من الفضول الاقتحامي إلى كف الأذى: ثورة أخلاقية في عالم رقمي منتهك

بقلم د. تاليا عراوي كاتبة واخصائية في الأخلاقيات وناشطة في مجال حقوق الإنسان

لم يكن الحنين إلى الحياة البسيطة يوماً مجرد ارتدادٍ عاطفي نحو الماضي، أو هروباً من استحقاقات الحاضر، بل هو نزوعٌ أصيل نحو الدفء الروحي واستعادةٌ للكرامة الإنسانية التي بدأت تتآكل تحت وطأة الدقة الباردة للعصر الرقمي. ففي حارات الأمس التقليدية، لم تكن الجدران مجرد حجارة صماء، بل كانت حدوداً تُنظم وفق نبض المجتمع لا ضجيج الآلة؛ حيث لم تكتفِ العائلات بالحلول في حيز مكاني واحد، بل عاشوا حالة من الوجود المشترك، يتقاسمون لقمة العيش ويفضون بمواجعهم في دائرة من الثقة المتبادلة، مستحضرين قوله تعالى: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ».

لقد منح ذلك العصر الأولوية لقدسية الحيز الخاص، فبُنيت البيوت بمسافات وهندسة مدروسة لحماية النفس الأمارة (ذلك الجزء من النفس البشرية المجبول على الفضول الاقتحامي) من غواية التلصص على حرمات الجيران. ولم يؤدِّ هذا التباعد المادي يوماً إلى العزلة، بل أرسى احتراماً متجذراً جعل من الحي أسرة ممتدة، يعرف فيها الجميعُ الجميع، ولا يُترك فيها أحد ليحمل همومه بمفرده، تصديقاً لقوله سبحانه: «وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ».

بيد أن ثورة التكنولوجيا الفائقة قد فرضت واقعاً يغص بما أسماه فيلسوف الصراع الطبقي كارل ماركس’الحاجات الزائفة‘، حيث غُرس في أذهاننا أن سعادتنا ترهن بامتلاك سلسلة لا تنتهي من الأدوات، رغم أن هذه الوسائل غالباً ما تعمل على تفكيك الألفة التي تدعي تسهيلها. ولعل التجلي الأكثر رعباً لهذا التحول هو موت الخصوصية على يد الرقابة الشاملة، إذ لم تعد الكاميرات مجرد أدوات للتوثيق، بل غدت أسلحة اقتحام مغروسة في الأقلام والدبابيس والنظارات الشمسية، محولةً كل لحظة عامة أو خاصة إلى مادة محتملة للاستهلاك الجماهيري. وقد تجلى هذا الانتهاك للمقدس بشكل مؤلم في الصور المتداولة للفنانة الكبيرة الستّ فيروز في جنازة ابنها، فحيث حاولت جاهدة حماية وجهها وصون حرمة حزنها، طاردتها العيون القاسية للعدسات الرقمية في أشد حالاتها ضعفاً، مما يشير إلى أزمة فلسفية وأخلاقية تتجاوز التقدم التقني، حيث باتت صورة ألم الإنسان أثمن من الإنسان نفسه، متناسين الوعيد الرباني: “إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ” .

من منظور فلسفي، يحاكي هذا المحيط نموذج البانوبتيكون أو السجن الشامل، حيث تجبر احتمالية المراقبة الدائمة الأفراد على تمثيل حياتهم بدلاً من عيشها، وهي ثقافة مراقبة تقتل السكن والطمأنينة التي ميزت التفاعل البشري سابقاً. وحين تُستباح أكثر الأماكن خصوصية كملكية عامة، يُسلب الروح حقها في الانزواء والتأمل، وتغذي هذه التطفلات التكنولوجية النفس الدنيا مشجعةً ثقافة التلصص التي تُعلي من شأن الرؤية على الشعور والالتقاط على التواصل، ليستبدل دفء الحياة القديمة بالوهج المعقم للشاشات، حيث ننشغل بكيفية ظهور حياتنا للغرباء أكثر من اهتمامنا بكيفية شعور من نحب تجاهها.

