الستر بين السلطة والكرامة، قراءة تاريخية في لباس المرأة من الحضارات القديمة إلى التشريع الإسلامي

بقلم الكاتب : محمد نجيب نبهان

لم يكن اللباس في التاريخ الإنساني عنصرًا شكليًا أو تفصيلًا ثانويًا مرتبطًا بالزينة والمناخ وحدهما، بل كان أحد أكثر الرموز الاجتماعية كثافة في الدلالة، تُقرأ من خلاله الطبقة والانتماء والوظيفة والمكانة والحقوق. وكان جسد المرأة على وجه الخصوص ساحة مركزية لهذا الترميز، إذ لم يُنظر إليه بوصفه جسدًا فرديًا حرًّا، بل باعتباره علامة اجتماعية تُحدِّد من هي المرأة، وما الذي يحق لها، وما الذي يحق للآخرين تجاهها. ومن هنا نشأ في الحضارات القديمة نظام صارم يربط بين الستر والكشف من جهة، وبين الحرية والعبودية من جهة أخرى، حتى صار اللباس في ذاته قانونًا صامتًا يفرز النساء إلى فئتين لا ثالث لهما: حرائر مصونات، وجوارٍ مباحات.

في المجتمعات الشرقية القديمة، ولا سيما في بلاد الرافدين، بلغ هذا النظام درجة عالية من التقنين. ففي القوانين الآشورية الوسطى لم يكن غطاء الرأس مجرد عادة أو فضيلة، بل كان شارة قانونية ملزمة تُحدِّد الهوية الاجتماعية للمرأة. فالزوجة الحرة والبنت الحرة مُلزمتان بالحجاب، لا اختيارًا بل وجوبًا، لأنه علامة تُعلن أن لهذه المرأة مالكًا شرعيًا أو أسرة تحميها، وأن الاعتداء عليها اعتداء على بنية اجتماعية كاملة. أما الجارية فكانت ممنوعة من ارتداء الحجاب منعًا صارمًا، لأن سترها يُعد تزويرًا لهويتها الطبقية وادعاءً لمكانة لا تملكها. ولم يكن العقاب على هذا الادعاء بسيطًا، بل علنيًا وقاسيًا، فيه جلد وتشويه وإذلال وطرد، لأن المجتمع كان يرى في اختلاط العلامات خطرًا يهدد نظامه كله. فالحجاب هنا لم يكن تعبيرًا عن حياء، بل ختمًا قانونيًا يعلن الملكية والحصانة ويمنع التداخل بين الطبقات.

وفي الحضارتين اليونانية والرومانية، ورغم اختلاف البناء القانوني، ظل المعنى الاجتماعي واحدًا في الجوهر. فالمرأة الحرة كانت تُحاط بطبقات من الأقمشة الثقيلة، طويلة الذيل، عريضة الكم، تستر الشعر والصدر والأطراف، وتفرض حركة بطيئة ونبرة جسدية متحفظة. ولم يكن هذا الستر ترفًا ولا مجرد تقليد، بل كان رسالة مرئية تقول إن هذه المرأة لا تعمل بيدها ولا تحمل ولا تنظف ولا تتعرض للشمس ولا تختلط بالفضاء العام إلا بقدر محسوب، وأن وراءها بيتًا غنيًا وأسرة قوية ومكانة تمنحها حصانة ضمنية. أما الجارية فكانت ثيابها قصيرة خفيفة، مكشوفة الصدر أو الظهر، لا لأنها اختارت الجرأة أو التمرد، بل لأن طبيعة العمل القسري في الخدمة والحمل والطبخ والتنظيف والرعي تفرض جسدًا متاحًا للحركة وسريع الاستجابة، فصار الجسد المكشوف علامة وظيفة قبل أن يكون علامة أخلاق، وصار الانكشاف قرين الشقاء والفقر والعبودية لا قرين الحرية والاختيار.

ومع تراكم القرون، ترسخ في الوعي الجمعي قانون غير مكتوب مفاده أن المرأة المتسترة امرأة لها حرمة وحصانة، وأن المرأة المكشوفة امرأة لا حماية لها. وهكذا تحوّل الجسد إلى بطاقة تعريف اجتماعية، يقرأ منها العابر في الطريق ما الذي يحق له أن يقوله أو ينظر إليه أو يتجاوزه أو يتعرض له. فالمرأة المتسترة لا تُخاطَب إلا بوقار، ولا يُجرأ عليها إلا نادرًا، لأن وراءها منظومة انتقامية كاملة من زوج أو أب أو إخوة أو قبيلة أو طبقة. أما الجارية فكانت بلا ظهر يحميها، وبلا نسب ينتصر لها، وبلا حق في الشكوى، فصار جسدها فضاءً عامًا للنظر والتعليق وربما اللمس والشراء والبيع، وصار كشف الجسد في ذاته علامة إذن ضمني بالاستباحة، لا نتيجة اختيار واعٍ ولا تعبيرًا عن حرية شخصية.

