خطبة بعنوان ( جبر الخواطر من دروس الاسراء والمعراج ) للشيخ : رضا الصعيدى

خطبة بعنوان ( جبر الخواطر من دروس الاسراء والمعراج )
للشيخ : رضا الصعيدى

العناصر :

1-قسوة الأحداث التي سبقت الاسراء والمعراج وما تعرض له حبيب الله صلوات ربي عليه
2-جبر الله لخاطر حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم ، والمواقف الدالة على ذلك.
3-فريضة الصلاة وأهميتها في جبر الخواطر لأمة الحبيب محمد صلوات الله عليه .
4-ماذا قال الله لحبيبه محمد ليلة المعراج ؟
5-وما الواجب علينا ؟

لم تكن  رحلة الإسراءِ والمعراج حدثًا عابرًا في حياة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، بل هي نفحةُ عنايةٍ إلهية، ورسالةُ مواساةٍ ربانية، تجلَّى فيها جبرُ الخواطر في أسمى صوره وأكمل معانيه، فقد جاء هذا التكريم العظيم بعد عناءٍ طويل، وألمٍ ثقيل، ليُعلِم القلوبَ أنَّ مع العسر جبرًا، ومع الانكسار رفعًا، ومع الصبر عطاءً لا ينقطع.

أهمية جبر الخواطر :

ان  جبر الخواطر له آثاره العميقة في النفس والمجتمع؛ أنَّه يفيض على القلب طمأنينةً وسكينة، ويهب الروح راحةً بعد عناء، ويزرع في النفس ثقةً متجددةً بذاتها وبقدرتها على النهوض بعد العثرة، وهو كذلك يُوثِّق عُرى المودَّة بين الناس، ويقوِّي الروابط الاجتماعية، فيسود التراحم، وتذوب القسوة، ويحلُّ التآلف محلَّ الجفاء.

وجبر الخاطر بابٌ واسعٌ لاستعادة الأمل، وبعث السعادة في القلوب المنكسرة، وتضميد الجراح الخفيَّة، وتخفيف وطأة الحزن، وتهدئة القلق، وبثِّ معاني الرضا واليقين، بل هو في جوهره عبادةٌ راقية، وأخلاقٌ نبيلة، إذا سرت في الأفراد أحيَت النفوس، وإذا شاعت في المجتمعات أقامت بنيانها على الرحمة والتكافل، وجعلت من الإنسانية جسدًا واحدًا يتألم لألم أفراده، ويفرح لفرحهم.

كيف جبر الله بخاطر حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم ؟

قال الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي في مقال بعنوان “فوق الآدمية؛ الإسراء والمعراج”: والقصة بعد ذلك تثبت أن هذا الوجود يَرِقُّ وينكشف ويستضيء كلما سما الإنسان بروحه، ويغلظ ويتكاثف ويتحجّب كلما نزل بها، وهي من ناحية النبي صلى الله عليه وسلم قصة تصفه بمظهره الكوني في عظمته الخالدة، كما رأى ذاته الكاملة في ملكوت الله، ومن ناحية كل مسلم من أتباعه؛ هي كالدرس في أن يكون لقلب المؤمن معراجٌ سماوي فوق هذه الدنيا، ليشهد ببصيرته أنوارَ الحق، وجمالَ الخير، وتجسُّدَ الأعمال الإنسانية في صورها الخالدة؛ فيكون بتدبره القصة كأنما يصعد إلى السماء وينزل؛ فيستريح إلى الحقائق الأساسية لهذه الحياة، فيدفع عن نفسه بذلك تعقُّدَ الأخيلة الذي هو أساس البلاء على الروح، ومتى استنار القلب كان حيًّا في صاحبه، وكان حيًّا في الوجود كله، ومتى سَلِمت الحياة من تعقيد الخيال الفاسد لم يكن بين الإنسان وبين الله إلا حياةٌ هي الحق والخير، ولم يكن بينه وبين الناس إلا حياةٌ هي الرحمة والحب”. [وحي القلم].

أحداث صعبة سبقت  الإسراء والمعراج:

أمر الله ـ عز وجل ـ نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأن يصدع بالدعوة إلى الله، وكان ذلك بعد مُضي ثلاث سنين من عمر الدعوة، فأنزل الله تبارك وتعالى قوله: { فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ }(الحجر:94)، فجهر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالدعوة.

صعد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على الصفا، فجعل ينادي، يا بني فهر، يا بني عدي، لبطون قريش حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما الأمر؟، فجاء أبو لهب وقريش، فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدّقيّ؟، قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقا!!، قال: إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تبَّا لك، ألهذا جمعتنا، فأنزل الله في الرد عليه: { تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ * سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ }( المسد: 1: 5 ) ) رواه مسلم .

وبمجرد أن بدأ النبيُّ محمداً صلى الله عليه وسلم دعوته إلى الإسلام علناً ، وجد أتباعه الأقلاء أن محض إعلان إسلامهم يعني مواجهة مختلف ألوان العذاب الوحشيِّ، والاضطهاد  للرسل وكبار الصحابة رضوان الله عليه حى استشهد بعضهم .

