التسبيح دواء الصابرين على الأذى والتكذيب


بقلم أ . د / عبدالغنى الغريب

أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر

يقول الحق سبحانه: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ۖ وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ } طه ١٣٠.

#لماذا التسبيح؟ وما المقصود به هنا؟وما سر الإتيان به في هذه الأوقات؟ وما مناسبة الإطلاق في آناء الليل؟والتقييد بأطراف النهار؟وهل يختلف معنى الآية بسبب القراءة الثانية في كلمة ترضى؟

#وقفة بل وقفات حول هذه الآية الكريمة من كتاب الله.

# لكن ما المراد بالتسبيح هنا؟قيل: المراد بالتسبيح هنا: الصلاة، وقيل: هو على ظاهره، فلا يبعد حمله على التنزيه والإجلال.

#والمعنى: اشتغل بتنزيه الله تعالى في هذه الأوقات، وهذا القول أقرب إلى الظاهر كما يقول أبو عبد الله الرازي؛ لأنه تعالى: صبّره أولا على ما يقولون من تكذيبه ومن إظهار الشرك والكفر، والذي يليق بذلك أن يأمر بتنزيهه تعالى عن قولهم حتى يكون دائما مظهرا لذلك وداعيا إليه، فلذلك قال ما يجمع كل الأوقات.
# يقول الشيخ محمد رشيد رضا: والأظهر في أمثال هذه الآيات أن ذكر الله تعالى وتسبيحه المطلق فيها عام، فيدخل فيه الصلاة وغيرها.

# ومن ثمرات التسبيح في القرآن إن أردت رضوان الله: فسبِّح، لقوله تعالى: “وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى” [طه: ١٣٠].

#وإن أردت الخلاص من النار: فسبِّح، لقوله تعالى: “ سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ” [آل عمران: ١٩١].

#وإن أردت الفرج وكشف الغم: فسبِّح؛ لقوله تعالى عن يونس:” فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ” الأنبياء: ٨٧-٨٨].

# والسؤال الذي يطرح نفسه أيضا:لماذا التسبيح قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها، ومن آناء الليل، وأطراف النهار؟

#يقول القشيري في لطائفه: قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ: أي فى صدر النهار ليبارك الله لك فى نهارك، وينعم صباحك.

#«وَقَبْلَ غُرُوبِها” :أي عند نقصان النهار ليطيب ليلك، وينعم رواحك.
#”وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ”: أي فى ساعات الليل، فإن كمال الصفوة فى ذكر الله فى حال الخلوة.

#«وَأَطْرافَ النَّهارِ» أي استدم ذكر الله فى جميع أحوالك.

#ويذكر الزمخشري نكتة هنا : وهي أن أفضل الذكر ما كان بالليل، لاجتماع القلب وهدو الرجل والخلاء مع الله، فقد قال الله عز وجل:” إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا” المزمل:٦، وقال: ” أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً” الزمر:٩ ، ولأنّ الليل وقت السكون والراحة، فإذا صرف إلى العبادة كانت على النفس أشد وأشق، وللبدن أتعب وأنصب، فكانت أدخل في معنى التكليف وأفضل عند الله.

أى: اذكر الله في هذه الأوقات، طمعا ورجاء أن تنال عند الله ما به ترضى نفسك ويسر قلبك.

# لكن ما سر الإطلاق في آناء الليل والتقييد بأطراف النهار؟ولماذا أطلق زمن التسبيح بالليل فقال: {آنَآءِ الليل} [طه: ١٣٠]، وحدده في النهار فقال: {وَأَطْرَافَ النهار} طه: ١٣٠؟

#قالوا: لأن النهار عادة يكون محلاً للعمل والسَّعْي، فربما شغلك التسبيح عن عملك، وربنا يأمرنا أن نضربَ في الأرض ونُسهِم في حركة الحياة، والعمل يُعين على التسبيح، ويُعين على الطاعة، ويُعينك أنْ تلبي نداء: الله أكبر، أمّا في الليل فأنت مستريح، يمكنك التفرغ فيه لتسبيح الله في أيِّ وقت من أوقاته.

