بقلم:د. تاليا عراوي كاتبة واخصائية في الأخلاقيات وناشطة في مجال حقوق الإنسان
تُعدُّ مهنةُ الطبِّ أسمى المهنِ الإنسانيَّةِ على الإطلاقِ؛ فهيَ ليستْ مجردَ علمٍ يُدرَّسُ في قاعاتِ الجامعاتِ أو مهارةٍ تقنيَّةٍ تُكتسبُ بالممارسةِ والتدريبِ، بلْ هيَ في مقامِها الأولِ رسالةٌ أخلاقيَّةٌ وقيميَّةٌ ساميةٌ تهدفُ إلى صونِ النفسِ البشريَّةِ وحمايتِها. ومعَ ذلكَ، يشهدُ العصرُ الحديثُ انقساماً حاداً ومقلقاً في ممارسةِ هذهِ المهنةِ؛ فبينما نجدُ أطباءَ استطاعوا تجسيدَ جوهرِ الطبِّ كرسالةِ رحمةٍ وتفانٍ، نجدُ في المقابلِ تياراً متصاعداً ممَّنْ تحوَّلوا إلى مجرَّدِ تقنيينَ يبرعونَ فقطْ في تشغيلِ الآلاتِ المعقَّدةِ، أو تجارٍ ينظرونَ إلى المريضِ كزبونٍ وإلى الطبِّ كسلعةٍ تخضعُ لقوانينِ العرضِ والطلبِ الجافةِ.
ولعلَّ خيرَ مثالٍ معاصرٍ يجسِّدُ هذا الفارقَ الجوهريَّ هوَ الطبيبُ المصريُّ الراحلُ، الدكتور محمد مشالي، المعروفُ بلقبِ “طبيبِ الغلابةِ”، الذي لمْ يكنْ يرى في مهنتِهِ وسيلةً لتكديسِ الثرواتِ أو نيلِ الوجاهةِ المجتمعيَّةِ، بلْ واجباً إنسانياً وربانياً مقدساً، فوهبَ حياتَهُ لعلاجِ الفقراءِ مقابلَ أجرٍ رمزيٍّ أو دونَ مقابلٍ تماماً، وظلَّ لِعُقودٍ متمسكاً بزهدهِ وعيادتِهِ المتواضعةِ كحصنٍ للرحمةِ في وجهِ الطبِّ الرأسماليِّ الماديِّ. ولا يتوقَّفُ تجسيدُ هذا الإرثِ عندَ حدودِ العياداتِ الخيريَّةِ، بلْ يتعدَّاهُ إلى ميادينِ التضحيةِ القصوى ونقاطِ التماسِ معَ الموتِ، كما رأينا في النموذجِ البطوليِّ للدكتورِ عدنان البرش (رئيسِ قسمِ العظامِ في مستشفى الشفاءِ) الذي رَفَضَ التخلِّي عنْ جرحاهُ تحتَ القصفِ والحصارِ، والدكتورِ عدنان أبو صفية ) مدير مستشفى كمال عدوان في شمالِ غزةَ( وغيرِهم منَ الأطباءِ الذينَ اختاروا البقاءَ في المستشفياتِ المهدَّمةِ لخدمةِ المنكوبينَ، مفضِّلينَ الموتَ أوِ الاعتقالَ على تركِ مرضاهمْ دونَ رعايةٍ طبيَّةٍ. إنَّ هذهِ النماذجَ تمثِّلُ الردَّ العمليَّ والأخلاقيَّ الصارخَ على تيارِ الماديَّةِ الجارفِ الذي أفقدَ الطبَّ نزعتَهُ الإنسانيَّةَ وحوَّلَهُ إلى ممارسةٍ باردةٍ، وهوَ النموذجُ الذي يتَّسقُ تماماً معَ إرثِ النبيِّ محمدٍ ﷺ وأخلاقياتِ الإسلامِ التي تُعلي منْ شأنِ الخدمةِ الإنسانيَّةِ الخالصةِ فوقَ كلِّ اعتبارٍ ماديٍّ أو مصلحةٍ شخصيَّةٍ ضيِّقةٍ.
