خطبة بعنوان ( الإسراء والمعراج وجبر الخواطر ) للدكتور : محمد جاد قحيف


خطبة بعنوان ( الإسراء والمعراج وجبر الخواطر )

للدكتور : محمد جاد قحيف
دكتوراه في أصول الدين والدعوة الإسلامية جامعة الأزهر الشريف ..

الحمد لله العزيز الجبَّار الحليم الغفَّار (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ)[الرَّحْمَنِ١٥/١٤].
وأشهد ألَّا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريك له، الواحد القهَّار، يكور النهار على الليل، ويكور الليل على النهار ، وأشهد أن سيدنا محمَّدًا عبدُه ورسولُه النبي المختار ، صلى الله وسلَّم وبارك عليه، وعلى آله وصَحْبه الأخيار، ما تعاقَب الليل والنهار، وسلَّم تسليمًا كثيرًا..

أما بعد :
فإن أمتنا بحاجة إلى مطالعة سيرة النبي ﷺ خاصة في هذه الأيام العصيبة ؛ ليتعلموا منها دروسا تنير قلوبهم ، وتشرح صدورهم ، وتفرج همومهم ، وتداوي قلوبهم ، وتدلهم على طريق الخير والهداية ..

وفي معجزة الإسراء والمعراج تشريف للنبى صلى الله عليه وسلم ، وبيان منزلته ومقامه عند الله ، لكن الله عبر عن رسوله صلى الله عليه وسلم بلفظ {عبده} وانظر كيف عبر بعبده فى كل موضع فيه رفعة المكانة ، و علو القدر..
قال تعالى: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} النجم/١٠..

وقوله جل وعلا:{سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى}الإسراء/٢ ليتعلّم الإنسان أن مقام العبودية أعلى من كلّ مقام، وأن الفرح بقرب الله أعلى من كل شىء..

إن معجزة الإسراء والمعراج خزينة عظيمة لا تنفد ، وكنوز وأسرار لا تنتهي ، فكل عام نتعلم من أحداثها شيئا ، لا لتسلية الأوقات ، ولا لمصمصة الشفاه ، وهز الأكتاف ، ولكن لأخذ العظة والعبرة .

وفي معجزة الإسراء والمعراج معجزة تحوي معجزات ، وآية تحوي آيات ، ودروس كثيرة وأسرار عظيمة.. ومن هذه الدروس درس جبر الخواطر ، وقبل الحديث عنه نعيش سويا حول الظروف التي واكبت رحلة الإسراء والمعراج..

العنصر الأول : بعض الأجواء القاسية التي سبقت الإسراء والمعراج..

منذ اللحظة الأولى الجهر بدعوة الإسلام استخدمت قريش كل أساليب العداوة والاضطهاد من اتهام النبي ﷺ بالكذب والجنون والسحر ..

قال تعالى: ( بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ) الأنبياء/٥.

وقوله جل شأنه:(وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا)الفرقان /٨ .
وقوله جل وعلا : (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) الحجر /٦.
لكن الله تولى الدفاع عن نبيه صلى الله عليه وسلم فقال جل جلاله :
(مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ) سورة ن /٢.

وقد أكد القرآن الكريم على أن الله مطلع على ما في قلب نبيه ﷺ فقال:{وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُون. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِين .وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِين} سورة /٩٧.

واستخدمت قريش أساليب المساومة والإغراء ، وعرضوا عليه الملك والسيادة والمال، وعندما لم تثمر كل الأساليب السابقة لجأت قريش إلى أسلوب الاعتداء ومحاولة القتل أكثر من مرة ، وبدأت حملات التعذيب للصحابة رضي الله عنهم ونالت عملية التعذيب النساء، ولجأت قريش إلى المقاطعة للمسلمين وسجنهم في شعب أبي طالب ، واستمرت المقاطعة ثلاث سنوات، واشتد عليهم البلاء والجهد والجوع، ولكن المسلمين صمدوا وثبتوا وصبروا، حتى سخر الله تعالى رجالا من قريش فقالوا: يا أهلَ مكَّة، أنأكلُ الطَّعامَ، ونَلبَسُ الثِّيابَ، وبنو هاشمٍ هَلْكى، لا يُباع ولا يُبتاعُ منهم؟ والله لا أقعدُ حتَّى تُشَقَّ هذه الصَّحيفةُ القاطعةُ الظَّالمةُ (الموسوعة التاريخية)..

وهذا في الواقع دليل واضح على أن جاهلية الأمس أشرف من حضارة اليوم ..
وقبل الهجرة بثلاث سنوات توفي خير سند ومعين لرسولنا صلى الله عليه وسلم..

