الانسان بين التحدث عن النعمة وكتمانها

بقلم الكاتب الدكتور: عبد الكريم فتاح أمين

ينبغي على المسلم العاقل والواعي أن يتعامل في التحدث بالنعمة وكتمانها حسبما تقتضي إرادة الله تعالى المتفرع من تحصيل الخوف من الله ورضائه، وبديهي لنا وقت يحب الله أن يظهر العبد نعمه فيه ويفتخر بها أمام الآخرين ووقت يحب أن يكتمه ولا يتعرض لذكرها ، وفي الحقيقة تشرح لنا النصوص من الكتاب والسنة هذين الوقتين.

وينبغي حينئذ أن يعرض عن الهوى والاستعلاء والاستكبار والإستعلام، ولذلك نفصل الموضوع في قسمين:

القسم الأول: التحدث بالنعمة وإظهارها أمام الناس الذين يرى فيه الخير وطهارة النفوس والأصالة والنجابة كما قال رب العالمين جل وعلا : ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)والضحى

فالتحدث أمر جليل آنذاك ولا بد العمل به لأن التحدث بها يضمن الهدفين العظيمين :

١- شكر الله تعالى وثناؤه ولهذا الصنف نصوص عديدة لا يسع المقام ذكر جميعها ، وسنشير إلى بعض منها للعظة والعبرة والمعلومات:
ومن دعائه صلى الله عليه وآله وسلم هذا: ( واجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين بها ، قابليها ، وأتمها علينا))
(( عن النعمان بن بشير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر ” من لم يشكر القليل ، لم يشكر الكثير ، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله))

من الصدق الحقيقي أن يذكر العبد ما تعرض له من المصيبة والبلاء: (( عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” من أبلي بلاء فذكره فقد شكره ، وإن كتمه فقد كفره))

والاحسن أن يذكر نعم الله عليه على سبيل إجمالي: (( من أعطي عطاء فوجد فليجز به ، فإن لم يجد فليثن به ، فمن أثنى به فقد شكره ، ومن كتمه فقد كفره))

٢- وضع سر المكنون عند من يأنس به ويتعهده من أهله وأصدقائه الخيرين ، كما قال رسول رب العالمين صلى الله عليه وآله وسلم:
(( وقال محمد بن إسحاق : ما جاءك الله من نعمة وكرامة من النبوة فحدث بها واذكرها ، وادع إليها . وقال : فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر ما أنعم الله به عليه من النبوة سرا إلى من يطمئن إليه من أهله ، وافترضت عليه الصلاة ، فصلى))

وبالبداهة كذلك يحمل معنيين مهمين:
الأول: حث من يستمع إليك إلى العمل الخير و المجاهدة والإحسان وتربيته على الشكر وثناء الله تعالى، فالكتمان يذهب إلى كفران النعمة، وعدم الاعتراف بأن الله تعالى مصدر الإنعام والخيرات ، وأنه صاحب النعم والشخصية من اب إلى اب وهلم جرا ، اعاذنا الله تعالى منها.

الثاني: إظهار ما عندك من النعمة والقوة والعلم ، لأن يعرفك غيرك من المنزلة العظيمة التي قد آتاك الله تعالى وكتب الله من عنده الحكيم، ومن جانب آخر: تفريغ القلب والاذهان والهموم والهمم من الأسرار المكنونة كادت أن تقضي عليك وأن تفجر ينابيع علمك اللدني وانهر معارفك.

القسم الثاني: كتمان النعمة وعدم التحدث بها:
(( عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود.))

وذلك لا يخلو من فاىدتين:
الأولى: الخوف من الأعين الخبيثة والحسد والنفوس الدنيىئة تكاد سببا في اختلاق المشاكل كما قد أشار إلى هذا رسول رب العالمين صلى الله عليه وآله وسلم في حديث نبوي شريف: (( عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: العين تدخل الرجل القبر، وتدخل الجمل القدر))

والثانية: إذا رأيت المجتمع الذي تعيش من بينهم شاع فيهم الفقر وضنك المعيشة والفاقة، فالاظهار آنذاك قولا وعملا وتزينا يصير سببا لكسر خاطرهم وبالهم، فكسر البال يقرب أن يكون وسيلة لكسر البال.

خلاصة الكلام كل ما أشرنا إليها تعني أن العين لها تأثير حقيقي وواقعي أليم خطير قد تفضي إلى الموت أو الضرر الشديد مالا واهلا وجسدا، وفي نهاية المطاف أنها من قدر الله تعالى، ولا يسبقها شيء قاطبة، ولكن يجب دفعها بالرقية الشرعية والذكر والدعاء بإذن الله تعالى العلي القدير، وتفيد الرقية والوسائل الطبية إذا كانت البلايا والأمراض من القضاء المعلق.

وفي بعض الأحيان بعد الإبداء بما لديك من النعم يحاول بعض من النفوس الخبيثة من الإنس أن يصطنعوا المعضلات والعوائق الحديدية امامك علنا وسرا لأن قلوبهم المملوءة من البغض والغيظ اختلقت الحسد والعداوة بدرجة يتمنون سلخ المنعم من النعم كما قال سبحانه وتعالى: (قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾(٥)يوسف

سبحان الله نفس هذه الآية المارة من تذكرنا لطيفة عجيبة من اللطائف ، وهي عبارة عن مشروعية ذكر النعم من قبل الولد للوالد فقط دون سائر الأقارب من الأخ والأخت والاعمام والاخوال وبنيهما. لأن الوالد لا يكره سعادة مولوده الدنيوية والاخروية بل يتمنى أن يكون أعلى ورفع بدرجات أكثر فأكثر.

أجل علينا الإرشاد والتوجيه بكتمان النعم في بعض الأحيان ولكن لابد أن نعلم أن الأمر بيد الله تعالى، وأن الخطوة والخطة من قبل العبد لا تستطيع أن تضع سدا منيعا أمام القضاء والقدر إذا كانا مبرمين:

﴿ وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ۖ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ۖ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67)يوسف

إن سيدنا يعقوب عليه السلام وجه إلى أبناءه هذا القول متضمنا تعاليمين دقيقين:
١- وجوب الأخذ بأسباب الحذر والاحتياط، لأن الإنسان لا يحيط بالبلاء من أي نوع من نوعي القضاء المعلق والمبرم.

٢ـ مهما أخذ الإنسان من أسباب الحذر والاحتياط، فإنها لا تغني عنه شيئاً أمام قضاء الله وقدره، فالحكم والتصرف كله لله وحده.

ومن جانب آخر: فعدم اللجوء إلى الأخذ بالاسباب يفهم منه أن المبتلى قوي وشديد يستطيع أن يقوم أمام البلاء ويستطيع أن يحمل آلام البأساء والضراء. وهذا يقع خطرا على المبتلى.