الدجال وعبد الله بن سبأ


المقال الثانى من سلسلة ( انبياء الدجال )

بقلم الدكتور/ احمد عبد الرحيم
الباحث فى التاريخ الإسلامى

استقرت الأحوال بعد حروب الردة والقضاء على فتنة المرتدين فى جزيرة العرب ، ودخل الناس فى دين الله افواجاً، وانشغل العرب والمسلمون فى الفتوحات الاسلامية ونشر الاسلام.

كان المسلمون يعيشون فى زمن الفاروق عمر بن الخطاب رضى الله عنه وأرضاه كأنهم يعيشون فى زمن النبوة وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم ، وكان الفاروق والمطلع من اصحاب النبى يعلم أن الحاجز بينهم وبين فتنة عمياء صماء هو الفاروق رضى الله عنه.

استشهد الفاروق رضى الله عنه على يد رجلاً فارسياً موتور هو ابو لؤلؤة المجوسى بخنجر أصابه به فى بطنه رضى لله عنه فى صلاة الفجر فانكسر الباب الحاجز للفتنة.

تولى الصحابى الجليل عثمان بن عفان الخلافة بعد الفاروق وكان حيياً حليماُ مسناً فآنس منه ضعاف النفوس وأرباب الفتنة ضعفاً ، فتعاوروه مجتمعين من عدة أمصار ضاربين عليه حصاراً من أجل عزله ومستغلين فى ذلك توليته بعض أقاربه من بنى أمية أمثال الوليد بن عقبة والياً على الكوفة ومما أُثِرَ انه صلى بأهل الكوفة صلاة الفجر وهو سكران ، وكذا عبدالله بن ابى سرح والياً على مصر عام 27 هجرياً وغيرهم ممن لم يرضوه عليهم فى أمر عام ـ فحاصروا خليفة رسول الله فى داره طالبين منه عزلهم وإلا أن يعتزل الخلافة.

ولقد تعرض الخليفة الراشد عثمان بن عفان وبعض الصحابة وغيرهم من ولاة أمور المسلمين الى خديعة ومكر دبر بليل منها تلك التى تعرض لها من الأقربين من بنى أمية ـ وأخص على وجه التحديد مروان بن الحكم ـ وهو ان الكتب التى كانت تصل الى الولاة كانت تنطوى على افساد ما ابرم الخليفة.

ومنها ما دبره عبدالله بن سبأ ورجاله الذين ظهروا فى معترك الفتنة فدلسوا ولفقوا الرسائل وقطعوا على رسائل الخليفة الطريق واستبدلوها او أنشأوا رسائل من عندهم ممهورة باختام الخليفة .

ولعل أوضح مثال على ذلك تلك الرسالة التى بعث بها الخليفة يريد لم شمل الأمة وطمأنة وفود العراق ومصر والنزول على مطالبهم ومنها انه وعقب ان تصالح مع المصريين ونزل على رأيهم من عزل عبد الله بن ابى سرح وتولية محمد بن ابى بكر الصديق ولاية مصر سافر الوفد الى مصر ومعهم الوالى الجديد محمد بن ابى بكر ، فصادفهم اثناء سفرهم الى مصر على طرق القوافل أن وقع فى ايديهم رسالة موجهة من الخليفة الى عبد الله بن أبى سرح بأن يقتل الوافدين عليه ، فاشتعلت الفتنة وتطورت الى ان حسر الخارجين خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدنا عثمان بن عفان فى بيته يريدون خلعه من الخلافة وما كان ليفعل وقد اوصاه النبى صلى الله عليه وسلم: (بأن الله مقمصك قميصاً فلا تخلعه) يقصد الخلافة.

ومن المؤكد ان قصة اشتعال الفتنة الكبرى بين الصحابة أنها مؤامرة قد نسجت خيوطها بليلٍ من متآمرٍ خبير ، قيل أن الذى أرسل الرسالة هو مروان بن الحكم كاتب الخليفة عثمان ومستشاره ، فكان كثيراً ما يرسل الرسائل عليها خاتم الخليفة دون الرجوع اليه وإعلامه بالامر ، وقيل ان الذى ارسلها هو رجل يدعى حمران بن أبان كان غلاماً لعثمان بن عفان من يهود اليمن وكان كاتباً اسلم وحفظ القرآن واتخذه عثمان كاتباً وحاجباً.

فى هذه الاثناء كانت توجد شخصية ظهرت فجأة وانتسب لها دوراً عظيماً غيَّر مجرى الأحداث هو ظهور شخصية عبد الله بن سبأ اليهودى.