١- عمه أبو طالب، وكان أبو طالب يدافع عن النبي (ﷺ) ويغضب له ، كان بمثابة الحماية الخارجية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد حماية الله عزّ وجل..

٢- زوجته الطاهرة السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها ..
ففي نفس العام توفيت السيدة خديجة رضي الله عنها التي كان يسكن إليها الرسول صلى الله عليه وسلم عند الشدائد..

واشتد الأذى في هذه الفترة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن ذلك: ما كان مشركو مكة يلقون على عتبته صلى الله عليه وسلم من الأوساخ والأقذار، وقد كان صابرًا محتسبًا، وما كان يزيد على قوله: “يا بني عبد مناف؛ أي جوار هذا؟!”.

قال ابن إسحاق رحمه الله: “ولما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تكن تنال منه في حياة عمه أبي طالب”..
ولما اشتدت مقاومة قريش للدعوة، وبلغ الأذى مداه، خرج الرسول (ﷺ) إلى الطائف يتلمس أرضًا جديدة خصبة تقبل دعوة الإسلام ويلتمس منها النصرة من ثقيف، والمَنَعَةَ بهم من قومه، ورجاء أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله عز وجل، فخرج إليهم وحده، وعمد إلى نفر من ثقيف هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم، وهم إخوة ثلاثة عبد ياليل بن عمرو، ومسعود بن عمرو، وحبيب بن عمرو، وعند أحدهم امرأة من قريش من بني جمح، فجلس إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم إلى الله، وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام، والقيام معه على من خالفه من قومه، فقال له أحدهم :

أما وجد الله أحدًا يرسله غيرك؟ وقال غيره: والله لا أكلمك أبدًا، لئن كنت رسولًا من الله كما تقول لَأنت أعظم خطرًا من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك.. وهكذا سخروا من دعوته ، ورفضوها ، وكفروا به ، وأغروا سفهاء القوم وعبيدهم يشتمونه ، ويسبونه ، ويقذفونه بالحجارة، حتى سال دمه على جسده الشريف..

وفي ظل هذه الشدائد والأزمات يعلمنا الرسول (ﷺ) سلاح الدعاء والاستعانة والاستغاثة بالله تعالى ، والأمل والثقة في الله، فنراه صلى الله عليه وسلم يتوجه لربه بالدعاء فيقول : ((رب أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تَكِلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن ينزل بي غضبك، أو يحل عليَّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك))..أورده السيوطي في الجامع الصغير ، وعزاه للطبراني وحسنه ..

وجاء الفرج من الله تعالى بعد هذه الشدة والمعاناة..

إن رحلة الإسراء والمعراج جاءت بعد الإيذاء الشديد والكرب العظيم ؛ لتمسح أعباء الماضي وترسم خيوط الأمل للمستقبل ، جاءت ؛ لتفتح باب الفرج بعد الشدة والضيق ،والفرح بعد الحزن، واليسر بعد العسر ، والتكريم بعد الإهانة.
والتأييد والعون بعد أن تخلى عنه القريب والبعيد ، و الأحباب والأعداء ..

العنصر الثاني : جبر الخواطر هذه الأجواء..

في طريق عودة النبي ﷺ من الطائف ، وعند حائط عتبة وشيبة ابني ربيعة التقى بعداس النصراني فأسلم..وكان من قصته أنه لما رآه ابنا ربيعة عتبة وشيبة وما لقيَ تحركت له رحمهما، فدعوا غلامًا لهما نصرانيًّا يقال له: عدَّاس، فقالا له: خذ قطفًا من هذا العنب فضعه في هذا الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل، فقل له يأكل منه، ففعل عداس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال له: كل، فلما وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه يده قال: باسم الله، ثم أكل، فنظر عداس في وجهه ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ومن أهل أي البلاد أنت يا عداس، وما دينك؟ قال: نصراني، وأنا رجل من أهل نَيْنَوَى”قرية في بلاد الموصل بالعراق” فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قرية الرجل الصالح يونس بن متَّى، فقال له عداس: وما يدريك ما يونس بن متى؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذاك أخي، كان نبيًّا وأنا نبي، فأكبَّ عداس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبِّل رأسه ويديه وقدميه.
قال: يقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه: أما غلامك فقد أفسده عليك، فلما جاءهما عداس قالا له: ويلك يا عداس، ما لك تقبِّل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟ قال: يا سيدي، ما في الأرض شيء خير من هذا، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي، قالا له: ويحك يا عداس، لا يصرفنَّك عن دينك، فإن دينك خير من دينه. (الرحيق المختوم)..

