الْوَلَايَةُ.. نُورُ الْقُلُوبِ لَا صُوَرُ الْأَبْدَانِ
15 يناير، 2026
أولياء أمة محمد

بِقَلَمِ الشَّيْخِ : أَحْمَدَ إِسْمَاعِيلَ الْفَشَنِيِّ
من علماء الأزهر الشريف
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي اتَّخَذَ مِنْ عِبَادِهِ أَوْلِيَاءَ، وَأَسْبَلَ عَلَيْهِمْ سِتْرَ الْمَحَبَّةِ وَالصَّفَاءَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى إِمَامِ الْأَوْلِيَاءِ، وَقُدْوَةِ الْأَصْفِيَاءِ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَهْلِ الْوَفَاءِ.
أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ..
يَظُنُّ الْكَثِيرُونَ أَنَّ “الْوَلَايَةَ” رِدَاءٌ يُلْبَسُ، أَوْ مَظْهَرٌ يُتَكَلَّفُ، أَوْ جَسَدٌ مَمْدُودٌ، أَوْ لِسَانٌ مَفُوهٌ. وَالْحَقِيقَةُ أَنَّ الْوَلَايَةَ “سِرٌّ” بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ، لَا تَرَاُهَا الْعُيُونُ فِي ثِيَابٍ زَاهِيَةٍ، وَلَا فِي صُوَرٍ بَاهِرَةٍ، بَلْ هِيَ مَقَامٌ رُوحِيٌّ مَحَلُّهُ الْقَلْبُ، وَثَمَرَتُهُ السَّكِينَةُ وَالِاتِّبَاعُ.
الْمِيزَانُ الْإِلَهِيُّ (الْقَلْبُ لَا الْقَالَبُ):
لَقَدْ حَسَمَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ حِينَمَا قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). فَاللَّهُ لَا يَخْتَارُ أَوْلِيَاءَهُ بِحَسَبِ جَمَالِ الْوُجُوهِ، أَوْ قُوَّةِ الْأَجْسَادِ، أَوْ فخَامَةِ الْهِنْدَامِ، بَلْ بِطَهَارَةِ الْأَرْوَاحِ.
* مَوْقِفٌ يُصَحِّحُ النَّظَرَ: يُحْكَى أَنَّ رَجُلًا مَرَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لِجَلِيسِهِ: مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟ قَالَ: هَذَا مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ، هَذَا جَدِيرٌ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ. فَسَكَتَ ﷺ. ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ آخَرُ (مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ)، فَقَالَ: مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟ قَالَ: هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَلَّا يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَلَّا يُشَفَّعَ. فَقَالَ ﷺ: «هَذَا (الْفَقِيرُ) خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلَ هَذَا (الشَّرِيفِ المظهر)» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ). لِتَعْلَمَ أَنَّ الْوَلِيَّ قَدْ يَكُونُ مَغْمُوراً فِي الْأَرْضِ، مَشْهُوراً فِي السَّمَاءِ.
كَيْفَ تُحَصَّلُ الْوَلَايَةُ؟ (خَارِطَةُ الطَّرِيقِ):
الْوَلَايَةُ لَيْسَتْ حِكْراً عَلَى أَحَدٍ، وَلَا هِيَ مَوْهِبَةٌ بِلَا سَعْيٍ، بَلْ هِيَ دَرَجَاتٌ يُنَالُ بِالِاجْتِهَادِ:
* الْإِيمَانُ وَالتَّقْوَى: هُمَا رُكْنَا الْوَلَايَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ؛ حَيْثُ قَالَ سُبْحَانَهُ: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ}. فَالْمُؤْمِنُ التَّقِيُّ الَّذِي يُرَاقِبُ اللَّهَ فِي سِرِّهِ وَعَلَانِيَتِهِ هُوَ سَالِكٌ فِي طَرِيقِ الْوَلَايَةِ.
* أَدَاءُ الْفَرَائِضِ: وَهِيَ أَحَبُّ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ. فَلَا وَلَايَةَ لِمَنْ يُضَيِّعُ حُقُوقَ اللَّهِ وَالْعِبَادِ.
* الِاسْتِكْثَارُ مِنَ النَّوَافِلِ: حَتَّى يَنْطَقِقَ الْحُبُّ فِي الْقَلْبِ. يَقُولُ اللَّهُ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: «وَمَا زَالَ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ…» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).
* قِصَّةُ “الْوَلِيِّ الْخَفِيِّ”: يُرْوَى عَنْ سَيِّدِنَا أُوَيْسٍ الْقَرَنِيِّ أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا مَغْمُوراً فِي الْيَمَنِ، لَا يُؤْبَهُ لَهُ، ثِيَابُهُ بَسِيطَةٌ، وَجَسَدُهُ نَحِيلٌ، لَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْصَى سَيِّدَنَا عُمَرَ وَسَيِّدَنَا عَلِيّاً أَنْ يَطْلُبَا مِنْهُ الِاسْتِغْفَارَ! لِمَاذَا؟ لِأَنَّهُ بَلَغَ مَقَامَ الْوَلَايَةِ بِبِرِّهِ لِأُمِّهِ وَإِخْلَاصِهِ لِرَبِّهِ، لَا بِجَاهِهِ وَلَا بِمَنْصِبِهِ.
نَصَائِحُ لِلْمُرِيدِينَ:
* لَا تَغْتَرَّ بِالظَّوَاهِرِ: فَرُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ.
* انْشَغِلْ بِعَيْبِ نَفْسِكَ: فَالْوَلِيُّ لَا يَرَى لِنَفْسِهِ مَقَاماً، بَلْ يَرَى نَفْسَهُ دَائِماً مُقَصِّراً فِي حَقِّ مَوْلَاهُ.
* طَهِّرْ قَلْبَكَ: فَإِنَّ الْوَلَايَةَ “نُورٌ”، وَالنُّورُ لَا يَنْزِلُ فِي قَلْبٍ مُظْلِمٍ بِالْغِلِّ وَالْحَسَدِ وَالْكِبْرِ.
خِتَاماً:
الْوَلَايَةُ هِيَ أَنْ “تَتَوَلَّى” اللَّهَ بِالطَّاعَةِ، فَيَتَوَلَّاكَ اللَّهُ بِالْحِفْظِ وَالنُّصْرَةِ. فَاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أَوْلِيَائِكَ الصَّالِحِينَ، وَأَحِبَّائِكَ الْمُقَرَّبِينَ، وَلَا تَفْتِنَّا بِصُوَرِ الدُّنْيَا عَنْ حَقَائِقِ الْآخِرَةِ.
وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.