العُرف عند الأصوليين(22)
17 يناير، 2026
العلم والعلماء

بقلم فضيلة الشيخ : أبو بكر الجندى
إمام وخطيب بوزارة الأوقاف
العُرف هو: ما ألفه المجتمع واعتاده وسار عليه في حياته من قول أو فعل، والعُرف والعادة بمعنى واحد عند الفقهاء.
أنواع العُرف:
1ـ العُرف العملي هو ما اعتاده الناس من أعمال كالبيع، وتقديم الطعام للضيف إذن له بتناول منه.
2ـ العُرف القولي، وهو ما تعارف عليه الناس في بعض ألفاظهم بأن يريدوا بها معنى معيناً غير المعنى الموضوع له، كتعارفهم على إطلاق لفظ الولد على الذكر دون الأنثى، وإطلاق اسم اللحم على غير السمك.
3ـ العُرف العام، وهو ما شاع في قُطر دون قُطر، أو بين أرباب حرفة معينة، والعُرف القولي والعملي كلاهما قد يكون عاماً وقد يكون خاصاً، فمن العُرف القولي العام: إطلاق لفظ الدابة على ذوات الأربع، ومن العُرف القولي الخاص إطلاق أهل العلوم وأصحاب الحرف ألفاظاً معينة اصطلحوا عليها يريدون عند إطلاقها المعنى الاصطلاحي لا اللغوي.
العُرف الصحيح هو: ما لا يخالف نصاً شرعياً ولا يفوت مصلحة معتبرة، ولا يجلب مفسدة راجحة، فتعارف الناس على أن ما يقدمه الخاطب إلى مخطوبته من ثياب ونحوها يعتبر هدية ولا يدخل في المهر.
العُرف الفاسد هو: ما كان مخالفاً لنص شرعي أو يجلب ضرراً أو يدفع مصلحة، كتعارف الناس على استعمال العقود الباطـلة كالاستقراض بالربا.
حجيه العُرف: والحق أن العُرف معتبر في الشرع ويصح بناء الأحكام عليه وهو في الحقيقه ليس بدليل مستقلٍ، ولكنه يرجع إلى أدله الشريعة المعتبرة والدليل على هذا:
أـ مراعاة الشارع لأعراف العرب الصالحة، ومن ذلك: إقراره أنواع المتاجرات والمشاركات الصحيحة عندهم كالمضاربة والبيوع والإجارات الخالية من المفاسد كالسَّلم الذي تعارف عليه أهل المدينه باستثناء الشارع من عموم نهيه عن بيع الإنسان ما ليس عنده.
ب ـ الغاء الشارع للأعراف الفاسدة كما فعل في عادات الجاهلية كالتبني، وعدم توريثهم النساء إذا ألغاه الشرع، وجعل لهم نصيبا مفروضاً، فالعُرف في حقيقته يرجع إلى دليل من أدله الشرع المعتبرة كالإجماع والمصلحة المرسلة والذرائع فمن العُرف الراجع إلى الإجماع: الاستصناع ودخول الحمامات.
دـ أن في تحويل الناس عن العُرف مشقة وحرجا والحرج مرفوع؛ لأنه مفسدة، وهذا من العُرف المستند إلى المصلحة الموصلة.
هـ ـ احتجاج الفقهاء بالعُرف في مختلف العصور دليل على صحة اعتباره؛ لأن عملهم به ينزل منزلة الإجماع السكوتي فضلاً عن تصريح بعضهم به وسكوت الآخرين عنه فيُعتبر ثابتاً بالإجماع.
شروط العُرف:
لبناء الأحكام على العُرف يشترط ما يلي:
1ـ ألا يكون مخالفًا للنص، وأن يكون عرفًا صحيحًا، كما يعرف الناس أن صاحب الوديعة مأذون بتسليمها لمن جرى العُرف بجواز التسليم إليه كزوجة المودع وأولاده وخادمه.
2ـ أن يكون عرفًا كليًّا مستفيضاً شائعاً، لا يتخلف إلا في القليل النادر.
3ـ أن يكون العُرف الذي يُحمل عليه التصرف موجودًا وقت إنشائه بأن يكون حدوث العُرف سابقًا على وقت التصرف ثم يستمر إلى زمانٍ فيقارنه، وعلى هذا يجب تفسير حجج الأوقاف والوصايا والبيوع ووثائق الزواج وما يرد فيها من شروط واصطلاحات على عُرْف المتصرفين الذي كان موجودًا في زمانهم لا على عرفٍ حادثٍ بعدهم.
4ـ ألا يوجد قول أو عمل يفيد عكس مضمون العُرف، كما إذا كان عرف الناس في السوق تقسيط الثمن واتفق العاقدان صراحةً على الأداء، والقاعدة هنا: “ما يثبت بالعُرف بدون ذكر لا يثبت إذا نص على خلافه”.
تغيير الأحكام بتغيير الزمان:
الأحكام المبنية على العُرف والعادة تتغير إذا تغيرت العادة، وهذا هو المقصود من قول الفقهاء: لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمنة، ومثال هذا أخذ الأجرة على تعليم القرآن، على ما أفتى به بعض متأخري الفقهاء؛ لأن العادة قد تبدلت، إذ كان الأمر في السابق تخصيص العطاء لهؤلاء المعلمين من بيت المال، فلما انقطع أفتى المتأخرون بجواز أخذ الأجرة لئلا يُهجَر القرآن ويُدرَس ويندَرِس.
فائدة: الأحكام التي تتغير بتغير الزمان لا تتناول إلا الأحكام المبنية على العُرف، ولا تتناول الأحكام القطعية التي جاءت بها الشريعة، كما أن هذا التغيير لا يُعَدُّ نسخًا للشريعة؛ لأن الحكم باقٍ، وإنما لم تتوافر له شروط التطبيق، ولكن طبق غيره، فالشرط في الشهود والعدالة الظاهرة كانت كافية لتحققها، فلما كثر الكذب استلزم هذا شرط التزكية