الشك وهواجس النفس مع الفضاء الإلكتروني

بقلم الاستاذ الدكتور: نعيم شرف
العميد السابق لكلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر

ثمة صور للشك وأشكاله العديدة وأحكامه المتباينة،فمنها ما هو حرام يقتضي الشرك والكفر؛ كالشك في أصول العقيدة، كمن شك في وجود الله تعالى، أو في وحدانيته، ومنها الشك فيما هو معلوم من الدين بالضرورة؛ كوجوب فرضية الصلوات الخمس، وإيتاء الزكاة، ومثل هذا يخرج صاحبه من الإسلام إذا أصر على عناده وتكبره، ومنها الشك فيما هو غير معلوم من الدين بالضرورة؛ كمن نسي أَصَلَّى أربع ركعات أو ثلاث، فيَبْني على الأقل، فمقام هذه المقالة لا يتسع لعرض تفاصيل تلكم الصور، وإنما قصدت هنا الشك الذي امتلأ به كثير من بيوت المسلمين؛ نتيجة طغيان السوشيال ميديا، وضيق الحالة المعيشية لدى الطبقات الدنيا، ولم يكن الإنسان يوما معصوما من الشك والارتياب، فهو من طبائع البشر التي تتسلل إلى نفوسهم بشكل لا إرادي عن طريق ما قد يلقيه الشيطان من تكرار خواطر القلب، وهواجس النفس، وشبهات العقل، ووساوس الشر.

فالشك محمود في كثير من أمره إذا تمت معالجته عن طريق التفكر والتدبر والبحث عن الأدلة التي تمحو أثر الشك وتبرهن على عدم استحقاق وجوده؛ وهذا ما فعله نبي الله تعالى سيدنا إبراهيم -عليه السلام- رغم علو شأنه، وصدق إيمانه- حين أراد الوصول إلى مفتاح الحقيقة، والحصول على عين اليقين في قلبه، حول خاطر غيبي لا يعلم كنهه إلا الله تعالى؛ فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَىٰ وَلٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ فأجابه المولى تبارك وتعالى بمعاينة الأحياء؛ ليستريح قلبه، وتقر عينه.

ولنعد إلى مسائل الشك، والمراقبة، والتلصص، والتجسس التي نتجت عن عوامل عديدة؛ منها: تراجع الالتزام الديني، وطغيان الغلاء، ورداءة الخُلُق، والانجراف خلف مظاهر الوجاهة الاجتماعية الزائفة، وكثرة الاضطرابات النفسية والعصبية، وزيادة القلق والتوتر بين الناس؛ نتيجة الغيرة الشديدة، أو التجسس على الآخرين، أو الحسد، أو الحقد، أو الكراهية بين أفراد الأسرة والمجتمع، وقد ساهمت السوشيال ميديا، ومواقع التواصل الاجتماعي في ظهور أخلاقيات منحرفة، وسلوكيات دخيلة، وانحلال في منظومة القيم، ومصطلحات غريبة على مجتمعاتنا العربية والإسلامية الأصيلة، وأصبح اختلاط الرجال بالنساء سهلا ميسورا دون أية حواجز، أو ضوابط شرعية، فزادت الفتنة، وكثرت الشبهات، ودبت خطوات الشيطان في الأرض؛ فوجد الشك والريب أرضا خصبة يمرح فيها بين خواطر الجنسين، وبات كل من الزوجين يتلصص على زوجه عبر ذلك الفضاء الإلكتروني المجهول، أو غيره من الوسائل، ويتتبع حثيثا خطواته، ويُلِحُ في معرفة كلمات السر لتلك المواقع، أو الهاتف المحمول الخاص بزوجه، أو «الإيميل» من دون أن يجد أي منهما ما يثير الشك في الطرف الآخر، ومثل تلك التصرفات تزيد في نِسَبِ الشكوك التي تجول في الخاطر، ويتردد صداها في الصدر؛ فيسيء كل منهما الظن بالآخر، ويتهمه في خُلُقه، وربما في الشرف والعِرْضِ لمجرد أوهام، ووساوس شيطانية، لا تستند إلى أدلة، أو حجج وبراهين، فعِرْضُ المسلم مُحَرَّمٌ، وشرفه مصون ومعصوم، لا يجوز الخوض فيه إلا ببينة، وأدلة دامغة، وشواهد حقيقية مؤكدة؛ إذ لا يجوز أن ننسب إليه ما هو منه براء؛ قال الله جَلَّ في عُلاه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعِرْضه) رواه مسلم.

وإن كنت بعد هذا لا أجد مانعا أبدا في أن يعطي كل زوج زوجه الأرقام السرية التي تخص مواقع السوشيال ميديا، والهاتف المحمول؛ بحيث لا يترك الحبل على الغارب، وهذا من باب التوافق، والانسجام، وترسيخ الثقة المتبادلة بين الزوجين؛ لأن الأصل في المسلم، رجلا كان أو امرأة العِفَّة، والطهارة، والحياء، والبراءة، والسلامة، والأمانة، وحمل ما يصدر عنه من تصرفات على رجحان الخير، وحسن الظن، وسلامة القصد والنية، ولهذا قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ صدق الله العظيم.

فالتجسس والشك من دون ريبة، أو شواهد مؤكدة منهي عنه في الإسلام بكل الصور والأشكال؛ لأن في ذلك تعقبا لخصوصيات الطرف الآخر، وانتهاكا لحرمته، وتتبعا لعوراته، وكشفا لستره، وفضحا لأمره، ومثل هذه التصرفات إنما تعود بالتدمير على بيوت المسلمين؛ إذ تؤدي إلى كثير من الخلافات، وزيادة القلق، والاضطرابات، والضغوط النفسية والعصبية، والفقر العاطفي؛ ومن ثم يتهدد الاستقرار، وتُضْرَب مشاعر الحب في مقتل، وتزيد نِسَب الطلاق، ويتفكك البناء الأسري المسلم.

فعلى كل مسلم ومسلمة الالتزام بالضوابط الشرعية، وأن يتقي الله تعالى في شريك حياته، وأن يستعيذ بالله من وساوس الشيطان الرجيم، ويتثبت من أمور الشكوك، والأوهام، وإساءة الظنون، بحيث يجتهد في إغلاق أبواب الشبهات، ويتجنب مواطن التهمة، وينأى عن المسالك التي تؤدي إلى تلك الشكوك؛ ويأخذ بأسباب التعافي من داء الوسواس؛ كغض البصر، وتجنب الخلوات، والخضوع بالقول، والمحادثات المشبوهة على وسائل التواصل، وليحسن كل طرف الظن بالآخر، ويتحقق مما يريد بالرحمة، والرفق، واللين، والتلطف، والمودة، والصبر؛ لتقوى بذلك الروابط الأسرية، ويعود البيت المسلم إلى سابق عهده، حيث الهدوء، والسكينة، والطمأنينة، والأمان؛ امتثالا لقول الله جلَّ في عُلاه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ صدق الله العظيم.