إن هذا الاغتراب يتجاوز مجرد الانشغال بالمظهر، بل إن الإنسان المعاصر أصبح يسكن إلى الصورة التي يصدرها عن ذاته، أو تلك الصورة التي يصنعها الآخرون عنه ويفرضونها عليه. لقد غدا وجود المرء رهيناً لما تلتقطه عدسات غيره، أو لما يتوقع المجتمع الرقمي أن يراه فيه، مما يحول الفرد من ذات حرة لها حق الستر إلى موضوع بصري يُصاغ وفق أهواء المشاهدين. إن الارتهان لانتظارات الآخرين وصورهم المقتطعة عن واقعنا يخلق انفصاماً بين الحقيقة والتمثيل، حيث يغترب الإنسان عن جوهره ليطارد وهماً مرئياً، ويصبح أسير القوالب التي تضعها فيه عيون المتلصصين، غافلاً عن السكينة التي لا توجد إلا حين يتحرر المرء من رقابة الخلق ليفضي بمواجعه في كنف الخلوة الصادقة مع الخالق، مدركاً في أعماقه أن الله: يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

وتقدم التقاليد الإسلامية دفاعاً رصيناً ضد هذه الاستباحة المشهدية، معتبرة الخصوصية حقاً إلهياً أصيلاً لكرامة الإنسان، حيث وضع القرآن حدوداً واضحة للمنزل في سورة النور آمراً المؤمنين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. هذا ليس مجرد أدب مسلكي، بل هو اعتراف بالبيت كحرم مقدس، وهو ما أكده النبي ﷺ بمواقفه التي جعلت من النظر بغير إذن اقتحاماً صريحاً. كما نجد في موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين دخل عليه رجل وهو يقبل رأس ابنته عائشة، فاستحيى أبو بكر رضي الله عنه، مما يعكس تلك الحساسية الأخلاقية تجاه اللحظات الأسرية الحميمية التي لا يصح أن تكون مشاعاً.

تطرح التقاليد الإسلامية دفاعاً رصيناً ضد هذه الاستباحة المشهدية، معتبرةً الخصوصية حقاً إلهياً أصيلاً يصون كرامة الإنسان؛ حيث وضع القرآن حدوداً واضحة للمجال الخاص في سورة النور عبر اشتراط الاستئناس، وهو ما يتجاوز مجرد الاستئذان ليكون اعترافاً بالبيت كحرمٍ مقدس لا يُستباح. وتتجلى هذه الحساسية الأخلاقية في مواقف الصحابة؛ فمن حياء أبي بكر الصديق الذي تحرّج من اطلاع الغرباء على لحظة عطفٍ أبوية خاصة وهو يواسي ابنته عائشة في مرضها، إلى إقرار عمر بن الخطاب بخطئه حين تيقن أن نبل الغاية لا يبرر انتهاك الوسيلة، تترسخ قاعدة شرعية وأخلاقية مفادها أن النطاق الخاص ممتنعٌ على الاقتحام. لقد كان دفء الحارات القديمة يرتكز على هذا المبدأ النبوي القائم على كف الأذى، حيث غض البصر عن الأبواب المفتوحة فضيلة، بينما قلب الانكشاف المعاصر هذه القيم إلى فضيحة استعراضية، متجاهلاً الوعيد الرباني«: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا».

