
بقلم: الأستاذ الدكتور : بكر إسماعيل الكوسوفي
السفير والممثل السابق لكوسوفا لدى بعض الدول العربية
تمهيد الإهداء
تأتي هذه المقالة بوصفها تحية فكرية وأخلاقية، وإشادة علمية مستحقة، مهدَاة من كوسوفا إلى فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد محمد أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، بمناسبة بلوغه عامه الثمانين؛ هذه المحطة العمرية التي لا تُقاس بعدد السنين، بقدر ما تُقاس بما راكمته من علم، وحكمة، وأثرٍ ممتد في حياة الناس والمؤسسات والأمم.
إن هذا الإهداء لا يندرج في إطار المجاملة البروتوكولية، ولا في سياق الاحتفاء العاطفي العابر، بل ينبع من تقدير عميق لتجربة فكرية وإنسانية فريدة، جسّد فيها الإمام الأكبر نموذج العالم المسلم الذي جمع بين الرسوخ في التراث، والانفتاح الواعي على العصر، وبين القيادة الدينية والمسؤولية الحضارية العالمية.
ومن كوسوفا، هذا الفضاء الإسلامي الأوروبي الذي خبر الألم والصراع، ثم اختار طريق السلام والتعايش، يأتي هذا الإهداء تعبيرًا عن الامتنان لدور الأزهر وشيخه في احتضان قضايا المسلمين في الأطراف، ودعمهم علميًا وأخلاقيًا، وترسيخ قيم الوسطية والحوار والاعتراف بالآخر.
إن هذه المقالة، بما تتضمنه من تحليل فكري، وشهادة شخصية، وقراءة دبلوماسية، وتعبير أدبي، تُقدَّم في هذه المناسبة لا لتُحصي إنجازات رجل، بل لتُسهم في فهم المعنى العميق لقيادته، ولتؤكد أن الثمانين عامًا في حياة الإمام الطيب ليست خاتمة مسار، بل ذروة نضجٍ لعطاء متجدد، ما زال أثره ممتدًا في الأزهر، وفي العالم الإسلامي، وفي فضاءات الحوار الإنساني العالمي.
مقدمة
الإمام الأكبر أحمد الطيب: من السيرة الفردية إلى النموذج الحضاري
في زمنٍ تتكاثف فيه الأزمات الفكرية، وتتصاعد فيه خطابات الكراهية وسوء الفهم المتبادل بين الثقافات والأديان، تبرز الحاجة الملحّة إلى نماذج فكرية وأخلاقية قادرة على الجمع بين أصالة الانتماء ووعي العصر، وبين ثبات المرجعية ومرونة الخطاب. ويأتي فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد محمد أحمد الطيب في طليعة هذه النماذج النادرة، بوصفه عالمًا أزهريًا موسوعيًا، وفيلسوفًا مسلمًا، وقائدًا دينيًا عالميًا، استطاع أن يمنح مؤسسة الأزهر حضورًا متجددًا في خضم التحولات الدولية المعاصرة.
لا يهدف هذا المقال – في بنيته الحالية الموسعة – إلى مجرد تتبع السيرة الذاتية لشيخ الأزهر، ولا إلى تعداد مناصبه العلمية والإدارية، على أهميتها، بل يسعى إلى قراءة متكاملة لمشروعه الفكري والإنساني والدبلوماسي، بوصفه مشروعًا يتجاوز حدود الجغرافيا المصرية، ليؤثر في الفضاءين الإسلامي والعالمي على السواء. فالإمام الطيب لا يُقرأ بوصفه فردًا، بل بوصفه تجسيدًا حيًا لمنهج أزهري تاريخي أُعيد تفعيله في سياق عالمي شديد التعقيد.
