض الآن قد يحظى بمكانة ووجاهة للباقته وحسن عرضه وتأثيره في البسطاء وعامة الناس، فيدفعه ذلك إلى التكبر والتعالي على الناصحين، وتمنعه الجماهيرية العريضة من أن يراجع نفسه.
لكن إمامنا الأشعري كان الابن المدلل للمعتزلة، وكان رأسا من رؤوسهم، وفاق شيخه في المناظرة وإفحام الخصوم…
فلم يكن تنقصه الشهرة أو الوجاهة، بل كان ينقصه الحق، ورغم علمه أن سنة المعتزلة الفُجر في الخصومة والحط من قدر المخالفين لهم والافتراء عليهم، إلا أنه لم تغرّه مكانته العالية عندهم وقرر تركهم والتوعد بفضحهم والرد عليهم.

كما أنه لم تمنعه مكانته الدونية (المظنونة) من الانتماء إلى أهل الحق.
فكتب الله له أن يكون بالحق إماما متبعا يسير على نهجه أكثر الأمة الإسلامية.
تعلموا من حياة الأشعري أن الحق يرفعكم، والتكبر والاغترار بالجاه يضعكم.

• الرد على المبتدع الذي اتُفِق على بدعته.
إن الإمام الأشعري جعل وقته للرد على مَن اتفقت الأمة على أنهم أهل بدع من الجهمية والمعطلة والمرجئة والمعتزلة، وكذلك على أرباب الأديان الأخرى الذين يلقون بشبهاتهم على الإسلام والمسلمين.
لم يضيع وقته بمعارك جانبية وهمية مع إخوانه من أهل القبلة، ليحصل على بطولات لا يفرح بها إلا ضعاف العقول.
فهل نتعلم من الأشعري الاتحاد على أهل الباطل وكسر شوكتهم؟ أم نعينهم علينا؟!

• احملوا هَمّ الدين ولا تفرطوا فيه.
كل صاحب هَمّ يسيطر عليه همّه وهو يموت، وإمامنا الأشعري كان همّه الإسلام إيمانا ودعوة ودفاعا، كان يحتضر ويقول: “لعن الله المعتزلة، موّهوا وحرّفوا” (طبقات الشافعيين ص210).
تعلموا من إمامنا أن تعيشوا للدين والدعوة.

• حصنوا الناس من الأفكار المخالفة للدين.
الإمام الأشعري كان الناس يبعثون إليه من كل مكان مستغيثين به من شبه المارقين، وكان يجيبهم بما يستأصل به إفك أهل البدع، ويعلمهم كيفية الرد وطرق المناظرة، حتى يتحصنوا ضد ألاعيبهم العقلية.
والدين الآن يتعرض لهجمات مدروسة وممنهجة، ومن ورائها ميزانيات تغني شعوبا بأكملها، مما يوجب على أهل الحق أن يروا تحصينهم للمسلمين وتعليمهم الصواب وكيفية الردود واجبا عليهم وحقا للمسلمين، كما كان الإمام الأشعري يرى ذلك.

• تواضعوا للعلم.
لقد وصل الإمام الأشعري مرتبة الإمامة في العقيدة، ومع ذلك كان يجلس في حلقات الأئمة طالبا للعلم، وكذلك أئمة الفقه كانوا يجلسون طالبين العلم في حلقته.
فأين هؤلاء الذين إذا ألقوا درسا في السيرة ظنوا في أنفسهم الفقاهة وتكبروا على العلم والنصيحة ولم يرضوا إلا بمقام الأستاذية حتى على أساتذتهم!

• العفة والورع.
لعلّ أعظم درس نتعلمه من الإمام الأشعري –رحمه الله- ألا نأكل بالدين.

لقد منح الله إمامنا العقلية العاقلة الواعية، والذاكرة الذاكرة الحافظة، وكان يستطيع أن يحظى بالجاه والمناصب والأموال…

ومع ذلك كان لا يأكل إلا من إرثه وكأنه يتمثل قول الله –تعالى-: “قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِين”.

كان يأكل من وقف لجده، نصيبه منه سبعة عشر درهما في السنة كما ذكر السبكي.
بون شاسع بين من يتعلم ويعلم لله، وبين من يتنعم بعلمه ويحافظ على ولائه لأولياء النعمة عليه.

• احذروا الحكم على مصائر المسلمين في الدنيا والآخرة.
كان إمامنا الأشعري لا يكفر أحدا من أهل القبلة بكبيرة، ولا يحكم على مصير المسلمين بعواطفه وانفعالاته، كما أنه لا يحكم على مصائرهم في الآخرة بجنة أو نار، بل يتأدب مع الله ولا يتعدى حدوده، بل كان يُشهد أصحابه أنه لا يُكفر أحدا من أهل القبلة وإن خالفه الرأي.
وابتلينا اليوم بمن يوهمون الناس أن معهم سجلات الجنة والنار، والإيمان والكفر، وأنهم بأيديهم يسجلون الأسماء، فمن رضوا عنهم له الجنة، ومن سخطوا عليه له النار.
فليتنا نتعلم من إمامنا ونتأدب بأدبه.

• فليكن همنا إنقاذ المسلمين من الكفر والنار لا الحكم عليهم بذلك.
من أعظم ما نتعلمه من الإمام الأشعري أن نحرص على هداية المسلمين جميعا، وأن نولي عاصيهم مزيدا من الاهتمام كي ننقذه من النار، وندعو الله له بالهداية حرصا منا وشفقة عليه. والآن نرى كثيرا ممن يتصدرون يبحثون في أعماق الأدلة عن إشارة لإخراج بعض المسلمين من الإسلام، أو يتمسحون في ظاهر بعض النصوص ليفتحوا باب النار لمخالفيهم، وكأنهم ينتظرون وقوع المسلم للإجهاز عليه والشماتة فيه!

• ابسطوا وجوهكم للناس.
كان الإمام الأشعري طلق الوجه مبتسما في مجلسه، يدخل السرور على من حوله، فكتب الله –تعالى- له القبول علما ورسما.
ونرى بعض حدثاء الأسنان مدّعي العلم يزلقون المسلمين بأبصارهم، ويسلقونهم بألسنة حداد، وكأن من واجبات العلم وفرائضه وأركانه عندهم التكشير عن الأنياب، والاتهام بالبدعة والفسق جُلّ أهل الإسلام! تعلموا من الإمام كيف يكون الاتباع.

نصيحة: وختاما إن كان لمثلي أن ينصح، فنصيحتي إلى إخواني من طلاب العلم:
عليكم بالبحث لا التلقين، والتدقيق لا التلقيط، والفهم لا الحفظ، والعمل لا مجرد التنظير، وعدم اعتقاد العصمة في شيخ عملا لا قولا فقط.

هذه خاتمة كتابي: (القول الجلي في بيان وراثة الأشعري للنبي –صلى الله عليه وسلم).