في هذا الإطار التاريخي يمكن فهم واقع الجزيرة العربية قبيل الإسلام، حيث تداخلت الحرائر والإماء في الأسواق والطرقات، واشتد الاختلاط في الحياة اليومية، وبرزت ظاهرة التعرض للنساء في الليل خاصة. وكان المعتدون يجدون لأنفسهم تبريرًا اجتماعيًا جاهزًا حين يُعاتَبون فيقولون حسبناها أمة، أي أننا لم نعتدِ على امرأة لها حرمة، بل على امرأة لا حصانة لها. وهنا تتضح الإشكالية لا بوصفها انحرافًا أخلاقيًا فرديًا فحسب، بل بوصفها خللًا بنيويًا في نظام التمييز الاجتماعي ذاته، إذ لم تكن هناك علامة ظاهرة جامعة تحمي جميع المؤمنات من أن يُدرجن ضمن فئة المستباحات.

عند هذه النقطة جاء التشريع القرآني لا ليضيف عبئًا جديدًا على المرأة، بل ليعالج خللًا تاريخيًا عميقًا في بنية المجتمع. فجعل الغاية من الجلباب أن يُعرفن فلا يُؤذين، أي أن الستر وظيفة تعريفية وقائية قبل أن يكون تكليفًا تعبديًا، وأن المقصود منه إخراج المرأة المؤمنة من منطقة الالتباس الطبقي التي تتيح الاعتداء عليها بلا تبعة. غير أن التحول الأعظم لم يكن في مجرد وضع علامة فارقة، بل في تعميم هذه العلامة على جميع المؤمنات بلا استثناء. فبعد أن كان الستر حكرًا على بنات الملوك والسادة، صار حقًا لكل امرأة آمنت بالله، ولو كانت فقيرة أو مجهولة النسب أو مولودة أَمَة. وهنا انقلب ميزان التاريخ في صمت، إذ لم يعد النسب ولا المال ولا القبيلة شرطًا للهيبة، بل صار الإيمان هو مصدر الحصانة، وصارت كل امرأة مسلمة في المعنى الاجتماعي امرأة حرة، لها من الكرامة ما كان لا يُمنح إلا لأعلى الطبقات.

بهذا المعنى لم يكن التشريع الإسلامي مجرد تنظيم للسلوك، بل كان ثورة هادئة على نظام طبقي عالمي امتد آلاف السنين. فقد نقل ملايين النساء من خانة الجسد الوظيفي المملوك إلى خانة الإنسان الكامل المكرّم، ومن موقع السلعة المعروضة إلى موقع الذات المصونة، ومن طبقة بلا اسم إلى جماعة لها هوية وحرمة وحدود. ولم يفعل ذلك عبر العنف ولا الصدام، بل عبر إعادة تعريف الرمز ذاته الذي كان أداة قهر فجعل منه أداة تحرير.

ومن أعجب مفارقات التاريخ أن ما يُرفع اليوم شعارًا للتحرر كان في الماضي أقسى أشكال الاستعباد، وأن ما يُصوَّر اليوم قيدًا كان في زمنه أعلى درجات السيادة. فالمرأة المكشوفة في الحضارات القديمة لم تكن تختار جسدها، بل يُختار عنها، ولم تكن تعلن استقلالها، بل تُعلن وظيفتها، ولم تكن تمارس حريتها، بل تكشف فقرها وعبوديتها. أما المرأة المتسترة فلم تكن تختفي، بل كانت تُعلن حضورها الاجتماعي بوصفها امرأة لا تُنال ولا تُستباح ولا تُشترى. فالستر لم يكن نفيًا للجسد، بل إعادة ملكيته إلى صاحبته، ولم يكن إلغاءً للأنوثة، بل تحصينًا لها من أن تُختزل في كونها مادة نظر أو سلعة تداول.

ومع أفول نظام الرق في العالم الإسلامي، زال السبب التاريخي المباشر للتمييز بين الحرة والأمة، لكن بقي جوهر القيمة التي أسسها التشريع، فانتقل الستر من كونه علامة طبقية إلى كونه اختيارًا قيميًا، ومن كونه شارة حماية اجتماعية إلى كونه تعبيرًا ذاتيًا عن الوقار والانتماء والهوية. ولم يعد المقصود منه أن يميز المرأة عن غيرها في الطبقة، بل أن يثبت سيادتها على جسدها وحضورها وحدودها في المجال العام.

ومن ثم يمكن القول إن الإسلام لم يأت ليحجب المرأة عن المجتمع، بل ليحجب المجتمع عن استباحتها، ولم يأت ليقيد حركتها، بل ليحررها من موقع السلعة الصامتة، ولم يأت ليصنع طبقة نسائية معزولة، بل ليهدم أقدم طبقية عرفها التاريخ في علاقة الرجل بجسد المرأة. وفي ضوء هذا الفهم يتبدى الستر لا بوصفه أثرًا من آثار القهر، بل أثرًا من آثار الكرامة، ولا بوصفه بقايا عصر قديم، بل ثمرة تحول حضاري نقل المرأة من الهامش إلى المركز، ومن التشييء إلى الإنسانية، ومن العبودية الصامتة إلى مقام الحرائر والملكات