ينطلق هذا العمل من فرضية مركزية مفادها أن الوسطية التي يمثلها الإمام الطيب ليست شعارًا خطابيًا، بل ممارسة مؤسسية ورؤية معرفية وسلوكًا أخلاقيًا. ومن هنا جاء تنوع فصول المقال بين التحليل الأكاديمي، والشهادة الشخصية، والقراءة الدبلوماسية، والتعبير الشعري، ليعكس تعدد مستويات التأثير التي مارسها الإمام الأكبر في الواقع.
كما تكتسب هذه الدراسة خصوصيتها من زاوية النظر التي تنطلق منها، إذ كُتبت من موقع المثقف والدبلوماسي القادم من كوسوفا، أي من فضاء إسلامي أوروبي حديث التشكّل، عانى من ويلات الصراع، ويبحث عن مرجعية روحية وفكرية معتدلة. ومن ثمّ، فإن العلاقة بين الأزهر وكوسوفا، كما تتجلى في هذا العمل، ليست علاقة عابرة، بل مثالًا دالًا على الدور العالمي للأزهر في احتضان أطراف العالم الإسلامي دون وصاية أو إقصاء.
لقد توزعت فصول المقال بين:
• قراءة المسيرة العلمية والفكرية للإمام الأكبر،
• تحليل دوره في تجديد الخطاب الديني وتعزيز ثقافة الحوار،
• توثيق شهادات شخصية تكشف البعد الإنساني والأخلاقي لقيادته،
• إبراز دوره الدبلوماسي غير المباشر في دعم قضايا عادلة، وفي مقدمتها قضية كوسوفا،
• ثم الانتقال إلى الشعر بوصفه ذاكرة وجدانية للأحداث والمواقف.
وهكذا، فإن هذه المقدمة لا تمهّد للنص فحسب، بل تدعو القارئ إلى التعامل معه بوصفه وثيقة فكرية وأدبية ودبلوماسية، تساهم في فهم نموذج قيادي ديني معاصر، وتعيد طرح سؤال الدور الحقيقي للعالم المسلم في عالم مضطرب.
رجل في قلب العصر
يُمثّل فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد محمد أحمد الطيب نموذجًا فريدًا للعالم الموسوعي الذي يجمع بين الأصالة العميقة والمعاصرة الواعية، بين التخصص الفلسفي العميق والمسؤولية الدينية الكبرى، وبين الانتماء المحلي والإشعاع العالمي. إن مسيرته الحافلة – منذ مولده في قرية القرنة بمحافظة الأقصر عام 1946م – ليست مجرد سلسلة من المناصب والألقاب، بل هي مشروع فكري وإصلاحي متكامل، يسعى لتأكيد دور الأزهر الشريف ومكانته كمنارة للوسطية والاعتدال في عالم تموج فيه التحديات الفكرية والسياسية.
البناء العلمي والأكاديمي: من القرية إلى العالمية
نشأ الشيخ أحمد الطيب في بيئة علمية وأسرية كريمة، حيث تلقى تعليمه الأزهري التقليدي القائم على حفظ القرآن وقراءة المتون، مما منحه أساسًا متينًا في العلوم النقلية واللغوية. ثم تدرج في سلم العلم الحديث، فحصل على الليسانس ثم الماجستير فالدكتوراه في تخصص دقيق هو “العقيدة والفلسفة” من كلية أصول الدين بالقاهرة. وهذا الجمع بين المنهج التقليدي في التحصيل والتخصص الفلسفي الحديث هو ما شكل العقلية النقدية والتحليلية التي تميز بها.
لقد وسّع الإمام الطيب آفاقه المعرفية من خلال المهام العلمية خارج مصر، ولا سيما إجادته للغة الفرنسية وترجماته منها، وإقامته العلمية في جامعة باريس، وعمله في جامعات مرموقة في المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات والباكستان. هذه الخبرات المتنوعة جعلت منه عالمًا يدرك سياقات الفكر الإسلامي في أبعاده العالمية، وقادرًا على الحوار مع المنظومات الفكرية الأخرى بلغتها ومصطلحاتها.
