خطبة بعنوان : من دروس الإسراء والمعراج ( جبر الخواطر ) للدكتور : أيمن حمدي الحداد
12 يناير، 2026
خطب منبرية

خطبة بعنوان : من دروس الإسراء والمعراج ( جبر الخواطر )
للدكتور : أيمن حمدي الحداد
نص الخطبة
الحمدلله الذى أيد نبيه بالآيات البينات فأسرى به ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى فأراه الآيات الكبرى فشرف به الأرض والسماوات العلى وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير، وأشهد أن سيدنا محمداً عبدالله ورسوله اللهم صلّ وسلم وبارك عليه حق قدره ومقداره العظيم وعلى آله وأصحابه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد؛ فيا أيها المسلمون: لقد مات أبوطالب عم سيدنا رسول الله ﷺ، فى عام عُرف بعام الحزن وبهذا يكون ﷺ قد فقد عمه الذى كان يمثل جبهة الدفاع عنه فكلما أراد المشركون أن ينالوا من سيدنا رسول الله ﷺ حال أبوطالب بينهم وبين ما يريدون، وبعد فترة وجيزة فقد ﷺ زوجه الحنون خديجة رضى الله عنها التي كانت تمثل الدفء والحنان؛ فطالما أن خففت من آلامه وأحزانه وسرت عنه همومه ﷺ، وبعد موت أبي طالب وخديجة رضى الله عنها اشتد إيذاء المشركين له ولأصحابه من الضعفاء فخرج ﷺ إلى الطائف وأقام بها عشرة أيام لا يدع أحداً من أشرافهم إلا جاءه وكلمه فلم يستجيبوا لدعوته وأغروا به سفاءهم فجعلوا يرمونه بالحجارة حتى لجاء إلى بستان لابني ربيعة ثم عاد إلى مكة المكرمة حزيناً لرفض أهل الطائف دعوته؛ فأراد الله عز وجل أن يجبر بخاطر سيدنا رسول الله ﷺ، وأن يسرى عنه ويزيل عنه ما وجد من عنتٍ وعنادٍ من الناس فوهبه رحلتان أرضية وسماوية؛
– الرحلة الأرضية؛ هي الإسراء به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى؛ قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾(الإسراء: ١)،
– الرحلة السماوية؛ وهى المعراج من المسجد الأقصى المبارك إلى ما فوق السماوات العلى حيث لم يرتقى نبي مرسل ولا ملك مقرب؛ قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾(النجم: ١- ١٨)،
– وصدق القائل:
حتى بلغت سماء لا يطار لها
على جناح ولا يسعى على قدم
– ولقد كان الإسراء والمعراج بالجسد والروح وفى حال اليقظة ومن هنا كانت المعجزة حيث كان سيدنا رسول الله ﷺ فى المسجد الحرام أو في بيت أم هانئ بنت عمه أبى طالب فاحتملته الملائكة وجاءوا به إلى المسجد الحرام وعند زمزم أضجعوه وشقوا من ثغر نحره إلى أسفل بطنه وختموا بين كتفيه بخاتم النبوة ثم أُتى بالبراق فركبه ﷺ حتى أتى بيت المقدس فربطه بالحلقة التي ربط بها الأنبياء من قبل، ثم دخل فصلى ركعتين ثم خرج فأتاه جبريل بإناء من خمر واناء من لبن فاختار ﷺ اللبن فقال جبريل عليه السلام: اخترت الفطرة ثم عرج به إلى السماء حتى وصل إلى سدرة المنتهى؛ فأوحى الله عز وجل إليه ما أوحى.
عباد الله: إن الإسراء والمعراج جاء تكريماً لسيدنا رسول الله ﷺ وجبراً لخاطره؛ حيث دعاه ربه جل وعلا لضيافته، وزوى له الأرض، وسخر له السماوات ورحب به أهل الملأ الأعلى، وكافأه ربه فأعطاه، وأولاه ومنحه من فيض كرمه وحباه، وجعل في إسرائه ومعراجه عبراً وعظات خالدات باقيات من ذلك؛
♦أولاً: الأنبياء إخوة ودينهم واحد؛ إن الإسلام هو دين جميع الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾(آل عمران: ١٩)،
– ولقد جاءت صلاة سيدنا رسول الله ﷺ بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام إماما في بيت المقدس لتؤكد على أن الدين واحد.