وصور هذا المشهد الشاعر عبد المعطى الدالاتى فيقول..
كان عنقودا نديا*رائع الحًبٌ شهيا
قد تحلُى وتدلى*مٌشرقا مثل الثريا
لم يكن يحسب أن*يكون القطف شيئا
غير عنقود سيُجنى*ثم يُطوى الذكرُ طيٌا
قال عداسُ الكريم*أيها القطف إليا
زارنا ضيف عظيم *وجهه طلقُ المُحيٌا
قم بنا نسعى إليه*نرتوى بالنور ريا
أيها العنقود هيا*ندخل التاريخ هيا
لم نكن نحلم يوما*أننا نلقى النبيا .


وعندما عاد الرسول ﷺ من الطائف إلى مكة حين يئس من خير ثقيف، حتى إذا كان بنخلة قام من جوف الليل يصلي، فمر به النفر من الجن الذين ذكرهم الله تبارك وتعالى، وهم فيما ذُكر لي سبعة نفر من جن أهل نصيبين، فاستمعوا له، فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا، فقص الله خبرهم عليه صلى الله عليه وسلم، قال الله عز وجل: ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ ﴾ [الأحقاف: 29] إلى قوله تعالى: ﴿ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [الأحقاف: 31]، وقال تبارك وتعالى: ﴿ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ ﴾ [الجن: 1]، إلى آخر القصة التي جاء ذكرها في القرآن الكريم ..

العنصر الثالث : كيف جبر الله بخاطر نبيه

وفي البلاء والمحن السابقة لرحلة الإسراء والمعراج وبخاصة محنة الطائف التي أوصلت النبي الكريم (ﷺ) إلى الإسراء والمعراج.

أكد الله تعالى على كل هذه المعاني الرائعة حين ختم سورة “النحل” بقوله: (واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون).

وأعقب ذلك بأول سورة “الإسراء”

سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُالإسراء /١.
وختمها بقوله تعالى: ﴿ إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾

والمعنى: يا محمد سمعت دعاءك في الطائف واعلم حالك وما لقيت من شدة وعناء ، وهذه المكافأة، أنت سيد الخلق، وحبيب الحق، وهذه رحلة الإسراء والمعراج هي جبر لخاطرك ، وهي المنحة بعد المحنة، لبيان منزلتك ومكانتك عند الخالق العظيم..

ففي الإسراء والمعراج أعلم الله نبيه أنه سيد الخلق، وسيد الأنبياء والمرسلين، وسيد ولد آدم،
هذا هو المقام العالي والمنزل السامي لرسوله ﷺ ويتجلى في نقاط عديدة منها ما يلي:

١-الإيناس والتسلية والمواساة لقلب النبي عليه الصلاة والسلام .

فقد جاءت هذه المعجزة تسلية لقلب النبي صلى الله عليه وسلم وإسعادا لقلبه مما لحق به من أذى واضطهاد ، وتخفيفًا لما وقع عليه من ضرر منهم، هذا وقد تزامن وقوعُ هذه المُعجزة مع أحداثٍ مؤلمةٍ عانى منها الرسول صلى الله عليه وسلم سبق بيان شذر منها ، فكانت هذه الرحلة الإيمانية الكريمة تسلية لقلب النبي صلى الله عليه وسلم ، ومواساةً له ، فكرّمه الله بقدرة إلهية وآنسه بحادثة الإسراء والمعراج، فأي تكريم ومؤانسة أشد وأعظم من تكريم كهذا إذ أتى جبريل عليه السلام ليكون رفيقا لرسول صلى الله عليه في رحلة الإسراء والمعراج .

٢-إمامة النبي (ﷺ) للأنبياء والمرسلين في المسجد الأقصى ، وإن تعداد الأنبياء والمرسلين بلغ مائة ألف و وأربعة وعشرون ألفا ، كما جاء عن سيدنا أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: ( يا رسول الله، كم وفاء عدة الأنبياء؟ قال: مائةُ ألفٍ وأربعةٌ وعِشروَن ألفًا..)مسند الإمام أحمد وسنده صحيح..

٣- إطلاع النبي ﷺ على بعض المشاهد الغيبية..

لاشك أن هذه الرحلة كانت تكريمًا للنبي صلى الله عليه وسلم وجبرا بخاطره ؛ كي يعلم مكانته عند الله عز وجل ..

لقد أراد الله تعالى أن تتشرف السماوات وما فيها بأنوار النبي محمد ﷺ ، كما تشرفت ببركاته الأرض وما عليها .