ويُعد مفهوم الحياء (ذلك الانقباض الروحي والترفع النفسي عن كل ما هو دنيء) الدرع النفسي والأخلاقي الأسمى ضد هذه الاختراقات الحديثة؛ فالحياء شعبة من الإيمان وهو النقيض التام للرغبة المعاصرة في المراقبة. وقد أمر القرآن بضبط الحواس في سورة النور حين وجه المؤمنين: “قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ”، وبإخفاقنا في غض بصر كاميراتنا، نرتكب خرقاً جماعياً للحياء يحول الفقد المقدس إلى سلعة. وإذ وُصف النبي ﷺ بأنه كان أشد حياءً من العذراء في خدرها، وعلّم أن الواقف على الباب لا يستقبله بوجهه بل ينحرف يمنة أو يسرة كي لا يقع بصره على عورات البيت، فقد أقام بذلك حصناً من الحشمة يضمن بقاء الأسرة ملاذاً خاصاً، وهي القيمة التي جسدها الصحابة كعثمان بن عفان رضي الله عنه الذي كانت تستحي منه الملائكة، وتلك المرأة التي كانت تُصرع فسألت النبي ﷺ أن يدعو لها ألا تتكشف، مؤثرةً سترها على عافيتها البدنية.

إن الانتقال من الحارة المشتركة إلى العالم الرقمي أدى إلى فقدان الحواجز الوقائية التي حمت الروح الإنسانية، وحين ينهى الله في سورة الحجرات: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا” , فإنه يضع المخطط لمجتمع الدفء الروحي. إن استعادة هذه الحياة تتطلب رفضاً واعياً للحاجات الزائفة وعودة إلى القيم التي تعامل التجربة الإنسانية ,لا سيما في لحظات الحزن, كأمانة مقدسة لا كمشهد جماهيري، مدركين أن: “مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ”, مما يحتم علينا أن نتعلم الرؤية بالقلب لا بالعدسة، مدركين أن أجمل أجزاء الحياة هي تلك التي تُحترم وتُحجب في كنف الصمت الإلهي والإنساني.

وفي عصر أصبح فيه كل لحظة مشروع بث مباشر، فإن استرداد دفئنا الروحي يقتضي عودة متعمدة إلى أخلاقيات الحارة عبر دمج مفهوم الحياء القرآني والمعيار النبوي للخصوصية في عاداتنا الرقمية، مما يتيح لنا تحويل أجهزتنا من أدوات اقتحام إلى وسائل ذات مقاصد سامية. ويبدأ هذا التحول بضبط النظرة الرقمية كامتداد للأمر القرآني بغض البصر في الفضاء الافتراضي، فرغم نزول الآيات في اللقاءات المادية، إلا أن ثقلها النفسي اليوم أعظم، مطالبةً إيانا بالانضباط فيما نستهلك. وقبل النقر على صورة اقتحامية )كصور الستّ فيروز في حدادها( علينا سؤال أنفسنا إن كان لنا حق في تلك النظرة، فإذا لم يدعُنا صاحب الصورة إلى حزنه، فإن رؤيتنا تصبح تعدياً بصرياً، وغض البصر رقمياً يعني تجاوز المساحات الخاصة المقدسة للآخرين احتراماً لحرمتهم وصوناً لكرامتهم في لحظات ضعفهم، كما في قوله تعالى: “لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ” .

وعلاوة على ذلك، يجب علينا تعظيم صفة الستر الإلهية بالاقتداء باسم الله الستير الذي يستر عورات عباده، وذلك عبر اختيارنا الواعي ألا نشارك أو نسجل أو ننشر لحظات ضعف الآخرين، فالنبي ﷺ حذر من أن تتبع عثرات الناس يؤدي حتماً إلى كشف عورة المرء نفسه. ومن هنا، فإن دور المؤمن عند مواجهة فيديو مسرب أو لحظة خاصة هو أن يكون جداراً يوقف الانتشار لا قناة تسهله، وبحذفنا لتلك المواد بدلاً من إعادة إرسالها، نعيد بناء الجدران الروحية للحارة القديمة التي حمت شرف المجتمع الجماعي، عملاً بقوله ﷺ: “من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة”. ويمتد هذا الستر إلى مساكننا لاستعادة السكن المفقود، فالتكنولوجيا جعلت جدران بيوتنا مسامية، وببث حياتنا الخاصة، نُخاطر بدعوة النفوس الأمارة لآلاف الغرباء إلى محاريبنا، مما يبدد الدفء الأسري الذي ننشده، متجاهلين أن الله جعل البيت سكناً: “وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا”. لذا فإن إعادة إرساء الحدود النبوية تعني خلق مساحات خالية من التكنولوجيا يظل فيها الطعام والحديث ومشاركة الهموم تبادلاً سرياً بين القلوب لا عرضاً تمثيلياً للجمهور.