الإنتاج الفكري: الجمع بين التراث والتجديد
يتميز المشروع الفكري للدكتور أحمد الطيب بالتركيز على ثلاثة محاور رئيسة:
1. التراث الفلسفي الإسلامي: كما يتجلى في دراساته لأبي البركات البغدادي والتفتازاني، وتحقيقه للنصوص التراثية، ونقده المنطقي والفلسفي. وهو هنا لا ينقل التراث نقلاً جامدًا، بل يعرضه وينقده ويحصره، مما يخرجه من دائرة الجمود إلى فضاء الحوار مع العقل الحديث.
2. التصوف والفلسفة العرفانية: وهو مجال تخصص دقيق، حيث ترجم وألف في فكر محيي الدين بن عربي، مقدماً هذا التراث الروحي والفلسفي بلغة أكادمية واضحة، ودافع عن جانب مهم من التراث الإسلامي كان محل سوء فهم أو تجاهل.
3. قضايا التجديد والوسطية: عبر العديد من المحاضرات والمؤتمرات التي دافع فيها عن صورة الإسلام المعتدل، وناقش قضايا التجديد الفكري بجرأة ووعي، كما في بحثه “التراث والتجديد – مناقشات وردود”.
لقد نجح الإمام الطيب في تقديم نموذج للعالم الأزهري المنفتح على تيارات الفكر المختلفة، دون أن يفقد هويته أو ينسلخ من أصوله. فكتاباته تجمع بين دقة الأكاديمي وعمق العالم الشرعي، وبين لغة العصر وأسئلته.
التأثير في الحياة الفكرية والدينية: قيادة الأزهر في العصر الحديث
شكّل تعيين الدكتور أحمد الطيب شيخاً للأزهر عام 2010م منعطفاً مهماً في تاريخ المؤسسة الأزهرية. فقد تولى مسؤوليتها في مرحلة بالغة الحساسية، إقليمياً ودولياً، حيث تصاعدت موجات التطرف والصراع الطائفي، واشتدت الهجمات الفكرية على الإسلام.
وقد انطلق في قيادته من عدة ركائز:
• ترسيخ الوسطية كمنهج: جعل من الوسطية الإسلامية – بمعناها الشامل الذي يجمع بين النص والواقع، والثابت والمتغير – علامة مميزة لخطاب الأزهر، سواء في الفتوى أو في التعليم أو في الحوار مع الآخر.
• الإصلاح المؤسسي: سعى لتطوير مناهج الأزهر وتحديثها، مع الحفاظ على جوهرها العلمي، ودعم البحث العلمي في الجامعات الأزهرية.
• الحوار الداخلي: عمل على تعزيز الوحدة الوطنية والتقارب بين المذاهب الإسلامية، ومواجهة خطاب التكفير والتطرف.
إن دوره كرئيس سابق لجامعة الأزهر ثم كشيخ للأزهر أتاح له التأثير المباشر في آلاف الطلاب والعلماء، ونقل رؤيته الإصلاحية من حيز النظرية إلى مجال التطبيق المؤسسي.
الدور العالمي: سفيراً للحوار والأمن والسلام
يمثل الإمام الأكبر أحد أهم وجوه الحوار الإسلامي-الدولي في العقدين الأخيرين. فمشاركاته الكثيرة في مؤتمرات السلام والحوار بين الأديان والثقافات – من فرنسا إلى إيطاليا إلى الولايات المتحدة – لم تكن مجرد تمثيل بروتوكولي، بل كانت إسهاماً فعالاً في تقديم رؤية إسلامية معتدلة لقضايا العالم المعقدة.
1. الحوار بين الأديان: كان حضوره قوياً في المؤتمرات الدولية التي تهدف لتعزيز الاحترام المتبادل بين الأديان، مثل مؤتمر القمة في نيويورك وهارفارد، حيث قدم الإسلام كداعٍ للسلام والتعايش.