الاستمساكُ بالهديِ النبويِّ كضرورةٍ لإصلاحِ الممارسةِ الطبيَّةِ:
بناءً على هذا التباينِ الحادِّ والمقلقِ بينَ الطبِّ كرسالةٍ إنسانيَّةٍ مقدَّسةٍ والطبِّ كمهنةٍ تقنيَّةٍ وتجاريَّةٍ بحتةٍ، تبرزُ الحاجةُ الملحَّةُ والضروريَّةُ للعودةِ وبقوَّةٍ إلى الأصولِ التي صاغتْ مفهومَ الطبيبِ الفاضلِ في الحضارةِ الإسلاميَّةِ، لنستكشفَ بعُمقٍ كيفَ يمكنُ لهديِ النبوَّةِ أنْ يعيدَ صياغةَ أخلاقياتِ المهنةِ في عالمنا المعاصرِ.
ففي القرآنِ الكريمِ، يخاطبُ اللهُ سبحانَهُ وتعالى نبيَّهُ ﷺ بآيةٍ جامعةٍ تصفُ عظمةَ شخصيَّتِهِ قائلًا: “وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ”. وفي سورةِ آلِ عمرانَ، نقرأُ أنَّ اللهَ قدْ مَنَّ على المؤمنينَ ومنحَ نبيَّهُ ﷺ القدرةَ والحكمةَ لتعليمِ البشريَّةِ وتزكيتِها: “لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ”.
إنَّ وجهةَ نظري المطروحةَ هنا هيَ أنَّهُ إذا اتَّبعَ الطبيبُ المسلمُ أوامرَ المصدرينِ الأساسيينِ للشريعةِ الإسلاميَّةِ، القرآنِ والسنةِ، فإنَّهُ سيجسِّدُ بالضرورةِ صفاتِ الطبيبِ الفاضلِ الذي يسعى لعلاجِ مرضاهُ بالطريقةِ الأنسبِ والأكثرِ رحمةً. وثمَّةَ حاجةٌ ماسةٌ لمثلِ هذا الطبيبِ لإنقاذِ الممارسةِ الطبيَّةِ الحديثةِ منَ السقوطِ الحاليِّ نحو الماديَّةِ المفرطةِ وفقدانِ النزعةِ الإنسانيَّةِ. وحيثُ إنَّ أخلاقياتِ الطبيبِ المسلمِ بناءً على إملاءاتِ القرآنِ قدْ جرى تناولُها سابقاً بالتفصيلِ، فإنَّ التركيزَ في هذا المقامِ سينصبُّ على الإنجازاتِ الأخلاقيَّةِ المحتملةِ إذا ما اتَّبعَ الأطباءُ إملاءاتِ السنةِ النبويَّةِ الشريفةِ.
السنةُ النبويَّةُ كدستورٍ أخلاقيٍّ فقهيٍّ وعمليٍّ:
لقدْ شدَّدَ القرآنُ الكريمُ في مواضعَ عديدةٍ على السلوكِ المثاليِّ للنبيِّ ﷺ ونصحَ المسلمينَ بالاقتداءِ بهِ وطاعةِ أوامرِهِ بوصفِهِ القدوةَ المطلقةَ والأسوةَ التي لا تزيغُ: “لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا”. وكذلكَ قولُهُ تعالى: “قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ”. فقدْ آتى اللهُ نبيَّهُ الحكمةَ البالغةَ وعلَّمَهُ ما لمْ يكنْ يعلمُهُ غيرُهُ، كما في قولِهِ: “وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا”.