إن استعادة الحياة البسيطة تتضمن أيضاً التغلب على الحاجات الزائفة عبر ممارسة الزهد، ففي صناعة رقمية يغذيها هوس الظهور وحب المراقبة، يمنحنا الزهد إدراكاً بأن التواصل الحقيقي لا يحتاج إلى عدسة، وبمقاومة الرغبة في توثيق كل لحظة جميلة أو مهيبة، نبقي تلك التجربة بين الروح وخالقها محتفظين ببركتها، فالله هو الشاهد وحده: “وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا”. فالحياة البسيطة توجد حين يستبدل الجوع للتحقق الرقمي بالاكتفاء العميق بأن الله هو الشاهد وحده، ويظل هذا الإطار الأخلاقي متماسكاً بفضل الحياء الذي يعمل كجدار حماية داخلي، فهو الخجل الروحي أمام الله الذي يمثل المقابل غير المرئي لأسوار الحارة القديمة العالية، ويجبرنا على التفكير فيما إذا كان فعل ما )كتهريب تصوير غريب أو مشاركة صورة جنازة( سيسبب لنا الخجل لو كان النبي ﷺ واقفاً بجانبنا. وبتبني هذه التأملات، نتحول من حياة الانكشاف إلى حياة المعنى، حامين المستضعفين ومستعيدين قدسية الروح البشرية في عالم نسي إلى حد كبير فضيلة غض الطرف، مستحضرين قوله سبحانه: “وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ” .

إنّ أثمن ما نملكه في هذا الوجود ليس ما تقتنصه العدسات أو تلوكه الألسن، بل تلك المساحات الروحية الممنوعة على الرؤية، والدموع التي تختار أن تجف في محراب الصمت، بعيداً عن صخب الشاشات وزيف بريقها المعقم. فالحياة في أسمى تجلياتها لا تنبض إلا في الخفاء الجميل، وتحت مهابة الحياء التي تفرض علينا غض الأبصار والقلوب معاً؛ ليس خوفاً، بل إجلالاً لسرّ الله في النفس البشرية، وصوناً لقدسية الضعف الإنساني في أشد لحظات انكساره.

لقد غدونا في أمسّ الحاجة للانعتاق من دكتاتورية المرئي والارتقاء نحو دفء السَّكَن؛ حيث يُحرس الحزن ويُصان الضعف كأمانة غالية لا تقبل العرض الجماهيري. إن استرداد إنسانيتنا المفقودة يبدأ حين ندرك أن الستر ليس مجرد حجبٍ للمادة، بل هو تحرير للروح من ذلّ الاستعراض، وطمأنينة لا تضاء بركتها إلا في كنف الحشمة. فما أبهى لحظات الوجود حين نعيشها بملء صدقنا تحت نظر الخالق وحده، بعيداً عن مخالب التكنولوجيا التي تسرق من اللحظة روحها لتحولها إلى مادة مستباحة تحت أضواء باهتة.

فليكن ميثاقنا هو الصمت الذي يحترم الخلوة، والبصيرة التي تعوض انطفاء الحدقة. لنترك الكاميرات جانباً لنبصر بقلوبنا، ولنعلم أن كل لحظة استبحناها بنظرة عابرة أو صورة مسربة، هي جزء من وقارنا الأخلاقي يتآكل. ففي نهاية هذا الضجيج الرقمي، حين تخبو كل الشاشات وتصمت كل الهواتف، سيبقى الوجدان وجهاً لوجه أمام الحقيقة المطلقة التي لا يغيب عنها سرّ ولا يسترها جهر، مصداقاً لقوله تعالى:”وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور. “