2. تعزيز ثقافة التسامح: في ظل صعود خطابات الكراهية، شدد في خطاباته العالمية على قيم التسامح والعدالة والكرامة الإنسانية المشتركة، مستنداً إلى التراث الإسلامي الغني بهذه القيم.
• الدفاع عن صورة الإسلام: في أعقاب أحداث العنف التي شوهت صورة الإسلام عالمياً، تحول الإمام الطيب إلى سفير دبلوماسي فكري، يشرح حقيقة الإسلام ووسطيته ورفضه للعنف والإرهاب، مستخدماً حججه العقلية والشرعية بلغة تتناسب مع العقلية الغربية.
• القضايا الثقافية والأدبية: من خلال مشاركاته في مؤتمرات الثقافة والأديان في منطقة البحر المتوسط، ساهم في إبراز الدور الحضاري للإسلام في حوار الحضارات، والتأكيد على المشتركات الإنسانية.
الرؤية الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية: منظور إسلامي مستنير
لم يقتصر خطاب الإمام الأكبر على الشأن الديني البحت، بل امتد ليشمل القضايا الاقتصادية والسياسية المعاصرة، من منظور إسلامي يستند إلى مقاصد الشريعة ومتطلبات المصلحة العامة:
• البُعد الاقتصادي: في سياق النقاش حول الاقتصاد الإسلامي، قدم رؤى تؤكد على العدالة الاجتماعية ورفض الاستغلال، ودور الأخلاق في الحياة الاقتصادية.
• الرؤية السياسية: أكد دوماً على مفهوم الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية التي تحقق المواطنة الكاملة وتصون الحريات العامة ضمن الأطر الشرعية، ورفضه لاستغلال الدين لأغراض سياسية ضيقة.
• الدبلوماسية الدينية: استخدم منصبه العالمي كوسيط للسلام وحل النزاعات، ودعم جهود المصالحة في مناطق الصراع، معتمداً على المكانة الروحية والفكرية للأزهر.
• مواجهة التحديات الفكرية: واجه بثبات الخطابات المتطرفة مثل داعش وغيرها، فكك أيديولوجيتها فكرياً وشرعياً، وقدم البديل الوسطي المعتدل.
لقاء العالِمَيْن: شهادة شخصية في فضاء الأخلاق والقيادة الفكرية
(شهادة الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي)
المقدمة التحليلية: من الوصف إلى الدلالة
لا تُعدّ الشهادات الشخصية مجرد سرد انطباعات عابرة، بل هي وثائق نفسية وثقافية تكشف عن الأبعاد الإنسانية المخفية خلف الشخصيات العامة، وتُجسّر الفجوة بين الصورة الرسمية والجوهر الإنساني. شهادة الدكتور بكر الكوسوفي عن لقائه بفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب تتحول من مجرد ذكريات إلى نصّ دالّ، يكشف عن بنية أخلاقية وفكرية تتشكل في العلاقة بين العالم والمتعلّم، والقائد والضيف، والمركز (الأزهر) والأطراف (العالم الإسلامي ككوسوفا). فهي تسجل ليس فقط طبيعة الرجل، بل وتسجل أيضًا دور المؤسسة الأزهرية كملاذ روحي وفكري للمسلمين في أرجاء العالم، خاصة من مناطق شهدت تحولات سياسية عنيفة مثل كوسوفا. اللقاء، كما يصفه بكر إسماعيل الكوسوفي، هو لقاء بين “المنهج” و”الحاجة”، بين “المرجعية” و”الهُوية” في طور إعادة التشكيل.
