معجزة سبقت حدود العلم والتكنولوجيا
13 يناير، 2026
بستان النبوة

بقلم الشيخ : رائف ابوالنجا احمد
مديرية أوقاف سوهاج
الإسراء والمعراج… معجزة سبقت حدود العلم والتكنولوجيا
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾
تأتي ذكرى الإسراء والمعراج كل عام لتوقظ في القلوب معاني الإيمان، وتفتح أمام العقول آفاق التأمل والتفكّر في قدرة الله سبحانه وتعالى التي لا تحدّها القوانين ولا تقف أمامها حدود الزمان والمكان. فهي ليست مجرد رحلةٍ عجيبة، بل معجزةٌ كبرى أراد الله بها تكريم نبيّه ﷺ، وتثبيت فؤاده، وإظهار عظمة سلطانه في الكون.
ففي ليلةٍ واحدة، أسرى الله بنبيه محمد ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به إلى السماوات العُلى، رحلةٌ لم تخضع للمقاييس البشرية المعهودة، ولا لقوانين السرعة والمسافة التي يعرفها الإنسان، بل جرت بقدرة الله الذي يقول للشيء كن فيكون.
وعندما ننظر إلى ما وصل إليه العلم الحديث في عصرنا الحاضر، نجد أن الإنسان استطاع – بعد قرون طويلة من البحث والتجربة – أن يختصر المسافات، وأن ينتقل بين القارات في ساعات قليلة، وأن يرسل الصور والأصوات والبيانات عبر الفضاء في أجزاءٍ من الثانية، مستخدماً الأقمار الصناعية وشبكات الاتصال الحديثة. وقد أصبح الحديث عن السفر إلى الفضاء، والخروج من الغلاف الجوي، واستكشاف الكواكب، أمراً واقعاً بعد أن كان ضربًا من الخيال.
وهنا تتجلّى دلالة الإسراء والمعراج؛ إذ تذكّرنا هذه المعجزة بأن ما يعجز عنه العقل البشري في زمنٍ ما، قد يصبح مفهوماً أو ممكناً في زمنٍ آخر، وأن قدرة الله سبحانه وتعالى سبقت العلم، وفتحت أمام الإنسان أبواب الاكتشاف والتفكير. فالمعجزة لم تأتِ لتُلغي العقل، بل لتدلّه على حدوده، ولتؤكد أن العلم كلما تقدّم، ازداد الإنسان يقينًا بعظمة الخالق.
إن التقدّم العلمي والتكنولوجي، مهما بلغ، يظل قائماً على سننٍ أودعها الله في الكون، وكل اكتشاف جديد هو في حقيقته كشفٌ لجزءٍ من هذه السنن، لا خلقٌ لها من العدم. ومن هنا فإن الإيمان الصحيح لا يتعارض مع العلم، بل يحثّ عليه، ويجعله وسيلةً للعمارة والإصلاح، لا للفساد والغرور.
كما أن في رحلة الإسراء والمعراج رسالةً إنسانيةً عظيمة، تؤكد مكانة المسجد الأقصى، ووحدة الرسالات السماوية، وسموّ الروح فوق المادة، في زمنٍ غلبت فيه الماديات، وتسارعت فيه التكنولوجيا، حتى كاد الإنسان ينسى الغاية من وجوده.
إن الإسراء والمعراج دعوةٌ متجددة لأن نجمع بين نور الوحي وهداية العقل، وأن نسخّر ما وهبنا الله من علمٍ وتكنولوجيا في خدمة الحق والخير والإنسان، وأن نظل على يقينٍ بأن ما عند الله أعظم، وأن قدرة الخالق فوق كل قانون، وكل علم، وكل اختراع.