– وفى المعراج استقبل الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام سيدنا رسول الله ﷺ؛
– فاستقبله في السماء الأولى آدم عليه السلام ورحب به،
– وعيسى ويحيى عليهما السلام يستقبلانه في السماء الثانية،
– وفى السماء الثالثة يكون يوسف عليه السلام في استقباله،
– وفى الرابعة يستقبله إدريس عليه السلام ويرحب به،
– وفى السماء الخامسة يلتقى بهارون عليه السلام فيرحب به،
– وفى السماء السادسة يكون في استقبال سيدنا رسول الله ﷺ موسى عليه السلام،
– وفى السماء السابعة يستقبله خليل الله إبراهيم عليه السلام كما استقبله في كل سماء مقربوها، وفى هذا أبلغ دليل على أن الإسلام هو دين جميع الأنبياء والمرسلين.
♦ ثانياً: جبر خاطر سيدنا رسول الله ﷺ بتخفيف الصلاة؛ لقد فرض الله علي سيدنا رسول الله ﷺ خمسين صلاة في اليوم والليلة فراجعه موسى عليه السلام قائلاً :«ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا يطيقون ذلك فإني بلوت بنى إسرائيل وخبرتهم» رواه مسلم..
فلم يزل سيدنا رسول الله ﷺ يسأل ربه التخفيف حيث قال:« فلم أزل أرجع بين ربى تبارك وتعالى وبين موسى عليه السلام حتى قال : يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر فذلك خمسون صلاة» رواه مسلم.
– إن الصلاة من أهم أركان الإسلام لذا فرضها الله عزّ وجل على سيدنا رسول الله ﷺ في ليلة الإسراء والمعراج وفرضها مباشرة فلم ينزل بها جبريل عليه السلام كسائر العبادات وأمر عباده بالمحافظة عليها؛ قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾(البقرة: ٢٣٨)،
– ومن أهم ثمرات الصلاة أنها تلزم العبد حسن الخلق قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾(العنكبوت: ٤٥)،
– الصلاة معراج المسلم إلى حيث يرقى بها إلى الله خمس مرات في اليوم والليلة ففي الحديث القدسي يقول الله تعالى: « قسمت الصلاة بيني وبين عبدى نصفين ولعبدى ما سأل فإذا قال العبد (الحمد لله رب العالمين) قال الله تعالى حمدني عبدى وإذا قال العبد (الرحمن الرحيم) قال الله تعالى أثنى على عبدى؛ وإذا قال العبد (مالك يوم الدين) قال الله مجدني عبدى فإذا قال (إياك نعبد واياك نستعين) قال هذا بيني وبين عبدى ولعبدى ما سأل فإذا قال العبد (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) قال الله هذا لعبدى ولعبدى ما سأل» رواه مسلم من حديث أبى هريرة رضى الله عنه..
فنلاحظ أن هناك تجاوب بين الله وبين عبده المصلى مما يؤكد لنا أن الصلاة هي المعراج الباقي إلى يوم الدين ولما كان الأمر كذلك فرحمة من الله بعباده خففها كما علمنا من خمسين إلى خمس وجعل لمن حافظ عليها أجر خمسين صلاة.
♦ ثالثاً: جبر خاطر سيدنا رسول الله ﷺ برؤية القدرة الإلهية فليس الخبر كالمعاينة؛ لقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يطلع سيدنا رسول الله ﷺ على قدرته جل وعلا فتهون في عينيه كل قوى المشركين ويمضى في دعوته وهو لا يعبأ بمكرهم لأنهم مهما أوتوا من قوة ومنعة فأين إلى قوة الله وقدرته؛ قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾(النجم : ١٨)،
– لقد رأى أموراً عظيمة تجعله لا يكترث بمن كذبوه وأذوه قال ﷺ: «رأيت جبريل عند سدرة المنتهى عليه ستمائة جناح ينثر من ريشه التهاويل الدر والياقوت» رواه أحمد بسند حسن.
وفى صحيح مسلم من حديث أبى هريرة رضى الله عنه قال ﷺ: «فلما فرغت من الصلاة قال قائل: «يا محمد هذا مالك صاحب النار فسلم عليه فالتفت إليه فبدأني بالسلام»،
وأخرج البخاري من حديث أنس بن مالك رضى الله عنه قال لما عرج بالنبي ﷺ إلى السماء قال: «أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ مجوفا فقلت ما هذا يا جبريل؟ قال هذا الكوثر»،
– هذا ولقد رأى رسول الله ﷺ البيت المعمور في السماء السابعة فأخبره جبريل عليه السلام أنه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك يصلون فيه لا يعودون إليه.
– وكذلك رأى سيدنا رسول الله ﷺ سدرة المنتهى فإذا ورقها كأذان الفيلة وإذا ثمرها كالقلال؛ قال:
«فلما غشيها من أمر الله ما غشى تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها» رواه مسلم.
