سد الذرائع عند الأصوليين (22)


بقلم فضيلة الشيخ : أبو بكر الجندى

إمام وخطيب بوزارة الأوقاف

الذريعة لغة هي الوسيلة والطريق إلى مفسدة أو مصلحة قولاً أو فعلاً، لكن غلب إطلاق اسم الذرائع على الوسائل المفضية إلى المفاسد.

أنواع الأفعال المؤدية إلى المفاسد:
ـ أفعال محرمة بذاتها كشرب المسكر المفسد للعقول، والقذف الملوث للأعراض، والزنا المفضي لاختلاط الأنساب، ولا خلاف بين العلماء في منع هذه الأفعال، وهي في الحقيقة لا تدخل في دائرة السد الذي نتكلم عنه.

ـ أفعال مباحة جائزة في أصلها لكنها تفضي إلى المفاسد، وهي أنواع:
1ـ ما كان إفضاؤه إلى المفسدة نادراً قليلاً فتكون مصلحته هي الراجحة ومفسدته هي المرجوحة كـالنظر إلى المخطوبة، وزراعة العنب، فلا تمنع هذه الأفعال بحجة ما قد يترتب عليها من المفاسد؛ لأن مفسدتها مغمورة في مصلحتها الراجحة، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء، وعلى هذا دل تشريع الأحكام، فالشارع قبل خبر الواحد مع احتمال عدم ضبطه، وشرع القضاء بالشهادة مع احتمال كذب الشهود، ولكن لما كانت هذه الاحتمالات مرجوحة لم يلتفت الشارع إليها ولم يعتبر بها.

2ـ ما كان إفضاؤه إلى المفسدة كثيراً فمفسدته أرجح من مصلحته، كبيع السلاح في وقت الفتنة، وسب آلهة المشركين في حضرة من يعرف عنه سب الله إذا سمع هذا السب، وهذا النوع مختلف فيه، والراجح أن هذه الأفعال تمنع سداً للذريعة.

3ـ ما يؤدي إلى المفسدة الراجحة لاستعمال المكلف هذا النوع لغير موضعه، فتحصل المفسدة، كمن يتوسل بالنكاح لغرض تحليل المطلقة ثلاثاً لمطلقها، وكبيع العِينة وهذا مختلف فيه، والراجح أنها تمنع سدًا للذرائع.

ومنع من الأخذ بسد الذرائع الشافعية والظاهرية، حجتهم أن هذه الأفعال مباحة من الأصل، فلا تصير ممنوعة لاحتمال إفضائها إلى المفسدة، فنظر هؤلاء إلى إباحة الفعل في الأصل بغض النظر عن نتيجته، وقالوا إن احتمال إفضائها إلى المفسدة من قبيل الظن، {وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا}[النجم: 28].

وقال بالأخذ بسد الذرائع المالكية والحنابلة، وحجتهم:

ـ أن سد الذرائع أصل من أصول التشريع قائم بذاته، ودليل معتبر من أدلة الأحكام، فيُبنى عليه الأحكام، فما دام الفعل ذريعة إلى المفسدة الراجحة، فلا بد من منع الفعل، والشريعة جاءت بمنع الفساد وسد طرقه ومنافذه، فنظر هؤلاء إلى مقاصد الأفعال وغايتها ومآلاتها، فقالوا بمنع الأفعال المفضية إلى المفسدة الراجحة.

ـ صياغة احتمال المفسدة إن كان نادرًا لا يمنع الفعل، وكلامنا فيما يقضي إلى مفسدة راجحة بحيث يدعو إلى غلبة الظن بوقوع المفسدة، والظن الراجح معتبر في أحكام الشريعة العملية، كما في قبول خبر الواحد.

ـ لا يعقل أن يحرم الشارع شيئًا ثم يسمح لأسبابه ووسائلها فيجعلها مباحة، فالشيء المباح شرطه ألا يؤدي إلى مفسدة راجحة، فإذا أدى إلى مفسدة نظرًا لظروف خاصة أو أحوال معينة فإنه يمنع ويصير محظورًا، فقطع يد السارق فرض، لكن يجب تأجيله في وقت الحرب لئلا يكون ذريعة لفرار المحكوم عليه إلى العدو.

ـ سد الذرائع أصل يشهد له الكتاب والسنة بالاعتبار في مسائل كثيرة، منها قوله تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا}[البقرة: 104]، ومنها تحريم الخلوة بالأجنبية لئلا تفضي إلى المحظور، ومنها قوله تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ}[الأنعام: 108]، ومنها نهي الشارع الدائن عن قبول الهدية من مدينه حتى لا يحسبها من دينه.

ـ أن الذين لم يعتبروا سد الذريعة أصلاً أخذوا بمقتضاه في بعض اجتهاداتهم باعتباره داخلاً في أصل آخر، كما ذهب الظاهرية إلى منع بيع السلاح في وقت الفتنة لقوله تعالى: { وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}[المائدة: 2].
العلاقة بين سد الذرائع والمصالح المرسلة: أصل سد الذرائع يؤكد أصل المصالح؛ لأنه يمنع الوسائل المفضية إلى المفاسد، وهذا وجه أكيد من وجوه المصلحة.

2ـ القائلون بالمصالح، هم القائلون بسد الذرائع وهم المالكية ومن تابعهم، فقالوا بسد الذرائع إذا أدت إلى المفسدة، وفتحها إذا أدت إلى مصلحة راجحة ولو كانت الوسيلة بذاتها محرمة، ولذلك أجازوا للدولة أن تدفع مالاً لدولة العدو اتقاء شرها إذا كانت الدولة ضعيفة.