قَضِيَّةُ الْمِعْرَاجِ بَيْنَ الْإِيمَانِ الْغَيْبِيِّ وَالْإِمكان العقلي


بقلم الشيخ : عماد الدين الغزالى
واعظ أول وعضو لجنة فتوى بالأزهر الشريف

هَذِهِ الْقَضِيَّةِ الَّتِي أشار إليها الْقُرْآنُ فِي سُورَةِ النَّجْمِ: {وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ(١٣) عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ (١٤)عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰٓ (١٥) إذْ يَغْشَى ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ (١٦) مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ (١٧) لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ ءَايَٰتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰٓ (١٨)}.

وَإِشَارَةً إِلَيْهِ سُورَةُ الْإِسْرَاءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ ۚ وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِىٓ أَرَيْنَٰكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِى ٱلْقُرْءَانِ ۚ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَٰنًا كَبِيرًا (٦٠)}.

وَجَاءَتِ السُّنَّةُ مُصَرِّحَةً وَمُبَيِّنَةً وَمُوَضِّحَةً وَمُفَسِّرَةً لِهَذِهِ الْآيَاتِ وَفَصَّلَتْ مَا أَجْمَلَهُ الْقُرْآنُ فِى أَبْدَعِ تَصْوِيرٍ وَقَرَّبَتِ الْمَعَانِي مُرَاعَاةً لِأَصْحَابِ الْعُقُولِ الْقَاصِرَةِ مِنَ الْبَشَرِ .

وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الرِّحْلَةَ مِنْ ضِمْنِ فَوَائِدِهَا اخْتِبَارُ إيمَانِ النَّاسِ بِالْغَيْبِ، وَإِفْرَادِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْقُدْرَةِ الْمُطْلَقَةِ، وَأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَأَنَّ الْقُدْرَةَ تَتَعَلَّقُ بِالْمُمْكِنِ الْعَقْلِيِّ، وَلَا تَتَعَلَّقُ بِالْمُسْتَحِيلِ وَلَا بِالْوَاجِبِ الْعَقْلِيِّينِ، فَكُلُّ مَا كَانَ تَحْتَ عَالَمِ الْإِمْكَانِ وَلَمْ يَرِدْ فِي الشَّرِيعَةِ مَا يَمْنَعُ حُصُولَهُ فَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ الْقُدْرَةِ، وَلَا تُسْمَعُ فِيهِ دَعْوَى الِاسْتِحَالَةِ .

وَهُنَا سُؤَالٌ يَطْرَحُ نَفْسَهُ عَلَى الْوَاقِعِ الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِهِ مِنْ إِلْحَادٍ وَعَالَمٍ مَادِيٍّ يُنْكِرُ الْغَيْبِيَّاتِ وَيُعَمِلُ الْعَقْلَ وَيُقَحِمُهُ فِيمَا لَيْسَ لَهُ فِيهِ مَجَالٌ ….

هَلْ يُمْكِنُ إِثْبَاتُ قَضِيَّةِ الْمِعْرَاجِ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ وَالنَّظَرِيَّاتِ العلمية وَالْعِلْمِ التَّجْرِيبِيِّ؟

وَالْإِجَابَةُ يُمْكِن!!!!

وَهَذَا مِنْ خِلَالِ الرَّبْطِ بَيْنَ نَظَرِيَّةِ النِّسْبِيَّةِ الْعَامَّةِ لِآيْنِشْتَايْنِ وَفِيزِيَاءِ الْكَمْ مُلَخَّصُ هَذِهِ النَّظَرِيَّةِ إذَا اسْتَطَاعَ الْإِنْسَانُ أَنْ يَخْتَرِعَ جِهَازًا يَتَجَاوَزُ سُرْعَةَ الضَّوْءِ ٣٠٠أَلْفِ كِيلُومِتْرٍ فِي الثَّانِيَةِ فَإِنَّهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْتَرِقَ حَاجِزَ الزَّمَانِ ،وَهَذِهِ النَّظَرِيَّةُ تُجْرَى عَلَيْهَا أَبْحَاثٌ وَتَجَارِبُ ضَخْمَةٌ فِي الْغَرْبِ وَتَعَلَّقَتْ بِهَا حُلْمُ آلَةِ الزَّمَانِ أَوْ السَّفَرِ عَبْرَ الزَّمَنِ ……

وَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى الْمِعْرَاجِ نَجِدُ أَنَّهُ كَانَ بِالْبُرَاقِ وَكَانَتْ سُرْعَةُ خُطُوَتِهِ عِنْدَ منتهى طرَفِهِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ(يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرَفِهِ)، وَطَرَفُهُ لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ إلا الله وَسُرْعَةُ هَذَا الْمَخْلُوقِ لَايَعْلَمُهَا أَحَدٌ إلا الله فَلِمَاذَا الْعَجَبُ!!!

