عقلية الأبيض والأسود: هل هي جهل؟ أم تشدّد مقصود؟

بقلم: الأستاذة سيدة حسن 

من أكثر السمات حضورًا في الخطابات الدينية المتشدّدة ما يمكن تسميته بعقلية الأبيض والأسود؛ ذلك النمط من التفكير الذي يميل إلى التبسيط الحاد، ويخاف من رحابة الفهم والتدرّج، ويختزل الإنسان والدين والحياة في خيارين فقط:

إمّا ملتزم أو ضال

إمّا معنا أو ضدنا

إمّا صالح أو فاسد

هذا المنطق لا يترك مجالًا للتجربة الإنسانية، ولا يعترف بتقلّبات النفس، ولا يرى الدين إلا بوصفه فاصلًا حادًا، لا مسار هداية ممتدًا، ولا طريق توبة يتّسع للتعثّر والقيام من جديد.

وهنا يبرز سؤال مشروع:

هل هذه العقلية ناتجة عن نقص في الفهم؟

أم أنها تُتَّخذ أحيانًا كمنهج مقصود؟

يرتبط هذا التشدّد بضعف التكوين المعرفي، والاكتفاء بقراءات جزئية للنصوص، وغياب فقه المقاصد، وتجاهل طبيعة النفس البشرية وتدرّجها؛ فيبحث الإنسان عن أحكام سريعة تمنحه شعورًا باليقين، ولو كان هذا اليقين قاسيًا أو ناقص الرحمة.

وفي حالات أخرى، لا يكون الأمر سوء فهم، بل اختيارًا واعيًا لخطاب أسهل في الضبط، وأكثر قابلية للاستقطاب، وأقل إزعاجًا بالأسئلة.

وحين يُختزل الناس في فئتين، يضعف الحوار، وتصبح السلطة للفكرة لا لمسار الهداية.

لكن الدين في جوهره لم يأتِ ليُصنّف الناس، ولا ليُغلق عليهم أبواب الرجوع، بل ليقود القلوب برفق، ويُربّي النفوس على التدرّج.

فرحابة الفهم لا تُنكر الحق، ولا تُميّع القيم، بل تُفرّق بين الخطأ وصاحبه، وترى الإنسان قابلًا للهداية ولو طال الطريق.