وأول من استشهد كانت سُمية بنت الخياط (رضي الله عنها) والتي قُتلت بطعنة رُمحٍ في حوضها.. وابنها، عمَّار بن ياسر (رضي الله عنه) فقد عذب بالنار -كمثل آخرين كُثُر- حتى أظهر لهم ردته عما صبأ إليه لفظًا – انظر: مستدرك الحاكم؛ باب التفسير؛ سورة النحل؛ إلا من أُكره وقلبُه مطمئنٌ بالإيمان. 

وهذا خبَّاب بن الأَرَطُّ (رضي الله عنه) أُجبر على التمدد على فحم يشتعل حتى بانت رائحة جلده وهو يُطهى -انظر: سنن ابن ماجه (153)، وحلية الأولياء. (472)..

 وبعض هذه الفواجع إنما صُعِّدت كلما تقدم بهم هذا العَقْد المأساويُّ أكثر.

أما بالنسبة للنبيِّ صلى الله عليه وسلم نفسه، فإن الإذلال الذي تجرعه من وثنيِّي قريشٍ كان غاشماً.. فلم تتوانى لهم فرصة لتشويه سمعته أمام الناس إلا واستغلوها، أما بناته فطلقوهنّ، وأما عشيرته جمعاء فلثلاث سنواتٍ تم تشريدها وتجويعها.

حاول عُقْبة بن أبي معيط خنقه من وراء ظهره بينما كان يصلي بين الناس.. أما أبو جهلٍ فقد أمر أن يُلقي على بدنه الشريف سلا الجذور [أي أمعاء الإبل]  بينما هو ساجد.. بَصَق عليه عُتَيْبَة بن أبي لهب..  وضربه آخرون حتى أن فقد وعيه..

وأبو لهب -وهو أحد أعمامه- بدأ برميه بالإهانات من اللحظة التي بدأ فيها دعوة أفراد عشيرته من فوق جبل الصفا بالقرب من الكعبة، وهو مكان يستخدم عادةً في مخاطبة الناس.–   الغزالي، فقه السيرة: فهمُ حياة النبي محمد، 117.

هذه الحادثة مهدت الطريق لتطبيع الإهانة الجماهيرية للمسلمين، خصوصاً إذا ما ارتُئوا يصلون في حرم الكعبة – ( الصلَّابي، السيرة النبوية الشريفة – 327 ) .

اتهم بالكذب، والجنون،والسحر ،  والمسّ، وحتى بكونه شاعراً قد فتن الناس وتلاعب بهم لكي يتبعوه.

واجهوه بالسخرية و الاستهزاء ، والتكذيب بالقرءان ، و زعمهم بأنه أساطير الأولين ، و الطعن بمضامين الدعوة الإسلامية و التشكيك بها ..

طلبوا منه قرآناً غير الذي يأتيه به الوحي، أو أن يأتيَهم بالقُرآن دفعة واحدة، وحاولوا مرّات كثيرة إحراجه أمام الناس بأن يطلبوا منه إخراج الينابيع من الأرض، وأن يجعل لهم جنّات، وأنهاراً، فأجابهم بأنّه بشر لا يقدر على ذلك إلّا بأمر من الله، ولم تتوقّف سُخرية المشركين عند هذا الحدّ، بل تعدَّوا ذلك إلى السخرية من الصحابة، وكُلِّ من يُسلم معه -عليه الصلاة والسلام.

ثمّ لجأوا إلى مساومته بأن يجعل لهم النبيّ مجلساً خاصّاً بهم؛ لِعُلوّ مكانتهم، ومقامهم حتى يؤمنوا، وأن يمنع وجود الفُقراء من المسلمين في مجلسهم، فرفض النبيّ -عليه الصلاة والسلام- ذلك؛ امتثالاً لقول الله -تعالى-: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)؛ فالإسلام لا يقيس الناس بطريقة السيادة الجاهلية- سورة الأنعام، آية: 52  – وحاولت قريش مساومة النبيّ في دينه؛ فعرضوا عليه أن يُسلموا بشرط أن يعبدَ آلهتهم سنة، ويعبدوا الله سنة، أي أن يتبع النبيّ؛ دينهم كي يتبعوا دينه، فأنزل الله عليه سورة (الكافرون)، وقرأها على كُفّار قريش، فأيقنوا أنّ هذا الأُسلوب لا ينفع مع النبيّ…

طلب المشركون منه المعجزات ليثبت صدق دعوته :

قال تعالى : { وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (93) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (94) } من سورة الاسراء .

وقال تعالى : { وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (8) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (9) } من سورة الانعام ..

اختلقوا الأكاذيب والاشاعات  :

قال تعالى : { فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (29) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (31) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (32) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (34) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) } من سورة الطور ..