وَأَيْنَ هُؤُلَاءِ أَصْحَابُ الْعُقُولِ وأَصْحَابُ النَّظْرَةِ الْمَادِيَّةِ لِمَاذَا لَمْ يَخْرُجْ أَحَدٌ مِنْ هُولَاءِ وَيَتَكَلَّمُ عَنْ هَذِهِ النَّظَرِيَّةِ بِأَنَّهَا خُرَافَاتٌ وَهِيَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وَهُنَا يُعْلَمُ أَنَّ الْإِسْلَامَ دِينٌ لَمْ يَحْجُرْ عَلَى الْعُقُولِ الْإِبْدَاعَ وَالِاخْتِرَاعَ وَالتَّفْكِيرَ بَلْ قَدْ حَثَّ الْإِسْلَامُ عَلَى ذَلِكَ وَأَعْطَاهُمْ إِشَارَاتٍ إذَا مَا تَدَبَّرُوهَا وَصَلُوا إِلَى بِغْيَتِهِمْ.

فَإِذَا كَانَ هَذَا مُتَوَقَّعًا مِنْ مَقْدُورِ الْبَشَرِ أَلَا تَخْجُلُوا أَنْ تَنْفُوَهُ عَنْ مَقْدُورِ رَبِّ الْبَشَرِ مَالَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ.

وَأَقُولُ أَخِيرًا قَدْ أَنْكَرَ كُفَارُ قُرَيْشٍ الْإِسْرَاءَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي عَصْرِهِمْ طَائِرَةٌ أَوْ صَارُوخٌ فَقَاسُوا الْأَمْرَ عَلَى قَوَانِينِهَا وَنَوَامِيسِهَا الَّتِي هِيَ فِي بِيئَتِهِمْ، أَيِ السَّفَرِ بِالْبَعِيرِ أَوْ بِالْفَرَسِ أَوِ الْحِمَارِ، فَاسْتَحَالَ عَلَى عُقُولِهِمُ اسْتِيعَابُ السَّفَرِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ ثُمَّ الْعَوْدَةِ فِي لَيْلَةٍ، وَفِي زَمَانِنَا هَذَا، سَهْلٌ هَذَا السَّفَرُ فَلَمْ يُنْكَرْ.

وَلَكِنْ أَهْلُ زَمَانِنَا أَصْحَابُ الْعُقُولِ الْمُتَحَرِّرَةِ وَأَصْحَابُ الْحَدَاثَةِ وَالْعِلْمَانِيَّةِ الَّتِي مَا هِيَ إِلَّا أَغْلِفَةٌ تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا الْإِلْحَادَ بِكُلِّ صُوَرِهِ فَإِنَّهُمْ أَنْكَرُوا الْمِعْرَاجَ، وَهُمْ فِي إِنْكَارِهِمْ هَذَا لَمْ يَفرُقُوا عَنْ إِنْكَارِ هَؤُلَاءِ الْأَوَائِلِ الَّذِينَ أَنْكَرُوا الْإِسْرَاءَ؛ لِأَنَّهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ قَاسُوا الْأَمْرَ عَلَى قَوَانِينِهِمُ الْبَشَرِيَّةِ وَلَمْ يَعْرِفُوا بَعْد الطَّائِرَةَ أَوِ الصَّارُوخَ، وَنَقُولُ لِهَؤُلَاءِ الْمُعَاصِرِينَ الَّذِينَ أَيْضاً قَاسُوا الْأَمْرَ عَلَى قَوَانِينِهِمْ وَنَوَامِيسِهِمُ الْحَالِيَّةِ: مَاذَا لَوْ تَوَصَّلَ الْعِلْمُ إِلَى تَفْعِيلِ هَذِهِ النَّظَرِيَّاتِ وَتَطْبِيقِهَا وَأَمْكَنَ صُنْعُ آلَةٍ تَخْرِقُ حَاجِزَ سُرْعَةِ الضَّوْءِ وَتُحَقِّقُ الْخُرُوجَ مِنْ حَاجِزِ الزَّمَانِ إِلَى الزَّمَكَانِ بِنَاءً عَلَى الرَّبْطِ السَّابِقِ بَيْنَ نَظَرِيَّةِ النِّسْبِيَّةِ وَنَظَرِيَّةِ الْكَمِّ ، فَمَاذَا لَوْ وُجِدَتْ هَذِهِ الْآلَةُ بَعْدَ فَتْرَةٍ مِنْ الزَّمَنِ؟ رُبَّمَا لَيْسَتْ بِالطَّوِيلَةِ، مَاذَا يَكُونُ أَمْرُكمْ أَمَامَ خَالِقكم؟ …

وأخيراً: إِنَّ هَذَا الدِّينَ يَمْتَحِنُ الْعَقِيدَةَ وَالْإِيمَانَ ثُمَّ يُثَبِّتُهَا لَهُمْ بِتَيْسِيرٍ مِنْ الرَّحْمَنِ {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥)