الفاتحة: مفتاح الوجود ومعراج العبودية (2)


بقلم د. بدر الفيومي

دكتوراه في الفلسفة والفكر العربي والإسلامي المعاصر

 

بعد أن استقرّ المعنى في اللقاء السابق عند قوله تعالى: (الحمد لله ربّ العالمين)، وانتظم في الوعي أن العالم ليس سدا، ولا المعنى طارئًا، ولا الإنسان متروكًا بلا ربّ، ينتقل الخطاب القرآني انتقالًا مقصودًا إلى أفقٍ آخر لا يستقيم الإيمان بدونه، ولا تُفهم الربوبية إلا به، وهو أفق الرحمة. حيث جاء الوصف الإلهي: (الرحمن الرحيم) لا على سبيل التكرار اللفظي، بل على سبيل التأسيس الوجودي، إذ لا يكفي أن يُعرَف الله بوصفه ربًّا مدبرًا حتى يُعرَف بوصفه رحمنًا رحيمًا، لأن التدبير بلا رحمة قد يُتوهم معه القهر المجرد، والربوبية بلا لطف قد تُقرأ قراءة ناقصة في وعي الإنسان.

فالرحمن اسم من أسماء الله الحسنى الدال بدلالة المطابقة على ذات الله وعلى صفة الرحمة العامة، ودال بدلالة التضمن على الذات وحدها، وعلى الرحمة العامة وحدها. وهذه الرحمة ليست شعورًا عاطفيًا، ولا انفعالًا طارئًا، بل هي رحمة شاملة تدل على مقتضى الحكمة والقدرة معًا؛ إذ خلق الله الخلق بقدرته، مؤمنهم وكافرهم، ثم رزقهم برحمته، وهداهم سبل معايشهم، ويسر أسباب حياتهم، وأمهلهم في زمن الاستخلاف، وابتلاهم فيما خوّلهم، واسترعاهم جميعًا في أرضه، واستأمنهم في ملكه، ليبلوهم أيهم أحسن عملًا.

 ومن ثمّ وسعت رحمته العامة أهل الدنيا جميعًا، فلم تُحجب عن الأغيار، ولم تُؤجَّل عن غافل، وكانت هذه الرحمة باب الرجاء المفتوح في وجه الإنسانية، والدافع العميق إلى التفكر والاعتبار والتذكر والاستبصار. ومن هنا يظهر أن الرحمة التي دلّ عليها اسم الرحمن ليست رحمةً تُسقط التكليف، ولا تُلغي الابتلاء، بل رحمة تُقيم الحياة ليصحّ الامتحان، وتُبقي العالم ليستقيم معنى المسؤولية.

ولذلك اقترن اسم الرحمن في مواضع كثيرة من القرآن باستوائه على العرش، لأن الاستواء هنا إعلان للسيادة والتدبير الشامل، والرحمة هنا بيان للغرض والحكمة؛ فهو سبحانه فوق الخلائق جميعًا، مؤمنهم وكافرهم، حياتهم قائمة بإذنه، وأرزاقهم مكتوبة، وبقاؤهم رهن مشيئته، وهم بفقرهم الذاتي لا حول لهم ولا قوة إلا به، فلا يستغني عنه في الحقيقة أحد، وإن توهّم الاستغناء. وهذه الرحمة العامة هي التي سبقت غضبه، ولولاها لما استقرت الحياة، ولا سكنت الأرض، لأن أفعال العباد لو قوبلت فورًا بما تستحقه لانقطع زمن الإمهال، وتعطّل معنى الابتلاء. وفي الحديث الصحيح: «إن رحمتي سبقت غضبي»، وفي حديث آخر (أن الله جعل الرحمة مائة جزء، فأمسك عنده تسعةً وتسعين، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه).

وهنا يلتقي البعد العقدي بالرؤية الفلسفية: فما نشهده في العالم من تعاطف ورحمة ليس إلا أثرًا يسيرًا من أصلٍ أعظم، ولو رُفع هذا الجزء لانكشفت قسوة الوجود، ولانهار توازن الحياة. واسم الرحمن يدل باللزوم على صفاتٍ لا تقوم الرحمة العامة إلا بها؛ كالحياة، والقيومية، والغنى، والأحدية، والعزة، والصمدية، والعلم، والحكمة؛ إذ لا تُتصوّر رحمة كاملة من عاجز، ولا فقير، ولا ميت، ولا ناقص القيومية.