– ولقد مر سيدنا رسول الله ﷺ برائحة طيبة؛ فأخبره جبريل عليه السلام بأنها رائحة ماشطة بنت فرعون وأولادها وأخبره بخبرها وبثبتها على الإيمان وصبرها على الابتلاء وكيف نطق رضيعها قائلاً :«اصبري فإن عذاب أهون من عذاب الآخرة»،
– كذلك رأى سيدنا رسول الله ﷺ الجنة والنار ورأى أصنافاً من العصاة يعذبون فرأى عذاب من يقعون في الأعراض ويغتابون الناس رآهم لهم أظفار من نحاس يقطعون بها وجوههم وصدورهم ورأى كذلك من تقرض شفاهم بمقاريض من النار وهم الذين يأمرون بالبر وينسون أنفسهم نسأل الله العفو والعافية.
♦ رابعاً: جبر خاطر سيدنا رسول الله ﷺ بتجلية بيت المقدس له وذلك عندما طلب منه المشركون أن يصف لهم بيت المقدس؛ إن الإسراء والمعراج درس عظيم في معية الله عزّ وجل وتأييده سيدنا رسول الله ﷺ ويتجلى ذلك عندما أخبر أهل مكة بأنه أسرى به إلى المسجد الأقصى وعاد من ليلته وهم يضربون له أكباد الإبل شهراً، فطلب المشركون منه ﷺ أن يصف لهم بيت المقدس فهم يعلمون أنه لم يراه من قبل وفى ذلك يقول النبي ﷺ: «لما كذبتني قريش قمت في الحجر فجلا الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه» متفق عليه.
– لما جاء المشركون إلى أبى بكر رضي الله عنه وقالوا: إن محمداً يزعم أنه أسرى به إلى بيت المقدس وعاد من ليلته ونحن نقطع ذلك في شهر؟! فرد أبو بكر رضى الله عنه بكل يقين: إن كان رسول الله ﷺ قال ذلك فقد صدق فإني أصدقه في الخبر يأتيه من السماء أفلا أصدقه في ذلك، فرضى الله عنه وأرضاه.
فاتقوا الله عباد الله: واجبروا خواطر الناس يجبر الله عز وجل بخواطركم.
أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لى ولكم.
الخطبة الثانية
الحمدلله وكفى وصلاة وسلاماً على عباده الذين اصطفى أما بعد؛ فيا عباد الله: إن جبر الخواطر من أجلّ العبادات، وأنبل الأخلاق التي حثّ عليها ديننا الحنيف، وهو من سمات أهل الإيمان الذين يتعاونون على البر والتقوى، ويتحابون في الله، ويتراحمون من أجله، ويتعاطفون فى السراء والضراء، فما أروع أن يجد الإنسان من يُشاركه أفراحه، ومن يشاطره أحزانه، وإن من أعظم ما يُرغب فى التخلق بجبر الخواطر؛ أن جبر الخواطر من صفات ربنا تبارك وتعالى فهو سبحانه يجبر الكسير والمبتلى وهو أرحم الراحمين، ولقد كان الإسراء والمعراج إنعاماً إلهيا وفيضاً ربانياً من الله تعالى على سيدنا رسول الله ﷺ؛ لقد جبر الله عز وجل بخاطره ﷺ ومن هنا نتعلم كيف يكون جبر خواطر الناس بالتخفيف من آلامهم وأحزانهم، وإزالة ما يؤذيهم من هموم وغموم، وإدخال السرور عليهم بالكلام الطيب أو الفعل الجميل أو المساعدة المادية أو المعنوية.
♦ خامساً: فوائد جبر الخواطر؛ إن جبر الخواطر له فوائد جليلة فى الدنيا والآخرة من ذلك؛
– جبر الخواطر من العبادات التي تجعل صاحبها من أهل شفاعة سيدنا رسول الله ﷺ؛ قال ﷺ: «إِنِّي لأَعْرِفُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي يأْتِي يوم القيامة بأحسن خطاب، هو قائِلٌ: لا إِلٰه إلاّ اللّٰه، فإذا جاء قُلْت: ادْنُ مِنِّي. وإذا دنى قُلْت: هذا رجل مِنْ أُمَّتِي. فإذا قيل لى: اشفع فيه. قُلْت: هذا رجل كان يجبر خواطر المؤمنين» رواه الترمذي.
– جبر الخواطر من أجل القربات إلى الله رب العالمين قال رسول الله ﷺ: «مَنْ جَبَرَ مؤْمِناً عَلَى كرْبَةٍ مِنْ كرَبِ الدُّنْيَا جَبَرَهُ الله عَزَّ وَجَلَّ عَلَى كرْبَةٍ مِنْ كرُبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ» رواه مسلم.
– جبر الخواطر من العبادات اليسيرة التى ينال بها صاحبها الأجور الكثيرة؛ قال الحسن البصري: لا تحقر شيئاً من جبر الخواطر، فقد يكون في كلمة طيبة أو ابتسامة جميلة أو مصافحة حارة أو نظرة رحيمة أو دعاء خفي أو هدية صغيرة جبر لخواطر مكسورة.
