حين يُفسِد الشرفُ الدينَ
15 يناير، 2026
منبر الدعاة

بقلم د/ مصطفى طاهر رضوان
عضو هيئة التدريس بقسم العقيدة والفلسفة
كلية أصول الدين والدعوة ـ جامعة الأزهر
لو وقف كل واحدٍ منا وقفة صدق مع نفسه، ونظر في دخائل قلبه بعيدًا عن المجاملة والمكابرة، لوجد في أعماقه ميلًا فطريًا إلى حب الشرف، والتطلع إلى الرفعة، والرغبة في علو المنزلة بين الناس؛ غير أن هذا الميل — إذا تُرك بلا تزكية ولا ضبط — انقلب من دافعٍ إنساني إلى آفةٍ مهلكة، تفسد الدين وتُهلك صاحبها من حيث لا يشعر.
وقد حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الخطر تحذيرًا بالغًا، حين شبّه الحرص على المال والشرف بذئبين جائعين أُرسلا في غنم، فقال: «ما ذئبان جائعان أُرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه»
حديثٌ يهزّ القلوب، ويكشف حجم الخسارة حين تتحول الغاية من رضا الله إلى تزكية النفس وتعظيمها.
خطورة طلب الشرف في الدنيا
إن طلب الشرف والرفعة في الدنيا ليس خطرًا عارضًا، بل فتنة متغلغلة، تشتد خطورتها إذا سلك الإنسان إليها أحد طريقين اثنين، وكلاهما — وإن اختلف مظهره — يشترك في المآل.
الطريق الأول: الشرف عبر السلطة والجاه
وأول هذين الطريقين: أن يُطلب الشرف من خلال الولاية، والرئاسة، والزعامة، والسيادة، وجمع المال والنفوذ. وهذا طريقٌ شديد الوعورة، كثير العثار، إذ غالبًا ما يحجب صاحبه عن شرف الآخرة وكرامتها.
وقد قرر القرآن هذه الحقيقة بوضوح لا لبس فيه، فقال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾.
ومن كان حريصًا على الولاية متطلعًا إليها، وُكِل إلى نفسه، ومن وُكِل إلى نفسه هلك. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه: «لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أُعطيتها عن مسألة وُكِلت إليها، وإن أُعطيتها من غير مسألة أُعنت عليها».
وليس هذا نهيًا عن تحمل المسؤولية، وإنما تحذير من التعلق بها وطلبها طلب المتشرف المتعاظم، إذ غالبًا ما يولِّد ذلك في القلب كِبرًا، واستعلاءً على الخلق، وشعورًا زائفًا بأن الناس محتاجون إليه، فيقوده ذلك إلى الظلم، والظلم ظلمات يوم القيامة.
ومن هنا كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين».
لأن النفس إذا تُركت بلا عونٍ من الله، قادت صاحبها إلى الشر، ولو ظن أنه يسعى للخير.
ولهذا المعنى كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يولي من يطلب الولاية أو يحرص عليها، وقال بوضوح: «إنا والله لا نولي على هذا العمل أحدًا سأله، ولا أحدًا حرص عليه».
الطريق الثاني: الشرف عبر العلم
أما الطريق الثاني — وهو الأخطر والأقبح — فهو طلب الشرف والرفعة من خلال العلم.
ذلك أن العلم في أصله عبادة، وقربة، وطريق إلى الله، فإذا استُخدم سُلَّمًا إلى الجاه، أو وسيلة لتعظيم الذات، أو أداة للسيطرة على الناس، انقلب من نعمة إلى نقمة، ومن نور إلى ظلمة.
وقد توعد النبي صلى الله عليه وسلم من تعلم العلم لغير الله وعيدًا شديدًا، فقال: «من تعلم علمًا مما يُبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة».
ولهذا كان من أشد الناس عذابًا يوم القيامة: عالم لم ينفعه الله بعلمه، لأنه استعمل ما أُعطي من نور الوحي في أخس المقاصد، وأدنى الأغراض.
وفي هذا المعنى كتب وهب بن منبه إلى مكحول رحمهما الله:
إنك أصبت بظاهر علمك عند الناس شرفًا ومنزلة، فاطلب بباطن علمك عند الله منزلةً وزلفى، واعلم أن إحدى المنزلتين تمنع الأخرى.
كلمات قليلة، لكنها تزن القلوب قبل العقول، وتضع طالب العلم أمام سؤال مصيري: لمن أتعلم؟ وبماذا أبتغي؟
شرف الآخرة هو الشرف الحقيقي
أيها الإخوة الكرام،
السعيد حقًا من أراد الله والدار الآخرة، ومن جعل همَّه ما يبقى لا ما يفنى، ومن سعى إلى شرف الآخرة ولو خفي عن أعين الناس.
وقد لخَّص جبريل عليه السلام هذه الحقيقة العظمى في كلمات موجزة، حين قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «شرف المؤمن قيام الليل، وعزه استغناؤه عن الناس».
فمن طلب شرف الآخرة، آتاه الله شرف الدنيا دون أن يسعى إليه، ومن طلب شرف الدنيا، حُرم شرف الآخرة، إذ لا يجتمعان في قلب واحد.
اللهم أخرج من قلوبنا حب الدنيا، واجعل الآخرة همَّنا، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.