فالنبي صلى الله عليه وسلم كانت تبث حوله الإشاعات ومن ذلك أنّهم قالوا عنه إنّه كذّاب، وساحر، ومجنون، وكاهن، وشاعر، كل ذلك وأكثر وهو ماض في سبيل دعوته لا ينثني عزمه، ولا يفتر نشاطه، ففي مسند الإمام أحمد عن ربيعة بن عباد الديلي ، أنه قال: «رأيت أبا لهب بعكاظ، وهو يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: يا أيها الناس، إن هذا قد غوى، فلا يغوينكم عن آلهة آبائكم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يفر منه، وهو على أثره».

ثبات عمه في مواجهة قريش :

قال ابن إسحاق : ثم إن قريشا حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسلامه ، وإجماعه لفراقهم في ذلك وعداوتهم ، مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة ، فقالوا له – فيما بلغني – يا أبا طالب ، هذا عمارة [ ص: 267 ] بن الوليد ، أنهد فتى في قريش وأجمله ، فخذه فلك عقله ونصره ، واتخذه ولدا فهو لك ، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا ، الذي قد خالف دينك ودين آبائك ، وفرق جماعة قومك ، وسفه أحلامهم ، فنقتله ، فإنما هو رجل برجل ؛ فقال : والله لبئس ما تسومونني أتعطونني ابنكم أغذوه لكم ، وأعطيكم ابني تقتلونه هذا والله ما لا يكون أبدا . قال : فقال المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي : والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك ، وجهدوا على التخلص مما تكرهه ، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا ؛ فقال أبو طالب للمطعم : والله ما أنصفوني ، ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم علي ، فاصنع ما بدا لك ، أو كما قال . فحقب الأمر ، وحميت الحرب ، وتنابذ القوم ، وبادى بعضهم بعضا .

الحصار و المقاطعة:

استمر الحصار ثلاث سنوات عانى فيها الهاشميون الامرين ، و تحملوا ما لم يتحمله بشر ، و كان يكفيهم أن يخلوا بين محمد و بين بطون قريش ، او ان يسلموا محمدا لقيادة تلك البطون ، عندئذ يتجنبون مواجهة بطون قريش التي رمتهم بقوس واحدة ، و ينجون من العذاب الأليم الذي مسهم أثناء فترة الحصار و المقاطعة ، لكن تسليم الهاشميين لمحمد او تركه للبطون لتقضى فيه بأمرها ، أمر لا يتفق مع طبيعة أبي طالب عميد البطن الهاشمي آنذاك ، و لا يتفق مع الطبيعة الهاشمية ، من هنا فقد صبروا و صابروا و احتسبوا ..

إيذاء المشركين:

تنوعت الأساليب التي استخدمها المشركين في إيذاء النبي، حتى يصدون عن الدعوى، فقد قام جاره أبو لهب، وعمه بالعديد من صور الإيذاء، مثل إلقاء أعضاء الشاة عليه، وهو يصلي وضع بعض الأشياء الثقيلة على ظهره، وهو ساجد عند الكعبة، حتى أنه في أحدى المرات جاءت ابنته فاطمة، وإزالة ما وضع على ظهره الشريف، بالإضافة إلى العظمة الذي كان يأتي به المشركين، ويعملون على تكسيره، ونفخه في وجهه الكريم في جميع هذه الصور من الإيذاء ثبت النبي عليه الصلاة، والسلام، وتحملها…

وجاء عام الحزن بوفاة عمه وزوجته :

عام الحزن، هو العام الذي توفي فيه عم الرسول أبو طالب الذي كان يدفع عنه أذى قريش ثم زوجته خديجة بنت خويلد التي كانت تسانده في الدعوة. وهو ما يقارب العام العاشر للبعثة (الثالث قبل الهجرة).

وقد كانت معجزة الإسراء تسليةً للنبي صلى الله عليه وسلم، وتطييبا لخاطره، وشدًّا لأرزه، وذلك في هذا العام (عام الحزن)؛ لِمَا أصابه صلى الله عليه وسلم من هَمٍّ وأَلَمٍ، ولِمَا كابد فيه من الشدائد في سبيل الدعوة.

أهل ثَقيف آذَوه ونالوا منه:

لم يجد النبي صلى الله عليه وسلم في مكة -بعد موت زوجه وعمه- آذانًا مصغية، وقلوبًا واعية، فاضطر للخروج إلى الطائف كي يعرض دعوته على أهل ثَقيف، لكن لم يلقَ منهم استجابة، بل آذَوه ونالوا منه، وأغروا به سفهاءَهم وعبيدهم يرمونه بالحجارة حتى دمِيَت قدماه الشريفتان، فانصرف مهمومًا حزينًا على عدم إيمان هؤلاء، فإذا به يجد نفسه في «قرن الثعالب»، فأخذ يناجي ربه، ويتضرع إليه قائلاً: «اللَّهم إلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَأَنْتَ رَبِّي، إلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إلَى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي ؟ أَمْ إلَى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي؟ إنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ عَلَيَّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي، وَلَكِنَّ عَافِيَتَكَ هِيَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَكَ، أَوْ يَحِلَّ عَلَيَّ سُخْطُكَ، لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِكَ» [رواه أحمد، والبيهقي في “دلائل النبوة”].

جبر الله خاطره بتأييد جبريل وملك الجبال :

وعن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أنها قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟، قَالَ: «لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ العَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلاَلٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فَنَادَانِي مَلَكُ الجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ: ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» [رواه البخاري].

من قلب محن تاني المنح :

بعد المحن منح :  صدق من قال :

كَم لِلّهِ مِن لُطفٍ خفى                      يَدِقُّ خَفاهُ عَن فَهمِ الذَكيِّ

وَكَم يُسرٍ أَتى مِن بَعدِ عُسرٍ         فَفَرَّجَ كُرْبَة القَلْبِ الشَجيِّ

وَكَم أَمرٍ تُساءُ بِهِ صَباحاً               وَتَأتيكَ المَسَرَّةُ بِالعَشيِّ

إِذا ضاقَت بِكَ الأَحوالُ يَوماً          فَثِق بِالواحِدِ الفَردِ العَلِيِّ

أيُّهَا السَّادَةُ : لَمْ تَكُنْ رِحْلَةُ الإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ حَادِثًا عَادِيًّا، بَلْ كَانَتْ مُعْجِزَةً إِلَهِيَّةً مُتَكاملةً، كَانَتْ وَلَا زَالَتْ حَادِثًا جَلَلًا بِكُلِّ الْمَقَايِيسِ وَالْمَعَايِيرِ وَقَفَتْ أَمَامَهُ الْعُقُولُ حَائِرَةً وَالأَبْصَارُ مُتَأَمِّلَةً، حَيْثُ أَيَّدَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا، وَنَصَرَ دَعْوَتَهُ بِهَا، وَأَظْهَرَهُ عَلَى قَوْمِهِ بِدَلِيلٍ جَدِيدٍ وَمُعْجِزَةٍ عَظِيمَةٍ تَعْجَزُ عَنْهَا الْبَشَرِيَّةُ كُلُّهَا، فَأَعَدَّ اللَّهُ لَهُ مُكَافَأَةً رَبَّانِيَّةً وَمِنْحَةً إِلَهِيَّةً وَجَبْرًا لِلْخَاطِرِ الشَّرِيفِ فَكَانَتْ رِحْلَةً أَرْضِيَّةً وَرِحْلَةً سَمَاوِيَّةً، وَكَأَنَّ حَالَ السَّمَاءِ يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ إِنْ كَانَ أَهْلُ الْأَرْضِ رَفَضُوكَ، فَإِنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ يَدْعُوكَ!!! يَا مُحَمَّدُ لَا تَظُنَّ أَنَّ جَفَاءِ أَهْلِ الْأَرْضِ يَعْنِي جَفَاءِ أَهْلِ السَّمَاءِ!! بَلْ إِنَّ اللَّهَ يَدْعُوكَ الْيَوْمَ لِيُعَوِّضَكَ بِجَفَاءِ أَهْلِ الْأَرْضِ حَفَاوَةَ أَهْلِ السَّمَاءِ. اللَّهُ أَكْبَرُ!..

الخلق خلقه والأرض أرضه والسماء سماء ، كل شيء بيده ، لا يخرج عن امره وسلطانه ، يعز من يشاء ويذل من يشاء ، بيد الخير وهو على كل شيء قدير ..

قال تعالى:(إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) سورة يس/82 .

وَالجَبْرُ كَلِمَةٌ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْجَبَّارِ، وَالْجَبَّارُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، وَالْجَبَّارُ بِمَعْنَى الْعَلِيِّ الْأَعْلَى، وَبِمَعْنَى الْقَهَّارِ، وَبِمَعْنَى الرَّؤُوفِ الْجَابِرِ لِلْقُلُوبِ الْمُنْكَسِرَةِ، وَلِلضَّعِيفِ الْعَاجِزِ، وَلِمَن لَاذَ بِهِ وَلَجَأَ إِلَيْهِ، وَالْجَبَّارُ هُوَ الَّذِي يُطْمِئِنُ الْقُلُوبَ وَيُرِيحُ النُّفُوسَ ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ “الذِّي يَجْبُرُ الفَقْرَ بِالْغِنَى، وَالْمَرَضَ بِالصِّحَّةِ، وَالْخَيْبَةَ وَالْفَشَلَ بِالتَّوْفِيقِ وَالْأَمَلِ، وَالْخَوْفَ وَالْحَزْنَ بِالْأَمْنِ وَالِاطْمِئْنَانِ، فَهُوَ جَبَّارٌ مُتَصِفٌ بِكَثْرَةِ جَبْرِهِ حَوَائِجَ الْخَلَائِقِ”. (تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ لِلزُّجَّاجِ ص33)، فَتَجِدُ فِي كُلِّ تَقْدِيرٍ تَيْسِيرًا، وَمَعَ كُلِّ قَضَاءِ رَحْمَةً، وَمَعَ كُلِّ بَلَاءٍ حِكْمَةً، فَإِنْ كَانَ اللَّهُ قَدْ أَخَذَ مِنْكَ فَقَدْ أَبْقَى، وَإِنْ مَنَعَ فَلَطَالَمَا أَعْطَى، وَإِنْ ابْتَلَاكَ فَكَثِيرًا مَا عَافَاكَ، وَإِنْ أَحْزَنَكَ يَوْمًا فَقَدْ أَفْرَحَكَ أَيَّامًا وَأَعْوَامًا.

جبر الخاطر بلقاء الأنبياء وما لقيه من التقدير والتوقير منهم ومن الملائكة  :

وقد وضحت ذلك في بحث سابق يحمل نفس العنوان ، وفي تلك الرحلة الجليلة، جمع الله لنبيِّه صلى الله عليه وسلم شرف اللقاء بإخوانه من الأنبياء الكرام، فالتقَوا على بساط الوحي، وائتلفت أرواحُهم على كلمة التوحيد، فصلّى بهم إمامًا في المسجد الأقصى ببيت المقدس، إعلانًا لقيادته، وتكريمًا لرسالته الخاتمة، ثم أراه الله ملائكته المقرَّبين، قائمين بأمره، خاشعين لجلاله، فكان في ذلك تثبيتٌ للفؤاد، وتأنيسٌ للنفس، وتأكيدٌ على أن طريق الدعوة موصولٌ بموكب النبوة، ومحفوفٌ بعناية السماء، وأن من كان الله معه فلا وحشة عليه، ولا خوف، ولا انكسار.

وتلك منزلة عظيمة تدل على علو شأنه صلى الله عليه وسلم وسمو قدره، وكان لها أثر طيب في نفسه الشريفة صلى الله عليه وسلم، فرؤيته لإخوانه من الأنبياء والمرسلين، ورؤيته للملائكة الكرام، ومرافقة أمين الوحي جبريل عليه السلام له في تلك الرحلة، لهو كفيل بأن يُزيل من قلبه الشدائد والهموم والأحزان.

قال البوصيري:

سَرَيْتَ مِنْ حَرَمٍ لَيــــْلًا إِلَى حَرَمٍ … كَمَا سَرَى الْبَدْرُ فِيْ دَاجٍ مِّنَ الظُّلَمِ

وَبِتَّ تَرْقـى إِلى أَنْ نِلْتَ مَنْزِلَةً … مِنْ قَابِ قَوْسَيْنِ لَمْ تُدْرَكْ وَلَمْ تَرُمِ

وَقَدَّمَتْكَ جَمِيعُ الْأنْبِيَــاءِ بِهَا … وَالرُّسْلِ تَقْدِيَمَ مَخْدُومٍ عَلى خَدَمِ

وقال شوقي:

أَسرى بِكَ اللَهُ لَيلًا إِذ مَلائِكُـــــــــهُ .. وَالرُسلُ فى المَسجِدِ الأَقصى عَلى قَدَمِ

لَمّا خَطَـــــــــــــــــــــــرتَ بِهِ اِلتَفوا بِسَيِّدِهِم .. كَالشُهبِ بِالبَدرِ أَو كَالجُندِ بِالعَلَمِ

صَلّـــــــــــــــــــــــــــــى وَراءَكَ مِنهُم كُلُّ ذى خَطَرٍ .. وَمَن يَفُز بِحَبيبِ اللَهِ يَأتَمِمِ

ماذا قال الله لحبيبه :

سأل رسول الله ﷺ رب العالمين  : يارب إن كنت اتخذت ابراهيم خليلك، وموسى كليمك، وعيسى من رَوحك، واعطيت سليمان ملكاً عظيما، ورفعت ادريس مقاماً عليا

فأين أنا من هؤلاء ؟

يقولها بتواضع الأنبياء وهو سيد الخلق أجمعين

ويرد عليه رب العالمين في مكان ليس فيه مَلكٌ مُقرب ولا نبيٌ مرسل الله ورسوله فقط

ويرد رب العالمين يارسول الله يا محمد

إن كنت اتخذت ابراهيم خليلي فأنت حبيبي والحبيب اكرم علي من الخليل 

وإن كنت اتخذت موسى كليمي فقد كلمته من خلف حجاب أما انت ياحبيبي فتجلس على بساط أٌنس الله

وإن كنت اتخذت عيسى من رَوحي

 فقد قرنت إسمك بإسمي ياحبيبي فلا يقول أحد لا إله إلا الله إلا قال محمد رسول الله

وإن كنت أعطيت سليمان مُلكاً عظيما فقد أعطيتك السبع المثاني والقرآن العظيم وسورة البقرة وآل عمران والنساء فَبعزتي وجلالي ياحبيبي ماقرأهن أحد من أمتي إلا غفرت له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر وعدد الرمل والحصى 🌱

وإن كنت رفعت ادريس مقاماً علياً فهو في السماء الرابعة 

أما انت ياحبيبي ففي مكان لم ولن يصل إليه أحد من قبلك ولا من بعدك

وعزتي وجلالي يامحمد لو سلكوا عليي كل طريق وطرقوا عليي كل باب ما قبلتهم ما فتحت لهم حتى يأتو خلفك يا حبيب الله