فإن كان أهل الأرض قد ضايقوك يا محمد فإن أهل السماء قد أحبوك ، وإن كانوا أخرجوك فإن الكون قد فتح زراعه مرحبا ومهللا لك .

إطلاع النبي عليه الصلاة والسلام على بعض المشاهد والأمور الغيبية حتّى يُبلِّغها بيقينٍ؛ فالبَشَرُ بطبيعتهم يَميلونُ إلى السؤالِ عمّا هو مجهولٌ، والغيبُ عالمٌ لا يُدركهُ الإنسانُ بعقله ولا سبيلَ له إلى تصوُّرهِ سوى بالنّقلِ، إذ رأى رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- الجنّة والنّار، وصَعد إلى السماوات وشاهدها بتفاصيلها

وهذه الحكمة الجليلة أكدها القرآن الكريم في قوله تعالى عن الإسراء (لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ).

وعن المعراج قال جل جلاله (لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ) النجم /١٨..

اطلع النبي في السماء الدنيا ، وقيل في السماء السابعة على بعض المشاهد والمرائي ، في صحبة سيدنا جبريل عليه السلام ومرافقوه دخل النبي عليه الصلاة والسلام الجنة فرأى فيها من النعيم مالا عين رأت ، ولا أذن سمعت، ثم رأى النار ، ونظر إليها ، وإلى عذابها .

كما رأى الرسول صلى الله عليه وسلم في السماء نهر الكوثر والذي اختصه الله عز وجل للنبي تكريمًا له، فعن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ أنّ النّبي “صلى الله عليه وسلم” قال: (بيْنَما أنا أسِيرُ في الجَنَّةِ، إذا أنا بنَهَرٍ، حافَتاهُ قِبابُ الدُّرِّ المُجَوَّفِ، قُلتُ: ما هذا يا جِبْرِيلُ؟ قالَ: هذا الكَوْثَرُ، الذي أعْطاكَ رَبُّكَ، فإذا طِينُهُ – أوْ طِيبُهُ – مِسْكٌ أذْفَرُ ) .

أخرجه الإمام البخاري .

رأي النبي أهل الجنة وهم ينعمون وبعض أحوال أهل النار وهم يعذبون ومنهم أصحاب الغيبة والنميمة ومن يخوض في أعراض المسلمين فعن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله “صلى الله عليه وسلم”: (لمَّا عُرِجَ بي مَرَرْتُ بِقومٍ لهُمْ أَظْفَارٌ من نُحاسٍ ، يَخْمُشُونَ وُجُوهَهُمْ وصُدُورَهُمْ ، فقُلْتُ : مَنْ هؤلاءِ يا جبريلُ ؟ قال : هؤلاءِ الذينَ يأكلونَ لُحُومَ الناسِ ، ويَقَعُونَ في أَعْرَاضِهِمْ) أخرجه الإمام أبوداود وسنده صحيح . ورأى كذلك أناس قد قطعت ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من نار، فقال له جبريل عليه السّلام: (أتيتُ ليلَةَ أُسْرِيَ بي علَى رِجالٍ تُقْرَضُ شِفَاهُهُم بمقاريضَ من نارٍ قلْتُ مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جبريلُ قال هؤلاءِ خطباءُ أمتِكَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ الناسَ بالبرِّ وينسونَ أَنْفُسَهُمْ وهم يَتْلُونَ الْكِتابَ أفَلَا يعقِلونَ؟) رواه الإمام أحمد وسنده صحيح.

ثم انتهى جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم عند سدرة المنتهى.

وهناك رأي جبريل عليه السلام في صورته الحقيقية قال عليه الصلاة والسلام:«رأيتُ جبريلَ عند سِدْرةِ المُنْتَهى، عليه ستُّمائة جَناح، يَنْتَثِرُ من رِيشِه التَّهاوِيلُ: الدُّرُّ والياقُوتُ».أخرجه الإمام أحمد وسنده صحيح .

وسدرة المنتهى: أوراقها كاذان الفيلة ونَبِقَها -أي: ثِمارَها- مِثلُ قِلالِ هَجَرَ، وهَجَرُ: قَرْيةٌ مِن قُرى المَدينةِ، وقيل: هي ما يُعرَفُ بمدينة الأحساءِ حاليًّا، ووقَعَ التَّشْبيهُ بحَجْمِ قِلالِها؛ لأنَّها كانت مَعْروفةً عندَ المُخاطَبينَ، والقِلالُ: أَوْعِيةٌ مِن الفَخَّارِ كَبيرةُ الحَجمِ، كانتْ تُملأُ بالماءِ، والمُرادُ أنَّ ثِمارَ الشَّجرةِ كانت كَبيرةً. وأخبَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ وَرَقَ شَجرةِ سِدْرةِ المُنْتَهى حَجْمُها مِثلُ آذانِ الفِيَلةِ، والفِيَلةُ: جَمعُ فيلٍ، وهو بَيانٌ لكِبَرِ حَجمِها. وقال جِبريلُ عليه السَّلامُ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «هذه سِدْرةُ المُنْتَهى».(الدرر السنية).

