الأزهر الشريف، قلعة السنة التي ابتلعت بانيها


بقلم الدكتور :كمال الدلتونى 

تتردد بين الحين والآخر دعاوى تهدف إلى التقليل من شأن الأزهر الشريف، أو التشكيك في عقيدته الصافية، تارة بدعوى أن “العلم ليس حكراً عليه”، وتارة أخرى بالنبش في تاريخ نشأته الفاطمية، والحقيقة أن هذه الدعاوى واهية كبيت العنكبوت أمام حقائق التاريخ والواقع، وفيما يلي الرد التفصيلي:

أولاً: فرية “العلم الشرعي ليس حكراً على الأزهر”
نعم، نقولها بوضوح: العلم الشرعي نظرياً ليس حكراً على مكان، فالله واسع عليم ولكن، دعونا نتحدث بلغة الواقع والبدائل:
إذا هدمنا – لا قدر الله – ثقة الناس في الأزهر، فما هو البديل؟
أعطنا اسماً لمؤسسة واحدة، أو محضناً علمياً واحداً يمتلك منهجية علمية متوارثة (كابراً عن كابر) تدرس فيها علوم الآلة (نحو، صرف، بلاغة، منطق) جنباً إلى جنب مع علوم الغاية (تفسير، حديث، فقه، عقيدة) بتدرج علمي رصين يحمي الطالب من التطرف أو التمييع؟

* هل البديل هو “الشيخ جوجل” والفتاوى الشاردة؟
* أم البديل هو الكيانات المجهولة التي تفرخ التشدد؟
* أم الدراسة الفردية التي تفتقر إلى السند المتصل وإجازة العلماء؟
الأزهر ليس مجرد مبنى، بل هو “المنهج” الذي حفظ وسطية الإسلام لأكثر من ألف عام فمن يقل إن العلم ليس حكراً عليه، نطالبه فوراً بتقديم البديل المؤسسي الذي يخرج لنا عالماً موسوعياً يفهم النص ويدرك الواقع، فإن عجز – وسيعجز – فقد بطلت حجته.

ثانياً: شبهة “البناء الفاطمي الشيعي”
يستخدم البعض حقيقة أن الفاطميين (العبيديين) هم من بنوا الأزهر كذريعة للطعن في سنيته، وهذا استدلال أعوج يدل على جهل مطبق بالتاريخ، وذلك لعدة أسباب:

1. العبرة بالساكن لا بالباني :
هل العقيدة تسكن في الحجارة والأعمدة؟ أم في العقول والكتب التي تدرس؟
لقد بنى الفاطميون الجامع ليكون منبراً لدعوتهم، لكن الله أراد له شأناً آخر، لقد تحول الأزهر إلى “غنيمة باردة” لأهل السنة، حيث سخر الله بناءهم لخدمة المذهب السني الذي حاربوه!
لو احتل مستعمر بلداً وبنى فيه مدرسة أو مستشفى، ثم رحل المستعمر، هل يقول عاقل: “لا تتعلموا في هذه المدرسة لأن بانيها محتل”؟! أم نستخدمها لنهضة بلادنا؟ العبرة بما يُدرَّس الآن، وما يُدرَّس الآن هو الكتاب والسنة بفهم جمهور الأمة.

2. لغة الأرقام (200 مقابل 1000):
استمر الحكم الفاطمي وقتاً، وكان الأزهر منبراً لهم لنحو 200 عام، لكنه عاد قلعة لأهل السنة والجماعة لأكثر من 1000 عام حتى يومنا هذا!

لقد أغلق السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي الأزهر (كتدريس وليس العبادة ) فترة من الزمن ليميت ذكره كرمز شيعي، ثم لما استقرت عقيدة الناس، أعاد الظاهر بيبرس والمماليك فتحه ليكون كما نراه اليوم، منارة للسنة. فهل نترك الـ 1000 عام ونتمسك بفترة التأسيس المنقضية؟

3.موقف المصريين التاريخي من “الرافضة”:
وهذه نقطة تاريخية هامة يغفل عنها الكثيرون، فعلى الرغم من سيطرة الفاطميين على الحكم وبناء الأزهر لنشر مذهبهم، إلا أن المجتمع المصري لفظ هذا المذهب ورفضه رفضاً قاطعاً.

لقد عزل المصريون أنفسهم عن عقيدة الحكام، وحافظوا على سنيتهم وحبهم لآل البيت (حب المودة لا حب التأليه والتشيع)، بل وصل الأمر بالمصريين إلى التندر والسخرية من دعاتهم، ولم يتشيع من أهل مصر إلا قلة منتفعة، وبمجرد سقوط دولتهم، عاد الأزهر لأهله (أهل السنة) وكأن شيئاً لم يكن.

فالأزهر اليوم هو أكبر دليل على انتصار السنة؛ لأنه المكان الذي أُريد له أن يكون معول هدم، فصار حصناً منيعاً للدفاع.

شهادة المؤرخ المقريزي (حول فشل التشيع شعبياً)
المقريزي، وهو “شيخ مؤرخي مصر”، وثق لنا حال المصريين وعلمائهم طوال الـ 200 عام.

يؤكد المقريزي أن التشيع لم يتجاوز بلاط الحاكم وبعض المنتفعين، بينما بقي عامة المصريين وعلمائهم في الأزهر وخارجه على مذهب الإمام مالك والإمام الشافعي، يقرؤون “الموطأ” سراً، ويقاومون بدعهم علانية كلما سنحت الفرصة.
يقول المقريزي واصفاً انقراض مذهبهم بمجرد زوال حكمهم: “فلما زالت دولتهم، كأنها لم تكن… ولم يبق بمصر من يتدين بمذهب الرافضة إلا من لا يشار إليه”.
(تقي الدين المقريزي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (المعروف بخطط المقريزي)، (ج 2 / ذكر الجامع الأزهر).