وبشكلٍ عامٍّ، تشيرُ السنةُ إلى الطريقةِ الشاملةِ والمنهجيَّةِ التي عاشَ بها النبيُّ ﷺ حياتَهُ، ويتعلَّمُها المسلمونَ منْ خلالِ الرواياتِ الموثَّقةِ التي تسمَّى أحاديثَ. وبشكلٍ أكثرَ تحديداً، تقرِّرُ مبادئُ الفقهِ الإسلاميِّ أنَّ السنةَ تتكونُ منْ ثلاثةِ أقسامٍ رئيسيَّةٍ: الأقوالِ (قولٌ)، والأفعالِ (فعلٌ)، والتقريراتِ (تقريرٌ). والأحاديثُ المستشهدُ بها هنا مأخوذةٌ منْ صحيحِ البخاريِّ الذي يعتبرُ أصحَّ كتبِ الأحاديثِ على الإطلاقِ. لقدْ تركَ النبيُّ ﷺ تعاليمَ خالدةً وكانتْ حياتُهُ قدوةً عمليَّةً في اللطفِ، والنظافةِ، والكرمِ، والصدقةِ، ورعايةِ المرضى، ومساعدةِ الفقراءِ، وهيَ جميعُها أمورٌ جوهريَّةٌ لاستقامةِ حياةِ الأفرادِ في المجتمعِ. لذا، فإنَّ الشخصَ الذي يتَّبعُ إرثَ النبيِّ محمدٍ ﷺ لا بدَّ أنْ يكونَ فاضلاً في هذا العالمِ وينالَ الجزاءَ الأوفى في الآخرةِ.
أخلاقُ الفضيلةِ وبناءُ الشخصيَّةِ الأخلاقيَّةِ للطبيبِ:
عندما يتساءلُ المرءُ كيفَ يمكنُ للفردِ اكتشافُ الوسائلِ التي تميِّزُ بدقَّةٍ بينَ الخيرِ والشرِّ، نجدُ أنَّ نظرياتِ الواجبِ الأخلاقيِّ (Deontology) تضعُ الطبيبَ أمامَ التزاماتٍ وقواعدَ صارمةٍ. في هذا الإطار، يُنظر إلى الفعل الأخلاقي كالتزام قانوني ومهني محض؛ فالطبيب يتبع الواجب من أجل الواجب، حيث تكون القاعدة الأخلاقية مطلقة ولا تقبل الاستثناء، تماماً كما في الأمر الجازم عند إيمانويل كانط.
بينما تركِّزُ نظريةُ النفعيَّةِ (Utilitarianism) على مآلاتِ الأفعالِ وتحقيقِ أكبرِ قدرٍ منَ النفعِ لأكبرِ عددٍ منَ الناسِ. هنا، يتحول الطبيب إلى محاسب أخلاقي يوازن بين الأضرار والمنافع. فإذا كان كتمان سر مريض ما سيؤدي إلى كارثة صحية عامة، فإن النفعية قد تبيح كسر السرية لتحقيق المصلحة الكبرى، وهو ما يجعل الأخلاق مرتبطة بالظروف والنتائج لا بالمبادئ الثابتة.
ورغمَ أهميَّةِ هذهِ المبادئِ التي تفرضها النظريات الأخلاقية التقليدية، إلا أنَّها قدْ تظلُّ خارجيَّةً ولا تضمنُ نزاهةَ الطبيبِ في غيابِ الرقابةِ؛ فالطبيب الذي يلتزم بالقواعد فقط قد يجد مبرراً للالتفاف عليها حين يأمن المساءلة، كأن يتهاون في الحفاظ على خصوصية المريض في أحاديثه الجانبية ما دام ذلك لن يُرفع به تقرير رسمي. وهنا تبرزُ أخلاقُ الفضيلةِ (Virtue ethics) كنظريةٍ بديلةٍ وأكثرَ عُمقاً، إذْ تتميَّزُ بتأكيدِها على صقلِ وتجسيدِ الشخصيَّةِ الأخلاقيَّةِ للفردِ نفسِهِ بدلاً منْ مجردِ اتباعِ القواعدِ الخارجيَّةِ الجامدةِ التي نادى بها إيمانويل كانط أو حسابات النفعية للنتائج. وتتجلى قوة هذه النظرية في ممارسة الطب حين تتحول القيمة الأخلاقية من تكليف قانوني إلى سمة راسخة في كيان الطبيب؛ فالطبيب الذي صقل في نفسه فضيلة الأمانة سيعترف بخطئه الطبي بشجاعة حتى لو لم يكتشفه أحد غيره، ليس امتثالاً لبروتوكول بل اتساقاً مع ذاته، والطبيب الذي يجسد فضيلة الرحمة سيتجاوز مجرد إعطاء المعلومات الجافة للمريض ليقدم له دعماً إنسانياً يراعي كرامته، مدفوعاً بحكمة عملية داخلية تُعرف بالـ الحكمة العملية(Phronesis) ، وهي التي تمكنه من موازنة الأمور ببراعة في المواقف المعقدة التي قد تعجز النصوص الجامدة عن الإحاطة بها، مما يجعل من ضمير الطبيب وشخصيته الأخلاقية الرقيب الأول والأخير في كل الظروف. تتجلى أهمية الحكمة العملية كعنصر جوهري في أخلاق الفضيلة كونها تمثل العقل الأخلاقي الذي يوجه الطبيب لاستخدام مهاراته وقيمه في المواقف الملموسة؛ فهي ليست معرفة نظرية بالكتب، بل هي القدرة على إدراك التفاصيل الدقيقة لكل حالة طبية واتخاذ القرار الذي يحقق الخير الأسمى للمريض. فعلى سبيل المثال، حين يواجه الطبيب مريضاً يحتاج إلى الحقيقة المرة حول مرضه، فإن الحكمة العملية هي التي ترشده لكيفية موازنة فضيلة الصدق مع فضيلة الرحمة، فيختار الوقت الأنسب والطريقة الأكثر إنسانية للإفصاح، وهو ما يتجاوز مجرد التطبيق الآلي للقواعد الجامدة التي نادى بها إيمانويل كانط. إن صقل هذه الملكة يعتمد على التراكم الأخلاقي والتدريب المستمر، مما يجعل الطبيب قادراً على الابتكار الأخلاقي في غياب النصوص، حيث لا يصبح مجرد فني يطبق بروتوكولات، بل إنساناً حكيماً يجسد النزاهة في ذاته كفعل إرادي واعٍ، وهذا هو الضمان الحقيقي للأخلاق المهنية التي لا تتغير بتغير الرقابة أو الظروف المحيطة . بناءً على ذلك، يصبحُ الطبيبُ أشبهَ بـرُبَّان السفينة؛ فهو لا يكتفي باتباع مسارٍ آليٍّ مرسومٍ سلفاً، بل يُبقي عينيهِ مفتوحتينِ على جُملةٍ من المعطياتِ المتغيرةِ قبلَ اتخاذِ أيِّ قرارٍ؛ فيراقبُ اتجاهَ الرياحِ، وطبيعةَ البحرِ، وغروبَ الشمسِ، وما إلى ذلك.هذا التشبيهُ يجسدُ جوهرَ الحكمةِ العمليةِ؛ فكما أنَّ الرُّبانَ لا يمكنُهُ الاعتمادُ فقط على الخرائطِ الجامدةِ لمواجهةِ العواصفِ المفاجئةِ، كذلك الطبيبُ الفاضلُ لا يكتفي بالقواعدِ الأخلاقيةِ الجاهزةِ، بل يستعينُ ببصيرتِهِ المكتسبةِ لتقييمِ الحالةِ الفريدةِ لكلِّ مريضٍ، موازناً بينَ العلمِ والظروفِ الإنسانيةِ والنتائجِ المحتملةِ، ليقودَ الرحلةَ العلاجيةَ نحو برِّ الأمانِ بأعلى درجاتِ النزاهةِ والقدرةِ على التكيفِ.
