في ذكرى الإسراء والمعراج


بقلم : د. محمد جمال أبو سنينة

مدير المركز القانوني لفض النزاعات
الخبير بمجمع الفقه الإسلامي بكندا
قاضي محكمة الاستئناف الشرعية سابقا

الحمد لله العلي الأعلى؛ أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى؛ ثم عرج به إلى السموات العلى، حتى بلغ سدرة المنتهى.

لا شكَّ أنَّ لكلِّ ذِكْرى حيةٍ في الدنيا أثرًا متروكًا في قلوبِ الذَّاكرين لها، حيث تمضي الأعوامُ، وتمرُّ الأيَّام وما زالت تؤتي أكلها كلَّ عامٍ ووقتٍ بالتذكار والدَّرْس الملْهِمِ، والنهج المعلم، مهما تقادم الزمانُ وغمرت الأيَّام أحداثٌ مُنْسِيَةٌ.

في ذكري الإسراء والمعراج، تتذبذب مشاعرُنا بين الفَرَح الغامر والحزن الكئيب، وسِرُّ البهجة أنَّنا عرفْنا قَدْرَنا عند ربِّنا، كأمَّة رائدة مصطفاة في تلك اللَّيْلة، وعَرَفْنا قدرَ نبيِّنا صلَّى الله عليه وسلَّم كخاتم للأنبياء المطهَّرين، أمَّا ما يملأ النفس أحزانًا، فهو سطوةُ الواقع الزاخر بالآلام حولَ الأقصى المبارك وأرض القُدس أرض الأنبياء والشُّهداء، وأرض الرِّباط وملاحم الفِداء مِن والذين عاثوا فيها وبأهلها خراباً ودماراً وفساداً، وسطَ صمتٍ عالميِّ يُمَثِّلُ العارَ والتواطؤ، وموتَ الضمير.

تأتي الذِّكرى في كلِّ عام، والمسلمون يحييونها؛ إمَّا برنين الكلمات، أو تلاوة القَصَصِ المُثِيرِ للدهشةِ في العقول، وإن كان باطلاً ومكذوبًا، ومع الإسراءِ والمعراج نقف فقط على وقفتين خشية الإطالة لعلنا نتعظ أو نتذكر:

الوقفة الأولى: بين يدي الأسباب: فما أنْ تُوافِينا الذِّكرى حتى يتبارى الفصحاءُ ببيان الأحداث التي سبقتْها، فلا تكاد تسمع وتقرأ وتطالع إلاَّ صُور الإيذاء المتتابع للنبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام، بدايةً من نزول الرِّسالة عليه، ووصولاً إلى عام الحُزْن، وما تخلَّل ذلك من تطاوُلِ عمِّه أبي لهب وامرأته حمَّالة الحطب، وسفاهة أبي جهل ومناصريه، وبطشهم بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مِن قتْل سُميَّة وزوجِها ياسر، وفقْدِ ولدهما عمَّارٍ عقلَه من شدَّة التعذيب، ووضْعِ الحجارة الثقيلة على صدر بلال في الرَّمْضاء، وقطْع أُذن عبدالله بن مسعود، وسَمْلِ عين زنِّيرة الروميِّة، وكيِّ خبَّاب بن الأرتِّ بالنار على أُمِّ رأسِه، ومقاطعةِ أهل قريش للمسلمين، وإلجائِهم إلى شِعْب أبي طالب، وما إلى ذلك مِن صُور البلاء النازل بالمسلمين من كلِّ سبيل، هل كانت الرحلة ترفيهية؟!

وقد أَلِفَ الناسُ ذلك حتى ترسَّخ في الأذهان أنَّ سبب الإسراء والمعراج كان تثبيتًا وترطيبًا لقلْب النبيِّ صلى الله عليه وسلم مِن كلِّ ما سبق، وأنَّه إذا كان أهل الأرض قد خَذلوكَ فالله ناصرُك، وإذا أغلقتِ الأرضُ بابَها، فإنَّ السماء تناديك، إلى آخِرِ ما تفيض به قرائحُ البلغاء في شأن الإرضاء، وجَبْر الخواطر، كأنَّهم قد تخيَّلوا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وصل به الأمرُ إلى مشاعر المُحْبَطِينَ فهل كان الإسراء والمعراج ترضيةً للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم؟

ربَّما يكون لهذا التفسير شيءٌ من الوجاهة في بعضِ صوره، أمَّا أن يكون ذلك الأسى هو سببَ الرحلة على أساسِ أنَّ الإسراء كان تثبيتًا وترضيةً لقلْب النبي فهذا وضْعٌ للشيء في غير مَحلِّه، إذ لو كان ذلك صحيحًا لَمَا فَرَض الله عليه الصلاةَ، وهي أهمُّ التكاليف، ولَمَا أَطْلعه الله تعالى على مصير السُّعداء والأشقياء في الجَنَّة والنار؛ فقد كان في رحلة تكليفيَّة تخصُّ كيانه العالي كنبيٍّ ورسول، له في هذه اللَّيْلة أماناتٌ وبلاغٌ، وصلاةٌ بالأنبياءِ، وحمْل التكاليف لبلاغها، فهذه مسؤولية تُوجِب البلاغَ، وهو الوظيفة العُظْمى لكلِّ رسول. والله تعالى يقول: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) الإسراء:1، فقد حدَّدت الآيةُ الكريمة الهدفَ من هذه الرِّحلة بقول ربنا: ( لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا )، وهذه الرؤيةُ هي رؤيةُ مَن يرى ليُبلِّغَ، لا ليسعدَ ويأنسَ بما يرى فقط.