وقال عبد الله بن المبارك: إذا رأيت أخاك محزوناً فلا تزد على حزنه بقولك: مالك؟ وما بك؟ وما حدث لك؟ ومن أحزنك؟ ولكن قل له: تفاءل بالخير تجده، ولا تحزن إن الله معنا، ولا تقلق إن الله على كل شيء قدير.
– جبر الخواطر من أعظم الصدقات؛ قال ابن رجب: جبر الخواطر من أفضل الصدقات التي يتصدق بها المؤمن على إخوانه، ومن أجلّ الصلات التي يصل بها رحمه، ومن أعظم الأسباب التي تجلب له محبة الله ورضوانه.
– جبر الخواطر من أسباب دخول الجنة؛ فقد جاء أعرابيٌّ إلى سيدنا رسولِ اللهِ ﷺ فقال: دلَّني على عملٍ يُدخلُني الجنةَ؟ قال: «أطعمِ الجائعَ واسقِ الظمآنَ وأمرْ بالمعروفِ وانهَ عنِ المنكرِ فإن لم تُطِقْ فكفْ لسانَكَ إلا من خيرٍ» رواه أحمد.
ويقول ﷺ: «أحبُّ الناسِ إلى اللهِ أنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ،
وأحبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ سُرُورٌ يدْخِلُهُ على مسلمٍ، أوْ يكْشِفُ عنهُ كُرْبَةً، أوْ يقْضِي عنهُ دَيْنًا، أوْ تَطْرُدُ عنهُ جُوعًا، و لأنْ أَمْشِي مع أَخٍ لي في حاجَةٍ أحبُّ إِلَيَّ من أنْ اعْتَكِفَ في هذا المسجدِ، يعني مسجدَ المدينةِ شهرًا، و مَنْ كَفَّ غضبَهُ سترَ اللهُ عَوْرَتَهُ، و مَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ، و لَوْ شاءَ أنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ مَلأَ اللهُ قلبَهُ رَجَاءً يومَ القيامةِ، و مَنْ مَشَى مع أَخِيهِ في حاجَةٍ حتى تتَهَيَّأَ لهُ أَثْبَتَ اللهُ قَدَمَهُ يومَ تَزُولُ الأَقْدَامِ» المعجم الكبير للطبراني.
– الجزاء من جنس العمل؛ يقول الدكتور حسام موافي – من أشهر أطباء الباطنة – : لقد اتصل بى الشيخ الشعراوي ذات مرة ليحجز للكشف في العيادة، فقلت: لا والله يا مولانا، أنا سآتي إلى بيتك، وبعد الكشف سأل الدكتور فضيلة الشيخ
عن أفضل عبادة تقربه من الله عز وجل؟!
فقال له الشيخ: فكِّر أنت؟ فقال الدكتور حسام: الصلاة، قال الشيخ: لا، قال الدكتور: الصيام، قال الشيخ: لا، قال الدكتور: العمرة، قال: لا، أفضل عبادة هي جبر الخواطر، قال الدكتور: كيف يا مولانا؟!
وما دليلك؟ قال الشيخ: مَن ألعن ممن يكذب بالدين؟ قال الدكتور: لا أحد.
قال الشيخ: يقول الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾(الماعون: ١)، ماذا يفعل؟﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ (الماعون: ٢)، يعني: يكسر خاطر اليتيم،﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾(الماعون: ٣)، يعني: يطرد المساكين، ولا يجبر خواطرهم،﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾(الماعون: ٤)، فجعل أمر الصلاة الأمر الثالث بعد أمرين كان فيهما جبر للخواطر.
يقول الدكتور موافى: وفى يوم راحة لى من العمل جاءتنى مكالمة من جارى يقول لى: اجبر خاطرى يا دكتور حاول الذهاب إلى حماتي عندك في المستشفى مريضة، اطمن عليها وطمنا؟ يقول: فتذكرت نصيحة الشيخ الشعراوي: اجبر خاطراً، وجاءت كلمة جبر الخاطر على لسان جاري، فأحسست أنه إشارة من الله، فقررت الذهاب إلى المستشفى لأطمئن على حماته، وعندما كنت في المستشفى، شعرت بألم شديد في صدري، لقد كانت جلطة في الشريان التاجي، فأعطاني الدكتور الدواء وأنقذني من الجلطة، فلو أن تلك الجلطة جاءتني ولم أكن في المستشفى، لكنت ميتاً.
فكأن الله يقول لي: كما جبرت بخاطر جارك، جبرتُ أنا بخاطرك وأنقذت حياتك.
فاتقوا الله عباد الله واجبروا الخواطر تفوزا برضوان ربكم جل وعلا، اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وأقم الصلاة.