يقودنا هذا التركيز على الذات الأخلاقية إلى تساؤلٍ جوهريٍّ حول كينونة هذه الشخصية ومكوناتها؛ وفي هذا الإطارِ الفلسفيِّ المتينِ، يطوِّرُ الطبيبُ المسلمُ شخصيَّتَهُ استجابةً لقولِ النبيِّ ﷺ: “إنَّ خِيَارَكُمْ أَحاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا”. لذا، فإنَّ امتلاك الخُلُقِ الحسنِ هوَ ما يميِّزُ المؤمنَ الجيّدَ. ومنَ المستحيلِ أخلاقياً ومنطقياً أنْ يكونَ الطبيبُ مسلماً جيّداً ولكنْ ليسَ طبيباً فاضلاً؛ لأنَّ ذلكَ التناقضَ سيؤدِّي حتماً إلى حالةٍ منْ الانفصامِ الأخلاقيِّ إنْ صَحَّ التَّعْبِيرُ؛ فمنطقياً، إمَّا أنْ يكونَ الفردُ فاضلاً في كليَّتِهِ أوْ لا يكونَ، والفضيلةُ وحدةٌ موضوعيَّةٌ لا تتجزَّأُ. إنَّ الطبيبَ الذي يستلهمُ إرثَ محمدٍ ﷺ يدمجُ قيمَهُ الإيمانيَّةَ بمهاراتِهِ التقنيَّةِ ليسموَ بممارستِهِ المهنيَّةِ فوقَ مُجرَّدِ التوصيفِ الوظيفيِّ، مُحوِّلاً الطبَّ إلى عَمَلٍ قِيَمِيٍّ يبتغي بهِ وَجهَ اللهِ التجسيدُ العمليُّ للسنةِ في أخلاقياتِ التعاملِ اليوميِّ
إنَّ ما يمكنُ للسنةِ النبويَّةِ أنْ تعلِّمَهُ للطبيبِ منْ حيثُ الفضائلُ وتكوينُ الشخصيَّةِ يشملُ تطويرَ سماتٍ تجسِّدُ التسامحَ، والصبرَ، والصدقَ، واللطفَ، والرحمةَ، معَ ضرورةِ تجنبِ الغطرسةِ، والكبرِ، والغضبِ. وللاقتداءِ بالنبيِّ ﷺ، يجبُ أنْ يكونَ الطبيبُ متسامحاً وصبوراً إلى أبعدِ الحدودِ معَ زملائِهِ، وطلابِهِ، ومرضاهُ.
ففي سيرةِ خادمِهِ أنسِ بنِ مالكٍ الذي أصبحَ خادماً للرسولِ في سنِّ العاشرةِ وبقيَ معَهُ عشرَ سنينَ، نجدُ درساً بليغاً في الصبرِ؛ إذْ يقولُ أنسٌ: خَدَمْتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ، فَما قالَ لِي: أُفٍّ، ولا لِمَ صَنَعْتَ؟ ولا ألا صَنَعْتَ؟. وكثيراً ما نلمسُ في واقعنا المعاصرِ شكاوى المرضى وطلابِ الطبِّ منَ الأطباءِ المشرفينَ الذينَ يضيقونَ ذرعاً بالأسئلةِ، ولا يمنحونَ الآخرينَ وقتاً كافياً، ويفتقرونَ إلى الصبرِ في الإجابةِ على الاستفساراتِ والمخاوفِ المتكرِّرةِ.