الوقفة الثانية: وديعة محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم: ومِن ذِكْرى الإسراء والمعراج يجب ألاَّ ننسى أنَّ القدس وديعةُ سيِّدنا محمد صلى الله عليه وسلم لكلِّ المسلمين، وفي هذا رسالةٌ هامَّةٌ لكلِّ مسلم مضمونها أنَّ عليه واجبًا نحوَ البيت المقدس أيًّا كان موقعُه وموضعُه، وتضمنت أيضاً:

• أنَّ صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إماماً بالأنبياء في المسجد الأقصى، تدل على أن مقام النبي صلى الله عليه وسلم لا يَعدِلُه مقام، وكذلك يجب أن تكون أمَّتُه.

• وفيه الإشارة أيضا إلى أنَّ هذا المسجد المبارك قد تمَّ ضمُّه إلى أخويه: المسجد الحرام، ومسجد النبي صلَّى الله عليه وسلَّم ليتبوَّأَ مكانَه اللاَّئق ضِمنَ مقدَّسات المسلمين.

• أنَّ القيادة الرُّوحيَّة للأمم قد ذهبتْ إلى غير رجعة مِن أيدي بني إسرائيل بعدَ أن كانتْ لهم زماناً طويلاً.

• أنَّ الله تعالى نَزَع الملك من بني إسرائيل على البيت المقدَّس والمدينة المقدسة، لَمَّا زاد طغيانُهم وبُعدُهم عن شرْع الله تعالى الذي ارتضاه لهم.

• أنَّ التاريخَ قد سجَّل منذُ أزمان أنَّ أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب قد فَتَحها، وأنَّ صلاح الدِّين الأيوبيَّ قد حرَّرها، فسجِّلوا أنفسكم في ديوان النصر، فإنَّه قادم لا محالة، وقد يُبطئ زمناً؛ لكن له موعدٌ قدَّره ربُّنا الرحمن سبحانه.

• وإنَّ التاريخ لم يُسجِّل اسمَ مَن أضاع القدسَ والأقصى، فله الإهمال بقدر ما أَهْمل، مع أنَّ له العذابَ الأليم في الخلود بمقدار ما ضَيَّع من الأمانة.

إنَّ قضية فلسطين والمسجد الأقصى هي الجُرْح النازف، والوجعُ الدائم للمسلمين أجمعين، ويجب أن تُوضَعَ في أولويات كلُّ المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وهم يتحمَّلون أطرافَ هذه المسؤولية، وليس أبناء فلسطين وحْدَهم؛ بل إنَّها أُمُّ القضايا التي تفرِض نفسَها على عقول وقلوب المخلصِين من المسلمين.

أيها المؤمنون: عَلِّموا أولادَكم حُبَّ الأقصى، والحُزنَ على غربته، قولوا لهم: إنَّ لنا غريباً طال انتظارُه، علَّ أحدَهم يكون رمزاً لحمايته في زمن الضياع، واقرؤوا لهم تاريخَه، ولا تُجفِّفوا منابعَ الذِّكْرى في قلوبهم، واتركوهم قبلَ أن تفارقوا دنياهم، وقد أخذتم عليهم العَهدَ، وتركتم لهم الوصيةَ، كما أنَّكم حريصون على أن تتركوا لهم الأموالَ والمتاع. والحق الذي ورثناه عن دِيننا فيما يخصُّ القدسَ والأقصى يستحقُّ منَّا أن نُورِّثَه لأولادنا.

أيها المؤمنون: في الإسراء والمعراج مبشرات عظيمة للمؤمنين الصالحين، فقد قال سيدنا إبراهيم للنبي صلى الله عليه وسلم: “يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر” الترمذي: (3462). وفي رواية قال له: “يا محمد، مر أمتك فليكثروا من غراس الجنة، فإن تربتها طيبة، وأرضها واسعة. قال: وما غراس الجنة؟
قال: لا حول ولا قوة إلا بالله”. أخرجه أحمد (23552) وقال عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه: “لَمَّا أُسْرِىَ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، انْتُهِيَ بِهِ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، فَأُعْطِىَ ثَلاَثًا: أُعْطِىَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَأُعْطِىَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَغُفِرَ الْمُقْحِمَاتُ (الذنوب العظام التي تقحم أصحابها في النار) لِمَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ مِنْ أُمَّتِهِ شَيْئًا” أخرجه مسلم (173).

وكما تضمنت الرحلة مبشرات، تضمنت كذلك تحذيرات. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لَمَّا عُرِجَ بِي، مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ، يَخْمِشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلاَءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلاَءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ” أخرجه أبو داود (4878). وقال صلى الله عليه وسلم: “مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِي بِي عَلَى قَوْمٍ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ. قُلْتُ: مَنْ هَؤُلاَءِ يا جبريل؟ قَال: خُطَبَاءُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، كَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ” أخرجه أحمد (13421).

اللهم حرر الأسرى والمسرى واجعلنا في حُبك أسرى، اللهم رد الينا المسجد الاقصى الأسير، اللهم يا رب فك أسره وارزقنا صلاة فيه قبل الممات، اللهم احفظ السجد الأقصى من أيدي الغاصبين واجعله شامخاً عزيزاً الى يوم الدين.