وقد جاء في صحيح الإمام مسلم عن سدرة المنتهى أورقُها كآذانِ الفيلةِ ، تكادُ الورقةُ تغطّى هذِه الأمة ، فغشيها ألوانٌ لا أدري ما هيَ ؟ ثم أدخلتُ الجنةَ فإذا فيها جنابِذُ اللؤلؤِ ، وإذا ترابها المسكُ .

صحيح الجامع

واستلمه ملك آخر وبقي جبريل، فصعد الملك بالنبي حتى وصل إلى عرش الرحمن ، وخاطبه ربه بلا واسطة و لا حجاب ، وفرضت عليه وعلى أمته الصلاة .
والسؤال المهم هنا كم تحتاج الرحلة السماوية من الوقت ؟.

إذا كانت الرحلة الأرضية (الإسراء) تحتاج إلى ما يزيد عن شهرين ، فإن الرحلة السماوية (المعراج) بحاجة إلى أكثر من أربعة عشر ألف من الأعوام ، لأنه مر بسبع سموات ؛ ولأن سمك كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وما بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام ، فكيف عاد النبي صلى الله عليه وسلم في نفس الليلة ، أو قبل أن يبرد فراشه ، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل طلاقة القدرة الإلهية . فسبحان الله الخالق العظيم .

ومن أهم ما رأى في هذه الرحلة سيدنا جبريل عليه السلام في صورته الحقيقية..

عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال:
رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام في حلة رفرف أخضر ، قد ملأ ما بين السماء والأرض (القرطبي).

قال أحد السلف الصالح :
رأيت الجنة والنار حقيقة. فقيل له: كيف رأيتها وأنت في الدنيا؟ قال: رأيتها بعينى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورؤيتي لها بعينه آثر عندي من رؤيتي لها بعيني؛ فإن بصري قد يطغى ويزيع بخلاف بصره صلى الله عليه وسلم’ ما زاغ البصر وما طغى ، ما كذب الفؤاد ما رأى .(معرفة الله) .

لقد رأى الرسول (ﷺ) من آياته ربه الكبرى ؛ لينتقل من علم اليقين إلى عين اليقين ، ورأى بعضًا من مشاهد نعيم أهل الجنة ، وعذاب أهل النار ، حتى يرغبنا في العمل للجنة ، ويرهبنا من عمل أهل النار..

٤ـ هدية الصلاة للنبي محمد ﷺ وأمته ليلة المعراج..

والصلاة هي المعراج الروحي للمؤمنين والصلة والقرب من الله جل في علاه وفي المعراج فرض الله تعالى الصلاة خمسين صلاة في اليوم والليلة فلما سأله الرسول صلى الله عليه وسلم (التخفيف) فجعلها الله تعالى أرحم الراحمين خمس صلوات، فهي في العدد خمس صلوات وفي الأجر خمسين صلاة.

أهدى الله تعالى لنبيه وأمته هدية لا ينقطع نفعها إلى يوم القيامة إنها “الصلاة”.
-فالصلاة معراج المسلم إلى ربه ، وجه الشبه بين الصلاة والإسراء والمعراج .
يذكر القيشيري أحد أئمة الصوفية أن الإسراء والمعراج تم على ثلاث مراحل ١- من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى .
٢- من المسجد الأقصى إلى سدرة المنتهى .
٣- من سدرة المنتهى إلى قاب قوسين أو أدنى .
وكذلك الصلاة على ثلاث مراحل قيام وركوع وسجود أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد .
(الرسالة القشيرية).

قال تعالى: (واسجد واقترب) العلق .

وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ: “أقربُ مَا يَكونُ العبْدُ مِن ربِّهِ وَهَو ساجدٌ، فَأَكثِرُوا الدُّعاءَ” رواهُ الإمام مسلم.

والصلاة صلة روحية بين العبد وربه.
والصلاة هداية ونور .
ويظهر آثارها على العبد فيملأ قلبه نورًا ويفيض على جوارحه.
-(سيماهم في وجوههم من أثر السجود) الفتح/٣٩.