كما أن هذا الاسم يدل على صفة من صفات الفعل؛ لأن الرحمة التي تضمنها متعلقة بمشيئته، وبقاء الخلق في الدنيا صادر عن مقتضى حكمته، ولو شاء لأذهبهم وأتى بخلق جديد، لكن رحمته العامة لحقتهم فخلقهم، ورزقهم، وأبقاهم مخيرين مبتلين إلى حين، لتظهر حكمته في أداء كل موجود لعلته وغايته. ثم يأتي اسم الرحيم ليكشف البعد الآخر من الرحمة، الرحمة الخاصة التي بها يَتَميّز الإيمان، ويستقيم معنى القرب.

 فالرحيم في اللغة من صيغ المبالغة، فعيل بمعنى فاعل، ودلالته ليست تكرارًا لدلالة الرحمن، بل تخصيصًا لها. فرحمة الرحمن عامة وسعت كل شيء، أما الرحيم فمختصة بالمؤمنين، ولهذا كان الرحمن مختصًا بالله، بينما يوصف غيره بالرحيم من حيث اللغة. وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: هما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر ، في إشارة إلى لطيف الفرق بين الرحمة التي تُقيم الوجود، والرحمة التي تُتمّ الهداية.

واسم الله الرحيم من جهة العلمية يدل على ذات الله، ومن جهة الوصفية يدل على الرحمة الخاصة، ودلالته على الذات والصفة معًا دلالة مطابقة، وعلى كلٍّ منهما وحده دلالة تضمن. وقد تكرر ورود هذا الاسم في سياقات المغفرة، والتوبة، والقبول، واللطف بالمؤمنين، كما في الآيات التي نصّت على أن هذه الرحمة مكتوبة لمن آمن وأصلح وتاب، فدلّ ذلك على أن الرحيم هو المتصف بالرحمة الخاصة التي تفيض هدايةً وتثبيتًا وقربًا، لا مجرد بقاء وإمهال.

وهذه الرحمة الخاصة تستلزم أوصافًا تابعة لها: اللطف، والحلم، والرأفة، والكرم، والإحسان، والود، والمنة، والعفو، والرفق، وكلها مظاهر لرحمة الله بأهل طاعته. واسم الرحيم كاسم الرحمن يدل على صفة من صفات الفعل؛ لأن هذه الرحمة تتعلق بمشيئته، تقع حيث شاء، وبالقدر الذي شاء، وعلى من شاء، وفق علمه وحكمته، لا على مقتضى استحقاقٍ مجرد، ولا على قاعدةٍ آلية صمّاء. وهكذا يتبين أن اقتران (الرحمن الرحيم) في الفاتحة ليس تكرارًا بل بناءً متدرجًا للوعي الإيماني؛ من رحمة تُقيم العالم ليستقيم الامتحان، إلى رحمة تُنقذ الإنسان ليستقيم المصير.

ومن فَهِِِم هذا التوازن، فَهِم كيف يجتمع في الإيمان الخوف والرجاء، والعدل والفضل، والسنن واللطف، وكيف لا تتحول الربوبية إلى قهر، ولا الرحمة إلى تسيّب، بل يبقى الإنسان واقفًا بين يدي الله عبدًا، راجيًا، مسؤولًا. وبهذا تواصل الفاتحة رسم خريطة الوجود للإنسان، لا كمتعبّدٍ يردد ألفاظًا، بل ككائنٍ يبحث عن معنى؛ فيجد أن المعنى يبدأ بالربوبية التي تُقيم العالم، ويستمر بالرحمة التي تحفظ توازنه، ويتجه نحو الهداية التي تهدي المصير.

وللحديث بقية مع قوله تعالى: (مالك يوم الدين)، حيث ينتقل الخطاب من رحمة تُقيم الحياة إلى عدلٍ يضبط النهاية، ومن زمن الابتلاء إلى أفق الحساب، لتكتمل ملامح العلاقة بين العبد وربه في ضوء المصير الأخير.