جبر الخاطر بفرض الصلاة:

في تلك الرحلة العُلوية المباركة، شرَّف الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم بفرض الصلاة خمسَ مراتٍ في اليوم والليلة، فجاءت فريضةً تتجلّى فيها أسمى معاني جبر الخاطر؛ إذ جعل الله فيها لِحبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم قربًا موصولًا من حضرته، ومناجاةً دائمةً لا تنقطع بين العبد وربه، وفي هذا القرب ما يطيب الخاطر، ويُسكِّن الفؤاد، ويهدِّئ الروع، ويشدُّ الأزر، ثم جعلها الله لأمته معراجًا تتسامى به الأرواح، وترتقي به القلوب، فكما كان الإسراء والمعراج تكريمًا للنبي صلى الله عليه وسلم، كانت الصلاة معراج المؤمنين، بها يعرجون إلى معاني الطمأنينة، ويستمدون من أنوار القرب قوةً على السير، وثباتًا على الطريق، وصلةً لا تنفصم بالرحمن جل في علاه.

عن مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ: «ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ الصَّلَوَاتُ خَمْسِينَ صَلاَةً كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ فَمَرَرْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ: بِمَا أُمِرْتَ؟ قَالَ: أُمِرْتُ بِخَمْسِينَ صَلاَةً كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تَسْتَطِيعُ خَمْسِينَ صَلاَةً كُلَّ يَوْمٍ، وَإِنِّي وَاللَّهِ قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ المُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ، … فَرَجَعْتُ فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَأُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: بِمَ أُمِرْتَ؟ قُلْتُ: أُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تَسْتَطِيعُ … فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ، قَالَ: سَأَلْتُ رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ، وَلَكِنِّي أَرْضَى وَأُسَلِّمُ، قَالَ: فَلَمَّا جَاوَزْتُ نَادَى مُنَادٍ: أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي». [متفق عليه].

ان الله أراد بفرض الصلاة في هذا الوقت تعظيما لشأنها، فالصلاة بوصفها جبرًا يوميًّا للخاطر ليست تكليفًا مجردًا، بل هدية ربانية ومعراجًا للروح، يلجأ إليها المكروب، ويأنس بها الحزين، فتكون ملاذًا عمليًّا لجبر الخواطر في كل يوم وليلة.

أهمية الصلاة في جبر الخواطر والراحة النفسية :

 

قال ابن القيم:

“فاعلم أنه لا ريبَ أن الصلاةَ قرَّة عُيون المحبِّين، ولذَّة أرواح الموحِّدين، وبستان العابدين ولذَّة نفوس الخاشعين، ومحكُّ أحوال الصادقين، وميزان أحوال السالكين، وهي رحمةُ الله المهداة إلى عباده المؤمنين هداهم إليها، وعرَّفهم بها، وأهداها إليهم على يدِ رسوله الصادق الأمين، رحمةً بهم، وإكرامًا لهم؛ لينالوا بها شرفَ كرامته، والفوز بقربه، لا لحاجةٍ منه إليهم، بل منَّة منه وتفضُّلاً عليهم، وتعبَّد بها قلوبَهم وجوارحهم جميعًا، وجعل حظَّ القلب العارف منها أكملَ الحظَّين وأعظمَهما؛ وهو إقباله على ربِّه – سبحانه – وفرحه وتلذُّذه بقربه، وتنعُّمه بحبه، وابتهاجه بالقيام بين يديه، وانصرافه حال القيام له بالعبودية عن الالتفات إلى غير معبوده، وتكميله حقوق عبوديته ظاهرًا وباطنًا حتى تقع على الوجه الذي يرضاه ربُّه – سبحانه”؛ أسرار الصلاة لابن القيم ص 55 – 56.

عن علي – رضي الله عنه – قال: سمعتُ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول لبلالٍ: ((قُمْ يا بلال؛ فأرحنا بالصلاة))؛ صحيح أبي داود 4172.

عن حذيفة، قال : ((كان النبي – صلى الله عليه وسلم – إذا حزبه أمرٌ صلَّى))؛ سنن أبي داود برقم (1126).

وعن أنس – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((حبِّب إليَّ النساء والطِّيب، وجُعِلت قرَّة عيني في الصلاة))؛ سنن النسائي برقم (8577).

 الصلاة نور:

عن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((الطهور شطر الإيمان… والصلاة نور… كلُّ الناسِ يغدو فبائعٌ نفسَه فمعتقُها أو مُوبِقُها))؛ رواه مسلم برقم (333).

الصلاة أمنية الأموات والمعذبين، فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (مر النبي صلى الله عليه وآله وسلم على قبر دفن حديثاً فقال: ركعتان خفيفتان مما تحقرون وتنفلون يزيدهما هذا في عمله أحب إليه من بقية دنياكم).