ويظهر النور بوضوح على العبد يوم القيامة:
-(يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم…) الحديد.
من هنا تظهر لنا هذه الحقيقة حتى نكون على يقين بها: أن النصر مع الصبر ، وأن الفرج مع الكرب : فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ” الشرح ٥/٤.
٥- انتقال القيادة من بني إسرائيل إلى النبي محمد ﷺ ..

دلالةُ ربط المسجد الأقصى بالمسجد الحرام ؛ ليكونَ مسرى رسوله الكريم؛ فالمسجدُ الأقصى هو أولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين ، وهي دعوةٌ إلى الاهتمام بقضيته ، والدّفاع عنه ، ونصرة أهله وتحريره وهذه مسئولية جعلها الله في أعناق العرب و المسلمين جميعا رعاة ورعية .

وصلاة النبي ﷺ بالأنبياء تعني انتقال القيادة والريادة من بني إسرائيل الذين سفكوا الدماء وقتلوا الأنبياء والأبرياء إلى النبي محمد ﷺ وصحابته وأتباعه ..

العنصر الرابع : الإسراء والمعراج ودرس جبر الخواطر ..
لم ينس النبي -عليه الصلاة والسلام- موقف المطعم بن عدي ، عندما وقف المطعم ضد رغبة صناديد قريش ، حين أدخله في جواره يوم عودته من الطائف حزيناً أسيفاً ، فهذا الموقف لا ينسى في حياة النبي ﷺ.. حين أدخله في جواره يوم عودته من الطائف حزينًا أسيفًا، فقال يوم أسر أسرى بدر: ((لو كان المطعم بن عدي حيًّا، وكلمني في هؤلاء النَّتْنَى لأجبته فيهم)) [صحيح البخاري]..

ولا شك أن كل واحد منا يحمل في فكره ويدخر في ذاكرته اسم شخص سجل أمامه موقفاً أو ردَّ عنه سوءاً بفعل أو قول أو رسالة مثبتة أو كلمة مشجعة جبرت خاطره وأثلجت فؤاده. ..

وكما لم ينس الإمام أحمد أبا الهيثم فكان يدعو له في كل صلاة: اللهم اغفر لأبي الهيثم. .. اللهم ارحم أبا الهيثم. .. قال ابن الإمام له: من يكون أبو الهيثم حتى تدعو له في كل صلاة، قال: رجل لما مُدت يدي إلى العقاب وأُخرجت للسياط إذا أنا بإنسان يجذب ثوبي من ورائي ويقول لي: تعرفني ؟ قلـت: لا. قال أنا أبو الهيثم العيار اللص الطرار، مكتوب في ديوان أمير المؤمنين أني ضُربت ثمانية عشر ألف سوط بالتفاريق وصبرت في ذلك على طاعة الشيطان لأجل الدنيا فاصبر أنت في طاعة الرحمن لأجل الدين.

وجبر الخواطر يعني فيما يعنيه تثبيت الآخر ورفع همته وتهوين مصيبته وإقالة عثرته والأخذ بيده حتى يقف على قدمه ..

وفي زماننا هذا تشتد الحاجة إلى عبادة جبر الخواطر ، ومواساة الناس والتخفيف عنهم ، وتطييب خاطرهم ، ورفع المعاناة عنهم ، فقد أضحى كثير من الخلق منكسرين متعبين ؛ نظرًا لفساد ذمم الناس واختلاف نواياهم ، ففي مجتمعاتنا اليتيم ، والمسكين ، والمريض ، والمحتاج ، والأرملة ، والمطلقة ، والمعلقة ، وكم من حزين بحاجة إلى من يجبر خاطره بكلمة حانية، تضمد جراحات قلبه، وكم من مظلوم بأمس الحاجة إلى من يقف معه في مظلمته، ويخفف عنه ألَمَ الظلم والقهر الذي يقطع قلبه، وكم مِن مُبتلى يتمنى أن يجد أخًا صادقًا يصبِّره في بلائه، ويقوِّيه ويشد أزره، ويذكره بجزاء الله العظيم له في بلائه إن صبر واحتسب الأجر، وكم من مهموم قد أثقلته الهموم ينتظر صديقًا، يفتح له باب الأمل، ويبشِّره بقرب الفرج، وكم مريض قد هدَّه المرض ينتظر زائرًا يواسيه ويخفِّف عنه آلامه.

وجبر الخواطر من أجل العبادات والقربات التي يتقرب بها الإنسان إلى الله طمعا في جنته ورضاه ..

فما أجمل هذه العبادة! وما أعظم أثرها! يقول الإمام سفيان الثوري: “ما رأيت عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه مثل جبر خاطر أخيه المسلم”.