ان ظهور تلك الشخصية فى ذلك التوقيت الحساس حسبما رصدته كتب التاريخ والآثار يدعونا الى مئات من الاسئلة التى تدور حول أصل ذلك الشخص؟ وما هى بلاده ؟ وما هى قبيلته؟ ومن أين ظهر؟ وأين اختفى؟ وما كانت خلفيته الدينية؟ والثقافية؟ ومن هم تلامذته؟ وأشياعه؟ وممن تلقى العلم؟ وهل أسلم؟ وكيف لاقى انتشاراً بين فئات المجتمع المسلم المحافظ؟! لا سيما ان علمنا ان كثيراً من المؤرخين والإخباريين يعده مشعل الثورة ضد عثمان بن عفان وانه السبب فى وقوع معركة الجمل وله دور كبير فى الفتنة الكبرى والتحضير لها.

 والسؤال الأهم من كل ما سلف هو كيف اعتنق ذلك الشخص اسلوب الدعوة التآمرية السرية فى اشعال الفتنة؟ والتى ما أشبهها بما كان من امر تحريف المسيحية!!.

كل هذه تساؤلات تثير كثيراً من الريبة فى أمر هذا الرجل ، ولنتقصى أمر هذا الرجل عبر السطور التالية.

اختلف اصحاب التاريخ والسير فى أصل عبد الله بن سبأ ولكن أكثر المؤرخين يقولون بأنه كان اليمن ولاسيما من يهود صنعاء ، ومن المعلوم أن يهود اليمن ذووا انساب وقبائل كغيرهم ممن يعيشون ببيئتهم المحيطة فى جزيرة العرب ، فلو كان عبد الله بن سبأ من يهود صنعاء حقاً لانتسب لأحد قبائل اليهود بها ، ومن المعلوم أنه حتى يهود المدينة وما جاورها فى الحجاز كانوا ينتسبون الى قبائلهم وأفخاذها وعشائرهم كبنى النضير وبنى قريظة وبنى قينقاع وبنو شطيبة وبنى ثعلبة وبنى الحارث وبنى عوف وبنو النجار وغيرهم.

وذكر ابن قتيبة ان اليهودية كانت فى حمير وبنى كنانة وبنى الحارث بن كعب وكندة وبعض قضاعة وبعض جُزام ، ومن المعلوم ان العرب كانوا مجتمع مبنى على الأنساب وليس من المتخيل ان يقبل العربى شخص مجهول النسب فى محيطه الاجتماعى الخاص أو العام على حد سواء، لاسيما وان كان ذا رأى مطاعاً فيهم كشخصية مثل عبدالله بن سبأ.

حتى بالنسبة الى نسبته الى اليمن قد تم الاختلاف فيها فذكر ابن كثير في البداية والنهاية (7/190)، أن أصل ابن سبأ من الروم، فيقول: وكان أصله رومياً فأظهر الإسلام وأحدث بدعاً قولية وفعلية قبَّحه الله.

ويروي عبد القاهر البغدادي في الفرق بين الفرق (ص 235)، أن ابن سبأ من أهل (الحيرة)، قال: إن عبدالله بن السوداء كان يعين السبأية على قولها، و كان أصله من يهود الحيرة، فأظهر الإسلام.

وحتى من جهة ظهور تلك الشخصية فقد جاءت منْبتة الجذور لا يعرف صباه او دارسته للتوارة وكتب أهل الكتاب وكذلك عند اسلامه لم يُؤثر عنه إلا إثارته للفتنة بأفكاره الغريبة العجيبة التى لم يألفها المسلمون ، وان كانت زائعة الصيت والشهرة فى الحضارات السابقة والمعاصرة لصدر الاسلام من الهندوسية والمجوسية والبوذية واليهودية والمسيحية.

ونترككم الآن لحديث النبى صلى الله عليه وسلم الصريح فى أن الدجال سيظهر بعد وفاته بعد ردحٍ قصير من الزمن ، حدثنا عبد الله بن معاوية الجمحي حدثنا حماد بن سلمة عن خالد الحذاء عن عبد الله بن شقيق عن عبد الله بن سراقة عن أبي عبيدة بن الجراح قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : “إنه لم يكن نبي بعد نوح إلا قد أنذر الدجال قومه وإني أنذركموه فوصفه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : لعله سيدركه بعض من رآني أو سمع كلامي، قالوا: يا رسول الله فكيف قلوبنا يومئذ قال: مثلها يعني اليوم أو خير ” ذكره الهيثمي فى مجمع الزوائد.

وفى رواية أخرى عن عبد الله بن بسر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : “ليدركن الدجال من أدركني أو ليكونن قريباً من موتي” .

ولقد أخذ أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم كلامه وتحذيره من الدجال على محمل الجد ، وانه ظاهرٌ فيهم ، روى عن عبد الله بن الحارث بن جزء قال : “ما كنا نسمع فزعة ولا رجَّة في المدينة إلا ظننا أنه الدجال ، لما كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يحدثنا عنه ويقربه لنا”.