 أبرز المواقف الموثقة لعلماء داخل القطر المصري قبل عصر صلاح الدين الأيوبي:

علماء داخل مصر قاوموا التشيع
لم يخلُ الزمان في مصر من قائم لله بالحجة، وهؤلاء العلماء كانوا يعيشون في قلب الدولة الفاطمية، يدرسون السنة ويحفظون عقيدة الناس، متحدين السلطة الغاشمة:

1. الإمام الحافظ عبد الغني بن سعيد الأزدي (مُحدِّث مصر)
عاش في أخطر فترات الحكم الفاطمي (فترة الحاكم بأمر الله المضطربة)، كان هو المرجع لأهل السنة في مصر، وحافظ على “إسناد الحديث” متصلاً في وقت كانت تحارب فيه كتب السنة.

حينما أراد الحاكم بأمر الله إجبار الناس على سب الصحابة، وكتب ذلك على المساجد، ظل عبد الغني الأزدي يُدَرِّس الحديث وفضائل الصحابة. وقد جرت محاولة لقتله، لكنه واجه الحاكم بأمر الله بحكمة وثبات، فلم يتنازل عن عقيدته ولم يداهن، وظل يروي أحاديث فضل الشيخين (أبي بكر وعمر) داخل مصر المحكومة بالشيعة.

* دلالة الموقف: بقاء علم الحديث في مصر طوال 200 عام يعود الفضل فيه -بعد الله- لأمثال هذا الإمام الذين لم يغادروا مصر ولم يتشيعوا.
(الذهبي، سير أعلام النبلاء، (ترجمة عبد الغني بن سعيد، الطبقة الثانية والعشرون).
* ابن خلكان، وفيات الأعيان، (ج 3 / ص 223).

2. الإمام الثائر أبو بكر الطرطوشي (نشر السنة في الإسكندرية)
هو عالم مالكي، استقر في الإسكندرية في أواخر الدولة الفاطمية (عصر الوزير الأفضل)، يعتبره المؤرخون الرجل الذي “أحيا السنة وأمات البدعة” في الإسكندرية قبل وصول صلاح الدين.

أقام مدرسة لتدريس المذهب المالكي (السني) في الإسكندرية متحدياً السلطة في القاهرة، وله قصة مشهورة حين اعترض على “الوزير الأفضل” (الحاكم الفعلي للفاطميين) في بدع ومظالم فرضها، وناظره وجهاً لوجه، وقال كلمته الشهيرة في تحريم ما أحدثوه من ضرائب وبدع، حتى خضعت له السلطة في بعض الأمور خشية من مكانته بين الناس.
* دلالة الموقف: وجود مدرسة سنية قوية في الإسكندرية وقت الحكم الفاطمي ينسف فكرة أن مصر كلها كانت شيعية.

(المقريزي، المقفى الكبير، (تراجم حرف الميم).
* ابن كثير، البداية والنهاية، (أحداث سنة 520 هـ).

3. الإمام أبو إسحاق الحَبَّال (شيخ المحدثين بمصر)
كان شيخاً للمحدثين في مصر، وعاش في القرن الخامس الهجري (عز الدولة الفاطمية).

رفض الرضوخ لضغوط الفاطميين في الأذان (حي على خير العمل)، وكان يجمع الناس حوله لسماع الحديث النبوي الصحيح. والموقف الأبرز هو يوم وفاته (سنة 482 هـ)؛ إذ تحولت جنازته إلى مظاهرة سنية صامتة، خرج فيها آلاف المصريين يترحمون عليه، في رسالة رفض واضحة لعقيدة الحاكم وتمسك بعقيدة العالِم.

(الذهبي، تذكرة الحفاظ، (ج 3 / ص 1195).
* السيوطي، حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة.)

4. القاضي الخُلَعي (أبو الحسن علي بن الحسن)
كان يسكن منطقة “القرافة” بمصر، واشتهر بعلو سنده في الحديث (الخلعيات).

اعتزل جوار السلاطين الفاطميين، وجلس في بيته ومسجده يعلم الناس القرآن والحديث على نهج أهل السنة، وكان يأتيه الطلبة من كل مكان سراً وعلانية. وجود أمثاله هو الذي جعل صلاح الدين حين جاء يجد “أرضية سنية” جاهزة للبناء عليها، ولم يبدأ من الصفر.

(الذهبي، سير أعلام النبلاء، (ج 19 / ص 74).

ومن يظن أن مصر دانت للفاطميين، فليسأل التاريخ عن الإمام عبد الغني الأزدي، محدث مصر الذي صدح بفضائل الصحابة في زمن الحاكم بأمر الله، أو عن الإمام الطرطوشي الذي حول الإسكندرية إلى قلعة للمالكية في وجه القاهرة الفاطمية، هؤلاء العلماء الذين عاشوا وماتوا داخل مصر، حافظوا على جذوة السنة مشتعلة تحت رماد الحكم الشيعي، فكانوا هم “الأزهر الحقيقي” قبل أن يتحرر البنيان، لقد كانت الحوائط تبكي فاطمية، بينما القلوب والمحاريب تهتف بسنة سيدنا محمد ﷺ”.

الخلاصة :
من يطعن في الأزهر بحجة نشأته، كمن يلوم التائب على ذنب قديم تاب منه وحسن إسلامه وصار إماماً للمتقين، الأزهر الشريف هو كعبة العلم، وحصن الوسطية، وملاذ المسلمين، ومن أراد استبداله فلا بديل له إلا الفوضى.