ومما يعطي هذا المصطلح جمالًا أن الجبر كلمة مأخوذة من اسم الله “الجبار”.
و(الْجَبَّار) بمعنى القَّهارِ وهو الذي دانَ لهُ كلُّ شيءٍ، وخَضعَ له كلُّ شيءٍ، ولا يقعُ في هذا الكونِ شيءٌ إلا بمشيئتِه -سبحانه-؛ فما شَاءَ كانَ، وما لم يَشأْ لم يكنْ، فهو -أيضاً- بمعنى الرَّؤوفِ الجابرِ للقلوبِ المنكسرةِ؛ فيجبرُ الكسيرَ، ويغني الفقيرَ، ويُيِّسرُ على المعسرِ كلَّ عسيرٍ، ويُعيذُ من لاذَ بهِ ولجأَ إليهِ، ويُجيبُ دعوةَ الدَّاعِ إذا رفعَ يديهِ.

وهذا الاسم بمعناه الأول الرائع يطمئن القلب، ويريح النفس؛ فهو سبحانه “الذي يجبر الفقر بالغنى، والمرض بالصحة، والخيبة والفشل بالتوفيق والأمل، والخوف والحزن بالأمن والاطمئنان، فهو جبار متصف بكثرة جبره حوائج الخلائق”. [تفسير أسماء الله للزجاج].

وانظر في العالَمِ كم جبرَ اللهُ -تعالى- من قلوبِ، وكم فرَّجَ من كُروبِ، وكم كشفَ من خُطوبِ، وكم أغاثَ من منكوبٍ ، ولو ترك بعضهم لبعض لضيقوا عليهم ، وأغلقوا عنهم منابع الخير..

لقد جبر الله خاطر نبيه ﷺ ليس في تكريم الله في رحلتي الإسراء والمعراج فقط بل في حياته كلها، فرعاه وآواه وهداه وأغناه ، وأمر بجبر خاطر اليتيم والمسكين ، ونهى عن قهرهم ونهرهم ..

قال تعالى: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ} سورة الضحى9-10 ، وهذا أجمل تطييب للخاطر وأرقى صورة للتعامل قال ابن قدامه -رحمه الله-: “وكان من توجيهات ربنا -سبحانه وتعالى- لنبيه -صلى الله عليه وسلم، فكما كنت يتيماً فقيرا يا محمد -صلى الله عليه وسلم-، فآواك الله ورعاك، فلا تقهر اليتيم، ولا تذله، بل: طيب خاطره، وأحسن إليه، وتلطف به، واصنع به كما تحب أن يصنع بولدك من بعدك، فنهى الله عن نهر السائل وتقريعه، بل: أمر بالتلطف معه، وتطييب خاطره، حتى لا يذوق ذل النهر مع ذل السؤال”. (تفسير ابن كثير ) ..

ومن هنا يجب علينا أن لا ننسى صاحب الحاجة والمسكين ، الذي انكسر قلبه ، وذلت نفسه ، وضاق صدره ، ما أجمل أن نجعل له من مالنا نصيب ، ومن طعامنا ولو الشيء القليل ،ومن دعائنا ما نستطيع، بذلك نجبر كسرهم ، ونطيب قلوبهم ولا نشعرهم بالنقص، قال أحمد بن عبد الحميد الحارثي: “ما رأيت أحسن خلقاً من الحسين اللؤلؤي، كان يكسو ممالكيه كما يكسو نفسه”. سير أعلام النبلاء (10/544).

لقد كان النبي ﷺ يحض أصحابه على جبر الخواطر ، ويجبر خاطرهم خاصة ، الضعفاء واليتامي ، والمكلومين ..
فقد كان النبي ﷺ (( يأتي ضعفاء المسلمين، ويزورهم ويعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم)) أخرجه الطبراني وسنده صحيح.
وأكد على حسن الجزاء في الدنيا والآخرة ، فمن جبر جبر ، ومن ستر ستر ، ومن فرج عن غيره فرج الله همه ، ومن يسر على معسر يسر الله عليه ؛ بسبب جبر الخواطر وتفريج الكروب فقال صلى الله عليه وسلم : ((من نفَّسَ عن مسلمٍ كُربةً مِن كُربِ الدُّنيا نفَّسَ اللَّهُ عنهُ كربةً مِن كُرَبِ يومِ القيامةِ ، ومن يسَّرَ على مُعسرٍ في الدُّنيا يسَّرَ اللَّهُ عليهِ في الدنيا والآخرة، ومن سَتَر مسلمًا سترَهُ اللَّهُ في الدُّنيا والآخرةِ، واللهُ في عونِ العبدِ ما كان العبدُ في عونِ أخيه)) [متفق عليه]..
وجبر النفوس من الدعاء الملازم لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاجْبُرْنِي وَارْزُقْنِي وَارْفَعْنِي ) .
أخرجه الإمام الترمذي وسنده صحيح ..