كما يجبُ على الطبيبِ أنْ يكونَ صادقاً دوماً، ينفعُ مرضاهُ بالحقِّ والوضوحِ، لقولِ الرسولِ ﷺ: “مَن لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والعَمَلَ بهِ، فليسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ في أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ”. الصدقُ والوضوحُ هما صفتانِ أساسيَّتانِ للمؤمنِ، ويجبُ أنْ تكونا علامةً فارقةً للطبيبِ الفاضلِ، تجنباً لما حذرَ منهُ النبيُّ ﷺ بقولِهِ: “تَجِدُ مِنْ شَرِّ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللهِ ذَا الْوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ”. ونحنُ نرى اليومَ أطباءَ يعاملونَ الأغنياءَ بلطفٍ، بينما يتعاملونَ بغطرسةٍ معَ الفقراءِ الذينَ يعجزونَ عنْ دفعِ الفواتيرِ الباهظةِ. إنَّ الطبيبَ الفاسدَ يشبهُ المدَّعيَ الذي يكذبُ ولا يفي بوعودِهِ، وعندما يأمنُهُ المرضى على أسرارِهمْ، تخانُ الثقةُ عبرَ انتهاكاتِ الخصوصيَّةِ والسرِّيَّةِ، وهيَ خصالٌ تبتلي الطبَّ الحديثَ وقدْ ندَّدَ بها النبيُّ ﷺ بقولِهِ: “آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ”.
مواجهةُ الغطرسةِ واستعادةُ كرامةِ المريضِ الجريحةِ:
والأهمُّ منْ ذلكَ كلِّهِ، تحذرُ السنةُ الشريفةُ منَ الغطرسةِ والكبرِ، وهما تجاوزانِ رئيسيَّانِ طَبَعا الكثيرَ منْ ممارساتِ الطبِّ الحديثِ؛ إذْ قالَ النبيُّ ﷺ: “لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا”. وقدْ كشفتِ العديدُ منَ الدراساتِ الميدانيَّةِ عنِ استياءِ الجمهورِ العارمِ منْ مواقفِ بعضِ الأطباءِ الذينَ يتصرَّفونَ بفوقيَّةٍ مبالغٍ فيها تجاهَ زملائِهمْ ومرضاهمْ، وتؤكِّدُ هذهِ الدراساتُ أنَّ الشكوى الأساسيَّةَ الشائعةَ هيَ التكبُّرُ والتعالي.
إنَّ اتباعَ الإملاءاتِ البسيطةِ للسنةِ يضعُ الطبيبَ على طريقِ التواضعِ والصبرِ. ومعَ ذلكَ، يعاني الطبُّ الحديثُ منْ ثغراتٍ أخرى؛ حيثُ يحذرُ الطبيبُ والفيلسوفُ هوارد برودي منْ معاملةِ المرضى “كقطعِ لحمٍ” تُنقلُ منْ قسمٍ إلى آخرَ في المستشفى دونَ أدنى مراعاةٍ لإنسانيَّتِهمْ. فالمريضُ إنسانٌ لهُ ماضٍ، وحاضرٌ، ومستقبلٌ، ويحملُ معَهُ ثقلَ مرضِهِ، واستقلاليتَهُ المتضرِّرةَ، وكرامتَهُ الجريحةَ. وعندما يوجدُ خللٌ في توازنِ القوى، تتعرَّضُ العلاقةُ بينَ الطبيبِ والمريضِ للخطرِ، لذا يجبُ على الطبيبِ ألا يسيءَ استخدامَ ميزتِهِ المعرفيَّةِ والمجتمعيَّةِ، وألا يغضبَ منَ المرضى الذينَ يطرحونَ أسئلةً متكرِّرةً بسببِ قلقِهمْ. فالغضبُ ليسَ علامةَ قوَّةٍ، بلِ القوَّةُ الحقيقيَّةُ في ضبطِ النفسِ: “ليسَ الشَّدِيدُ بالصُّرَعَةِ، إنَّما الشَّدِيدُ الذي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ”.
استعادةُ الرحمةِ في عصرِ التكنولوجيا والتسليعِ:
إنَّ الارتكانَ المفرطَ إلى إيقاعِ الطبِّ المعاصرِ السريعِ وتكنولوجيا التشخيصِ المتقدِّمةِ، مثلِ الأشعةِ السينيَّةِ والرنينِ المغناطيسيِّ ، جعلَ الكثيرينَ يكتفونَ بالصورِ والتحاليلِ دونَ إجراءِ فحصٍ بدنيٍّ حقيقيٍّ ملموسٍ، ممَّا يؤدِّي إلى الفشلِ في معاملةِ المريضِ كإنسانٍ، ومعاملتِهِ بدلاً منْ ذلكَ كمرضٍ أو كرقَمٍ يجبُ إغلاقُ ملَفِّهِ بأسرعِ ما يمكنُ. تواجهُ الأنظمةُ الصحيَّةُ اليومَ مشاكلَ ماليَّةً تجعلُ الأطباءَ يميلونَ لرؤيةِ مرضاهمْ كزبائنَ، ممَّا يحوِّلُ الطبَّ إلى سوقٍ تجاريٍّ بحتٍ. هناكَ توجُّهاً متزايداً يهدفُ إلى إطلاقِ مُسمَّى الزبونِ على المريضِ بدلاً منْ صفتِهِ الإنسانيَّةِ؛ وهوَ توجُّهٌ يُفصحُ في ذاتِهِ عنْ تحوُّلِ الطبِّ منْ كونهِ رسالةً ساميةً إلى مجرَّدِ تجارةٍ جافةٍ، ممَّا ينسفُ الجوهرَ الأخلاقيَّ للمهنةِ ويُخضعُها لمنطقِ الربحِ والخسارةِ. هنا يبرزُ المكوِّنُ المنسيُّ في الرعايةِ الصحيَّةِ وهوَ الرحمةُ، التي لخَّصَها النبيُّ ﷺ بإيجازٍ في المبدأِ الحاكمِ لكلِّ العلاقاتِ الإنسانيَّةِ بقولِهِ: “مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يَرْحَمُ”. وفي حينِ تطلبُ العديدُ منْ مدوناتِ الأخلاقياتِ الطبيَّةِ الحديثةِ منَ الأطباءِ التنازلَ عنْ أتعابِهمْ للمرضى الفقراءِ، نجدُ في الواقعِ أنَّ التنازلاتِ تُمنحُ غالباً للأقوياءِ طلباً للمزايا. وهذا السلوكُ يعارضُ جوهرَ حياةِ النبيِّ ﷺ الذي أمرَ بوضوحٍ: “أطْعِمُوا الجائِعَ، وعُودُوا المَرِيضَ، وفُكُّوا العانِيَ”.
وإذا ما تأملنا في جوهر هذه الرقابة الداخلية، نجد أنَّ النبيَّ ﷺ قد لخصها في مقامِ الإحسانِ بقوله: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ، فإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإنَّه يَرَاكَ». وهذا المقامُ هو الذي حوَّل مهنة الطب لدى نماذج مثل الدكتور محمد مشالي، وشهداء الواجب في غزة كالدكتور عدنان البرش والدكتور عدنان أبو صفية، من مجرد وظيفة تخضع للوائح البشرية إلى عبادةٍ خالصةٍ في أحلكِ الظروفِ. إنَّ استحضار الطبيب المسلم لهذا الهدي النبوي يجعلُ من الفضيلة طبيعةً أصيلةً فيه، تدفعه لإنشاد الإتقان والعدل حتى في غياب الرقابة الأرضية، محققاً بذلك الغاية الأسمى للطب بوصفه رسالة رحمة للعالمين. فما أجملَ أنْ يجدَ المريضُ في يدِ طبيبِهِ لمسةَ شفاءٍ، وفي قلبِهِ نبضَ أخٍ، وفي ملامحِهِ وجهاً يذكّرُهُ برحمةِ اللهِ التي لا تغيبُ.
مجلة روح الاسلام فيض المعارف