#ثم يذكر سبحانه الغاية من التسبيح، فيقول {لَعَلَّكَ ترضى} [طه: ١٣٠]
#ونلحظ أن الحق سبحانه يحثُّ على العمل بالنفعية، فلم يقُل: لعلِّي أرضى، بل قال: لعلك أنت ترضى، فكأن المسألة عائدة عليك ولمصلحتك.

# “لعلك ترضى” جملة عجيبة، والعجيب في هذه الجملة أن الله سبحانه وتعالى قالها لنبيه صلى الله عليه وسلم كنتيجة لأعمال وأقوال يفترض أن المرء يفعلها ليستجلب رضا الله وليس ليرضي نفسه، لكنه كريم سبحانه.

#”لعلك ترضى” أنت الذي سترضى، سيرضيك الله إن بذلت ما في وسعك لترضيه. إن صبرت وَسَبِّحْت بحمده في كل وقت وعلى كل حال.

#” لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ” موطن العجب في هذه الجملة يكمن ببساطة في محل الاسترضاء، فليس العجيب أن يسعى الأدنى لإرضاء الأعلى، أو أن يتبين دوما هل حقق هذا الرضا أم لا؟

# الابن يطلب رضا والديه، والمرؤوس يطلب رضا رئيسه وليس العكس، أما أن يسأل الأعلى من هو أدنى منه عن رضاه ويريد له أن يكون راضيا، فهذا ما يعجب له العقل ويذوب القلب تأثرا به.

#حين يسأل المولى أهل جنته فيقول لهم: يا أهل الجنة هل رضيتم؟بل ويسأل أدناهم وآخرهم دخولا فيقول: عبدى أترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا ؟.
#أن يرضى العبد ، فإن هذا ما لا يجد له العقل تفسيرا إلا إذا تذكر أنه الرحمن الرحيم الأرحم بعبده من أمِِ بولدها،وعندئذ يدرك العبد أن مدار الأمر وأوله ومنتهاه يكمن في تلك الكلمة ذات الأحرف القليلة: الرضا.

#أن يلج العبد باب الرضا ليدخل إلى تلك الجنة الدنيوية التي يتذوق فيها طعم الإيمان حين يجد حلاوة الرضا بربه وبدينه وبنبيه ابتداء، ثم بعد حين ترجع نفسه المطمئنة لربها راضية مرضية، ثم ينعم انتهاء بسماع السؤال الرباني: عبدي أترضى؟يا أهل الجنة هل رضيتم؟ ثم يحل عليه الرضوان جزاء من جنس عمله كما ورد كل حرف مما سبق في الآيات والأحاديث الصحيحة.

#عندئذ لا يملك العبد إلا أن يردد بكل ذرة منه كلمة أهل الجنة “قد رَضِينَا عَنْكَ فَارْضَ عَنَّا”

#لكن هذه الخيرات في الدنيا والآخرة لا تنال بمجرد الكلام والشعارات ولا يجد حلاوتها من يكتفون عند سماعه أو قراءته بمصمصة الشفاه وهز الرؤوس اقتناعا أو أداء لواجب.

#كل ذلك لا يُنال إلا بفهمه ثم تطبيقه على واقع المرء .
أن ترضى بالله ربا.
أن ترضى بأفعاله وتدبيره.
أن تقبل بحكمه وملكه وتصريفه.
أن تعترف عمليا أنك العبد وهو الرب ، ومن ثم تقبل بأمره الكوني القدري وأن تستسلم وتمتثل لأمره الشرعي.
وأن ترضى بالإسلام دينا.
وأن تقبل به شرعة ومنهاجا.
اللهم اجعلنا راضين مرضيين بنعمك التي لا تعد ولا تحصى [ اللهم لك الحمد حتى الرضا، ولك الحمد بعد الرضا ولك الحمد إذا رضيت.