ومما جاء في السنة النبوية الشريفة عن جبر النبي ﷺ لخوطر الفقراء والبسطاء..

حديث سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه قال: “كَانَتِ الأَمَةُ مِن إِمَاءِ المَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ النبيِّ ﷺ، فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيثُ شَاءَتْ”. أخرجه الإمام البخاري .

ولما استشهد سيدنا جعفر بن أبي طالب وجد أمهم تبكي وتخاف عليهم العيلة، أي: الفقر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مطمئناً لهذه الأرملة آنذاك ( أتخشين العيلة عليهم، وأنا وليهم في الدنيا والآخرة ) ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ل عبد الله بن جعفر دعوة بقيت له طيلة حياته، قال عليه الصلاة والسلام: ( اللهم بارك لـ عبد الله بن جعفر في صفقة يمينه ) فكان لا يبيع ولا يشتري شيئاً إلا ربح فيه، حتى التراب، فجعل الله له الربح ببركة دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم.. جبر خاطر من أصيب بمصيبة ..

من أهم صور جبر الخواطر أيضاً جبر خاطر المُصاب، اسمعوا إلى سيدنا جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ -رضيَ اللهُ عنهُما- وهو يذكرُ كيفَ جبرَ بقلبِه النَّبيُّ -صلى اللهُ عليه وسلمَ- لمَّا لاحظَ عليه الحُزنَ والانكسارَ، يقولُ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ لِي: “يَا جَابِرُ مَا لِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا؟”، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتُشْهِدَ أَبِي، وَتَرَكَ عِيَالًا وَدَيْنًا، قَالَ: “أَفَلَا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللَّهُ بِهِ أَبَاكَ؟”، قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: “مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَأَحْيَا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا، فَقَالَ: يَا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ، قَالَ: يَا رَبِّ تُحْيِينِي فَأُقْتَلَ فِيكَ ثَانِيَةً، قَالَ الرَّبُّ -عزَّ وجلَّ-: إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يُرْجَعُونَ”؛ فيا اللهَ، هل تتصوروا حالَ جابرٍ، بعدَ هذا الخبرِ الجَابرِ؟..

وختاماً : إن أمتنا بحاجة إلى مطالعة سيرة النبي ﷺ خاصة في هذه الأيام العصيبة ؛ ليتعلموا منها دروسا تنير قلوبهم ، وتشرح صدورهم ، وتفرج همومهم ، وتداوي قلوبهم ، وتدلهم على طريق الخير والهداية ومن أهم هذه الدروس درس جبر الخواطر

فأفضل الناسِ جبرًا لخواطرِ إخوانِهم ورأفةً ورفقًا بهم ، وتجاوزًا عن هفواتِهم والتماسَ الأعذارِ لأخطائِهم والسعيَ في حوائِجهم وحُبِّ الخيرِ لهم، وأشدَّهم حرصًا على إدخالِ السرورِ عليهم؛ هم أصحابُ القلوبِ الرحيمةِ والنفوسِ الطيبةِ الزَّكيةِ، وهؤلاءِ همْ أسعدُ الناسِ قلبًا ، والفائزونَ برحمةِ ربِّهم ورضوانِه وجنَّتِه، يقولُ بعضُ أهلِ العلمِ: “مَنْ سارَ بينَ النَّاسِ جابرًا للخواطرِ أَدْرَكَهُ اللهُ في جَوفِ المخاطرِ”….

اللهم إنك ترى مكانَنا وتسمعُ كلامَنا وتعلمُ سرَّنا وعلانيتَنا، ولا يخفى عليك شيءٌ من أمرِنا، نسألُك مسألةَ المساكينِ، ندعوك دعاء الخاشع المذنب الذليل ، دعاءَ من خشعتْ لك رقابُهم، وذَلتِ لك أجسادُهم، وفاضتْ لك عيونُهم، ورغمتْ لك أنوفُهم ، اللهم أصلحْ فسادَ قلوبِنا، اللهم اجبر كسرنا وارحمْ ضعفَنا، وحَسِّنْ أخلاقَنا..

اللهم أرنا في الصهاينة عجائب قدرتك ، وكن للمستضعفين عونا وسندا ونصيرا وظهيرا ، واحفظ بلدنا مصر وسائر بلاد المسلمين أجمعين ، يارب العالمين ..