بين التجربة والبصيرة: كيف نختار علاقاتنا بوعي؟


بقلم الأستاذ : مازن ابو الفضل
مدرب تنميه بشريه ومهارات

 

يسير البشر في سعيهم الدنيوي مسترشدين إما بـ خوض التجربة أو بـ المعرفة المسبقة. وبينما يظن البعض أنهما مساران منفصلان، يؤمن آخرون بإمكانية الجمع بينهما لفك ألغاز الحياة وكشف حقائقها. لقد قدمت لنا العلوم والأديان والفلسفات مبادئ عامة ونظريات حياتية، بل ونقلت لنا تجارب من سبقونا؛ ومع ذلك، يظل لكل فرد تجربته الخاصة الناتجة عن سعيه الشخصي، والتي تختلف بطبيعتها عن تجارب أقرانه.

وبإسقاط هذه الفكرة على مجال العلاقات الاجتماعية، نجد أن سبب معاناة الكثيرين يكمن في اعتمادهم على “التجربة المحضة” فقط عند إقامة العلاقات أو إنهائها. فهم يدخلون العلاقة بصفحة بيضاء، يبدؤون في استكشاف الآخر بدوافع عاطفية طاغية وأملٍ كبير وجاهزية للتعلق، مما يعمي البصر والبصيرة عن الإحاطة بالطرف الآخر وتقييمه تقييماً سليماً يحدد قرار الاستمرار أو التوقف. نحن لا نتحدث هنا عن أصحاب الصدمات الذين تدفعهم تجاربهم السابقة للانعزال أو التمسك المرضي، بل نتحدث عن الشخص المتزن ذهنياً الذي يدخل العلاقة دون سابق معرفة أو اعتبار لعظة من تجارب سابقة.

هل يمكننا دخول علاقة بناءً على معرفة مسبقة؟

الإجابة هي: نعم بالتأكيد. إذا أردت أن تعرف قدرك، أو قيمة من تتعامل معه، أو حتى تستشرف مصيرك؛ فهناك مؤشر جوهري نغفل عنه غالباً، وهو: “من تجالس؟ وإلى أين تذهب؟”.
إن الدوائر الاجتماعية التي ترتادها والناس الذين تخالطهم هم مرآة حقيقية؛ فهذا النتاج الاجتماعي يوضح هويتك، ويكشف لك ما إذا كان الطرف الآخر مناسباً لك أم لا.

كثيرون يظنون الخير في الجميع، ولا يستفيقون إلا بعد تلقي “خديعة كبرى”، وحينما يبحثون في الأمر، يكتشفون أنهم كانوا على صلة بأشخاص بعيدين كل البعد عن دوائر الصلاح، واهتماماتهم غارقة في سفاسف الأمور. العجب كل العجب أنهم يندهشون من الخديعة رغم أن الدلائل كانت جلية، لكن البصيرة كانت في غفلة.

“اعرف مقامك حيث أقمت نفسك، واعرف مقام غيرك حيث أقام نفسه.”

ضوابط ومحاذير لفهم أعمق:
لكي لا يُساء فهم هذا الطرح، يجب وضع النقاط التالية في الاعتبار:
البصيرة ليست قوة خارقة: هي لطف من الله وتوجيه وكشف للواقع، تأتي عبر الإخلاص لله. قد يصرفك الله عن شخص ما أو يكشف لك حقيقته لأن ضرره جسيم، وذلك بفضل عمل صالح أو دعوة والدين.
التركيز على الظاهر الجلي: نحن نتحدث هنا عن الأمور القبيحة والفجة والواضحة التي يقلل البعض من خطورتها، وعن “الفحش المألوف” الذي اعتاده الناس وصاروا يمررونه بذهنية سطحية. نحن لا ندعي قراءة البواطن أو كشف الغيب.

الإدارة لا التصنيف: مهمتنا ليست وضع “ملصقات” (Labels) لتصنيف البشر، بل إدارة علاقاتنا بوعي يضمن لنا حياة متزنة، بعيداً عن سيطرة العاطفة والشهوة. والإدارة تقتضي الرقابة والتوجيه والتنظيم الدائم.

التغير البشري: البشر يتغيرون؛ فقد يكون الشخص صالحاً اليوم ثم يفسد لاحقاً لظروف خارجة عن إرادتنا. ابتعادك عنه حينها لا يعني أنك أسأت قراءته في البداية، بل يعني ببساطة أن الشخصيات تتطور أو تتردى، ولا أحد يبقى على حاله.

الحزم مع الكذب: الناس يكذبون لأسباب شتى، وليست مهمتنا تحليل دوافعهم، بل مهمتنا هي التصرف بحزم عند اكتشاف الخداع، واتخاذ الموقف المناسب لكل واقعة.

الارتباط بالله: ختاماً، لا وعي ولا حياة متزنة دون صلة بالله؛ فهو المعين والمرشد واللطيف والمنجي.

إن المسألة في جوهرها ليست “قدرات خاصة”، بل هي فلسفة حياة تمكننا من العبور في هذه الدنيا دون إلحاق الضرر بأنفسنا أو بغيرنا. ولو كان الأمر يتجاوز قدراتنا البشرية، لما أمرنا الشرع بتخير “النطف” واصطفاء الصالحين من الأصحاب، والتبين من أنباء الفاسقين.