يكفي انك تؤديه فرضا ويكتب خمسين :

ولمسلم (162) من حديث أنس: (… قَالَ: ” فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَبَيْنَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ حَتَّى قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ صَلَاةٍ عَشْرٌ، فَذَلِكَ خَمْسُونَ صَلَاةً، وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ شَيْئًا، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ سَيِّئَةً وَاحِدَةً “، قَالَ: ” فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ “، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” فَقُلْتُ: قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ).

قال الحافظ ابن حجر :”والمراد: هنَّ خمس عدداً، باعتبار الفعل ، وخمسون اعتدادا، باعتبار الثواب” انتهى من ” فتح الباري”

خطورة التهاون في الصلاة  :

ففي خطورة التهاون في الصلاة

من أكبر الكبائر  :      تركها عمداً يعد من أعظم الذنوب والمخالفات للإسلام

كفر أكبر  :    ذهب بعض العلماء إلى أن تركها تهاوناً يعد كفراً أكبر.

علامة النفاق:    التهاون فيها من صفات المنافقين.

عقوبات دنيوية وأخروية  : حذر النبي ﷺ من التهاون في الصلاة بعقوبات شديدة في الدنيا والآخرة.

محق البركة   :      يسبب نقص الرزق ومحق البركة.

خسارة عظيمة  :    يؤدي إلى الخسارة في الدنيا والآخرة. 

روى ابن ماجه، وصححه الألباني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن أول ما يحاسب به العبد المسلم يوم القيامة، الصلاة المكتوبة، فإن أتمها وإلا قيل: انظروا هل له من تطوع؟ فإن كان له تطوع أكملت الفريضة من تطوعه، ثم يفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك.

وروى مَالِكٌ في الموطأ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ أَوَّلَ مَا يُنْظَرُ فِيهِ مِنْ عَمَلِ الْعَبْدِ الصَّلاَةُ، فَإِنْ قُبِلَتْ، نُظِرَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ عَمَلِهِ، وَإِنْ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ، لَمْ يُنْظَرْ فِي عَمَلِهِ.

فإذا كان هذا في شأن من صلى صلاة ناقصة غير مقبولة، فما بالك بمن لم يصل أصلًا!!

مدح الله المحافظيين عليها :

﴿ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ [النساء: 103].

﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾ [البقرة: 238].

  • ومدح وأثنى على عباده المؤمنين لحرصهم على أداء الصلوات في أوقاتها.

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾ [المعارج: 34].

وذم المتكاسلين :

قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى ﴾ [النساء: 142].

لاحظ أنهم يقومون، ولم يقل: إنهم يتقاعسون أو يتركونها، ﴿ قَامُوا ﴾، فكيف بالذي يسمع المؤذن ولا يتحرك أصلًا؟ فهل المنافق أفضل منه حالًا؟

حديث: ((أثقل صلاة على المنافقين…)).

حديث أنس في صحيح مسلم: ((تلك صلاة المنافق يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان، نقر أربعًا لا يذكر الله فيها إلا قليلًا)).

قال ابن مسعود: “ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتي به يهادَى بين الرجلين حتى يُقام في الصف”.

قال تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً *إِلا مَنْ تَابَ) [مريم:59-60].

قال ابن مسعود: “ليس معنى أضاعوها تركوها بالكلية, ولكن أخروها عن أوقاتها”.

وقال سعيد بن المسيب إمام التابعين: هو أن لا يصلي الظهر حتى تأتي العصر، ولا يصلي العصر إلى المغرب. ولا يصلي المغرب إلى العشاء. ولا يصلي العشاء إلى الفجر. ولا يصلي الفجر إلى طلوع الشمس. فمن مات وهو مصر على هذه الحالة ولم يتب أوعده الله بغي، وهو واد في جهنم بعيد قعره شديد عقابه. وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) [المنافقون:9] .

قال جماعة من المفسرين: المراد بذكر الله الصلوات الخمس. فمن اشتغل عن الصلاة في وقتها بماله كبيعه أو صنعته أو ولده كان من الخاسرين.

وقال تعالى: (فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) قال –صلى الله عليه وسلم-: “هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها” –وأخرج أحمد بسند جيد والطبراني وابن حبان في صحيحه. أنه –صلى الله عليه وسلم- ذكر الصلاة يوماً فقال: “من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة. ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة. وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف” –قال بعض العلماء: إنما حشر مع هؤلاء لأنه إن اشتغل عن الصلاة بماله أشبه قارون فيحشر معه، أو بملكه أشبه فرعون فيحشر معه، أو بوزارته أشبه هامان فيحشر معه، أو بتجارته أشبه أبي بن خلف تاجر كفار مكة فيحشر معه. وروى الشيخان والأربعة: “الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله”. زاد ابن خزيمة في صحيحه: قال مالك: تفسيره ذهاب الوقت. وروى البخاري عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني مما يكثر أن يقول لأصحابه: “هل رأى أحد منكم من رؤيا؟”

فيُقَصُّ عليه ما شاء الله أن يُقَصّ، وإنه قال لنا ذات غداة: “إنه أتاني الليلة آتيان، وإنهما ابتَعثَاني. وإنهما قالا لي: انطلق، وإني انطلقت معهما، وإنا أتينا على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيَثَلَغُ رأسه فيتدَهدَه الحجر –أي فيتدحرج- ها هنا، فيتبع الحجرَ فيأخذُه فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان، ثم يعود إليه فيفعل به مثل ما فعل في المرة الأولى –قال: قلت لهما: سبحان الله ما هذان؟ فأخبراه أنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة”.

