دلالة ترحيب الأنبياء بالنبي محمد – عليهم الصلاة والسلام – في المعراج.


بقلم الدكتور : طه عبد الحافظ أحمد الوزيري

دكتوراة فى الدعوة والثقافة الإسلامية – جامعة الأزهر الشريف

بدأت رحلة المعراج وصعد جبريل –عليه السلام- بالنبي –صلى الله عليه وسلم- إلى السماوات.
وأول ما يقابلنا استفتاح جبريل واستفسار الملائكة عن المستفتح، فيرد جبريل -عليه السلام- قائلا: جبريل.
فيقال له: ومن معك؟
فيقول: محمد.
فيقال: وقد أرسل إليه؟
فيقول: نعم .
فيقال: مرحبا به، نعم المجيئ جاء.
حدث ذلك في كل سماء.
كذلك أيضا موقف الأنبياء -عليهم السلام- كلما ذهب للسلام على نبي يتم الترحيب به على أنه نبي.
فآدم وإبراهيم –عليهما السلام- يقولان له: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح، وباقي الأنبياء يقولون: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح.
ونرى هنا أن الملائكة والأنبياء لم يستفسروا عن شخص محمد ومن يكون، بل يستفسرون عن الرسالة والنبوة.

فما دلالة ذلك؟

دلالة ذلك أنهم كانوا يعلمون علم اليقين أن النبي محمد –صلى الله عليه وسلم- هو نبي آخر الزمان.

ومن أين جاءهم العلم بذلك؟

إن الله -عز وجل- هو الذى أخبرهم وأعلمهم وأخذ عليهم الميثاق أن ينصروه ويؤمنوا به يقول تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾ سورة آل عمران (81).

أخرج الإمام الطبري عن السدي: “(وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة)، الآية. قال: لم يبعث الله -عز وجل- نبيًّا قطُّ من لدُنْ نوح، إلا أخذ ميثاقه ليؤمننّ بمحمد ولينصرنَّه إن خَرَج وهو حيّ، وإلا أخذ على قومه أن يؤمنوا به ولينصرُنَّه إن خَرَج وهم أحياء” (تفسير الطبري ج6 ص556).

وكذلك يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّور الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ سورة الأعراف (157).

وليس القرآن الكريم فقط من أخبر بذلك، بل الكتاب المقدس أيضا –المحرف- موجود فيه ذكر النبي محمد –صلى الله عليه وسلم- وإليك بعض النصوص التي ذكرها العلماء:
إن نزول الكتاب على النبي الأمي من أهم النبوءات وأوضحها: “أو يدفع الكتاب لمن لا يعرف الكتابة ويقال له اقرأ هذا فيقول لا أعرف الكتابة” (اشعياء 29/12).
هذه الجملة هي نفس “اقرأ ما أنا بقارئ” فعلى من تنطبق هذه النبوءة؟

لقد كنت أسأل نفسي دوما: النبي –صلى الله عليه وسلم- كان يتصف بكل الصفات الحميدة فلماذا اشتهر بالصدق والأمانة؟

وجدت الرد على ذلك في الكتاب المقدس –عند أتباعه-، والرد له علاقة برحلة المعراج، جاء في رؤيا يوحنا اللاهوتي: “ثم رأيت السماء مفتوحة وإذا فرس أبيض والجالس عليه يدعى أمينا وصادقا وبالعدل يحكم ويحارب” (رؤيا يوحنا اللاهوتى 19/11).

مَن مِن الأنبياء جميعا كان يلقب في صغره بالصادق الأمين؟

إنه النبي محمد –وكل الأنبياء صادقين أمناء ولكن من الذى غلب عليه الوصف في صغره-.

ألا ترى الفرس الأبيض إشارة إلى البراق؟

ألا ترى السماء المفتوحة إشارة إلى المعراج؟

هذه بعض النبوءات بالنبي محمد -صلى الله عليه وسلم- في الكتاب المقدس والتي تتفق اتفاقا تاما مع ما حدث في المعراج.
بل إن اجتماع الأنبياء بالنبي –صلى الله عليه وسلم- وإن كان يدل على الوحدة والترابط، إلا أنه دليل نبوته واكتمال بناء النبوة، يقول الشيخ محمد الغزالي: “وفي قصّة الإسراء والمعراج تلمح أواصر القربى بين الأنبياء كافة، وهذا المعنى من أصول الإسلام:
﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (سورة البقرة 285).

والتحيات المتبادلة بين النبي صلى الله عليه وسلم وإخوته السابقين توثّق هذه الاصرة.

ففي كلّ سماء أحلّ الله فيها أحد رسله، كان النبي صلى الله عليه وسلم يستقبل فيها بهذه الكلمة: مرحبا بالأخ الصالح، والنبيّ الصالح!

والخلاف بين الأنبياء وهم صنعته الأمم الجائرة عن السبيل السويّ، أو بالأحرى صنعه الكهان والمتاجرون بالأديان” (فقه السيرة، للشيخ: محمد الغزالي السقا (المتوفي: 1416هـ) ص143، 144).

على الداعية أن يستخدم هذه الحقائق في دعوته حتى يزداد المؤمن إيمانا.

وإذا كان ترحيب الأنبياء بالنبي –صلى الله عليه وسلم- تفوح منه دلائل النبوة والفضل العظيم، فإنه تفوح منه الآداب الجمة والأخلاق العظيمة التي يجب أن يتحلى بها الدعاة الذين هم قدوة المدعويين.

نحن نعلم أن جبريل –عليه السلام- أفضل الملائكة.

وأن النبي محمد –صلى الله عليه وسلم- أفضل من جبريل.

ومع ذلك نرى أن جبريل –عليه السلام- يستأذن من الملائكة ويستفتح، وهو خير منهم، ومعه خير العالمين وأفضلهم –صلى الله عليه وسلم-.

وكان الله –تعالى- قادرا على أن يفتح لهم الأبواب ويجعلهم يدخلون دون استئذان ويمرّون عليهم دون سلام، ولكن كيف يحدث ذلك مع أئمة المؤدَبين والمؤدِبين؟.

إن الدعاة هم الموجهون الحقيقيون للشعوب، ولكن إذا انهارت القيم والأخلاق في حياتهم فلن يكون لهم أي قيمة أو احترام بين الناس فضلا عن أن يكون لهم أي تأثير.

إنني أحزن كثيرا حين أجد بعض الدعاة يريد أن يأخذ الإمامة عنوة وقهرا بدعوى أنه هو الأعلم والأفضل…

يأتي أحد من يُشيَخون من قبل العامة وله أتباع قلّ عددهم أو كثُر فيرى نفسه أحق بالإمامة من الإمام الراتب، فيتقدم عليه في وجوده بلا استئذان ولا حتى معاملة حسنة، بل قد يصل الأمر إلى ضرب الإمام وطرده من المسجد، ويستدلون ببعض الأحاديث التي تُظهر جهلهم وقلة فقههم.

هل أعطى الله –تعالى- حبيبه محمدا والروح الأمين سلطة اقتحام السموات والدخول بلا استئذان لأنهما الأعلم والأفضل والأقرب من الله؟

لقد وصل جبريل –عليه السلام- في المعراج إلى مكانة لم يصل إليها ملك، ووصل النبي –صلى الله عليه وسلم- لمكانة لم يصل إليها نبي ولا ملك، ومع ذلك لم يفتح لهما الله –تعالى- السموات، بل لا بد من أن يستأذنا من أهلها الذين أعطاهم الله سلطان الحفظ والحراسة وإن كانوا أقل منهما.

الدعاة هم من يعلمون الناس الأدب والأخلاق، فهل يصح أن يراهم الناس بلا أدب ولا أخلاق؟