وفي حديث البزار قال: ثم أتى النبي –صلى الله عليه وسلم- على قوم تُرضخ رؤوسهم بالصخر، كلما رُضخت عادت كما كانت ولا يفتر عنهم من ذلك شيء. قال: يا جبريل: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين ثقلت رؤوسهم عن الصلاة…

الواجب علينا  :

رأينا في حادثة الإسراء والمعراج كيف تتجلّى قيمة جبر الخاطر في أبهى صورها، وكيف يمكن تحويل هذه الدلالات الإيمانية إلى إجراءات عملية واقعية تُبثّ في النفوس وتُفعَّل في الحياة، ومن ذلك:

أولا :جبر الخاطر مسئولية جماعية:

 كما أيَّدت السماء النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء والملائكة، فيُفَعَّل التكافل، والسؤال عن المتألمين، والوقوف مع الضعفاء، لا تركهم في وحدتهم.

ثانيا : ترسيخ قيمة الأمل في النفوس:

 وذلك من استلهام وعد الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: «إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك»، فنربِّي الأبناء والناشئة على بثّ الأمل، وإشاعة التفاؤل، وتذكير المهمومين بأن المستقبل بيد الله، وأن رحمته أوسع من الآلام.

ثالثا : تحويل السيرة إلى سلوك:

زيارة مريض، مواساة حزين، تفريج كربة، إصلاح ذات البين، لأن أعظم ما يُحيي المعاني الإيمانية أن تتحول إلى أفعالٍ ملموسةٍ.

فَاللَّهَ اللَّـهَ فِي جَبْرِ الْخَوَاطِرِ، اللَّـهَ اللَّـهَ فِي التَّخَلُّقِ بِأَخْلَاقِ الْإِسْلَامِ، اللَّـهَ اللَّـهَ فِي مُرَاعَاةِ مَشَاعِرِ النَّاسِ لِتَسْعَدَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. فَاسْتَكْثِرُوا أَيُّهَا الْأَخْيَارُ مِنْ فِعْلِ الْخَيْرَاتِ وَجَبْرِ خَوَاطِرِهِمْ وَقَضَاءِ حَوَائِجِ النَّاسِ، وَسَابِقُوا إِلَى عَمَلِ الطَّاعَاتِ، وَامْلَأُوا صَحَائِفَكُمْ بِالْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ، فَالْأَنْفَاسُ مَحْسُوبَةٌ وَالْآجَالُ مَكْتُوبَةٌ ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)) الحج: 77 فَيَا هَذَا نَفْسُكَ مَعْدُودٌ، وَعُمْرُكَ مَحْسُوبٌ، فَكَمْ أَمَلْتَ أَمَلًا، وَانْقَضَى الزَّمَانُ وَفَاتَكَ، وَلَا أَرَاكَ تَفِيقُ حَتَّى تَلْقَى وَفَاتَكَ. فَاحْذَرْ ذَلَّ قَدَمِكَ، وَخَفْ طُولَ نَدَمِكَ، وَاغْتَنِمْ حَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ كَمَا قَالَ الْمُصْطَفَى ﷺ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ { اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ }

دَقَاتُ قَلْبِ الْمَرءِ قَالِتٌ لَهُ * إِنَّ الْحَيَاةَ دَقَائِقٌ وَثَوَانٍ

فَارْفَعْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ مَوْتِكَ ذِكْرَهَا * فَالذِّكْرُ لِلْإِنْسَانِ عُمُرٌ ثَانٍ

وَجَبْرُ الْخَوَاطِرِ خُلُقٌ قُرْآنِيٌّ، وَمَسْلَكٌ نَبَوِيٌّ، يَسْكُبُ السَّكِينَةَ فِي الْأَرْوَاحِ الْمُتْعَبَةِ، وَيُعِيدُ لِلنَّفْسِ الْمُتَأَلِّمَةِ تَوَازُنَهَا وَأَمَلَهَا، وَجَابِرُ الْخَوَاطِرِ صَاحِبُ نَفْسٍ سَامِيَةٍ، وَقَلْبٍ عَظِيمٍ، وَصَدْرٍ سَلِيْمٍ، وَعَقْلٍ رَاجِحٍ؛ يُوَاسِي الْقُلُوبَ الْمَفْطُورَةَ، وَيُخَفِّفُ عَنْ الْأَجْسَادِ الْمُرْهَقَةِ، ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَحْدَهُ، فَمَا أَبْهَى هَذِهِ الْعَبَادَةَ وَأَسْمَاهَا. جَبَرَ اللَّهُ بِخَاطِرِنَا وَخَاطِرِكُمْ.