السرد المحرر والمحلل
يقول الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي:
“تشكل لقاءاتي المتتالية بفضيلة شيخ الأزهر الإمام الأكبر، الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، فصلاً أساسيًا في مسيرتي الفكرية والشخصية. لقد تعرفت عليه أولاً وهو يشغل منصب مفتي الديار المصرية، فانطبعت في ذهني صورة العالم الجليل الذي يجمع بين سعة العلم وسمو الخلق. كان اللقاء الأول بمثابة الوقوف أمام بحرٍ محيط من المعرفة، ولكنه بحر هادئ الأمواج، عميق الجذور، لا ضجيج فيه ولا ادعاء. فهنا كان عالِمًا من طراز فريد: يشرح ويُقرر ويُعلل بمنهجية عقليّة صارمة، مستندًا إلى الدليل والنص في صرامة الأكاديمي، ولكنه لا يحيد عن الحق ولا يميل مع أهواء المرحلة أو ضغوطها.
لكن ما شدّني أكثر من سعة علمه – وهي سعة معروفة مشهودة – كان كمال خلقه وتواضعه الجم. لقد استقبلني استقبالاً حافلاً، لا بتكلف البروتوكول، بل بتلقائية العالم العامل وشفقة الأب الروحي. في سعة صدره، وكرم محتده، ولمسة التواضع التي تزيّن كل حركة من حركاته، وجدت تجسيدًا حيًا للروح الإسلامية التي قرأنا عنها في سير السلف، الروح المتحلية بأخلاق النبي محمد ﷺ. كان سمح الوجه، طلق الجبهة، يقسم وقته – وهو الوقت النفيس المشغول ليل نهار بشؤون الأمة – ليُقدّم لمن يحتاج معلومة أو توجيهًا ما يظنّه خدمةً له، وهو في الحقيقة منّة وعطاء.
في حواراتنا، التي تطرقت إلى قضايا فكرية وشائكة تتعلق بواقع المسلمين في البلقان وفي العالم، كان جوابه دائمًا “بلسمًا على الجروح”. لم يكن يقدم إجابات جاهزة أو خطابات إنشائية، بل كان يقدم فقهًا واقعيًا يستند إلى أصول الشرع ويستشرف حكمة المقاصد، مما يُطفئ نار الحيرة ويُروي ظمأ القلب والعقل معًا. كانت إجاباته شافية كافية، لأنها صادرة عن رؤية متكاملة، تجمع بين ثبات المبادئ ومرونة التعامل مع وقائع التاريخ المتغيرة.
وقد توالت لقاءاتنا، وتعمّقت صلتي به، شاهدًا على تحول منصبه من مفتي إلى رئيس لجامعة الأزهر، ثم إلى شيخ للأزهر الشريف. وتطورت صفتي في هذه اللقاءات من ممثلٍ لكوسوفا إلى سفيرٍ لها. عبر هذه المراحل كلها، ظل فضيلته النموذج الثابت: قائدًا فكريًا لا ينفصل إنسانه عن منصبه، ولا ينفصل منهجه العلمي عن سلوكه الأخلاقي. كان دؤوبًا صبورًا، لم يتوانَ لحظة عن فعل الخير وقول الحق، حتى عندما كان الحق مرًّا أو صعبًا. لقد استفدت منه علماً يُوسع الأفق، وأخلاقاً تُهذّب النفس، وأدركت أن الشخصية “النادرة الوجود” التي أبحث عنها ليست مجرد أسطورة، بل هي حقيقة تج
سّدت في عالم من لحم ودم، يحمل همّ الأمة كلها على كتفيه، ويرى في كل فرد قادم من أطرافها ابنًا من أبنائها يستحق العناية والتقدير”.
الخاتمة النقدية: دلالات الشهادة في السياق الأوسع
لا يمكن قراءة هذه الشهادة بمعزل عن سياقها السياسي والجيو-ثقافي. فالدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي يأتي من كوسوفا، دولة ذات أغلبية مسلمة في قلب أوروبا، خرجت من رحم صراع دامٍ وتبحث عن هوية وتواصل مع مركزها الحضاري. لقاؤه بشيخ الأزهر، إذن، هو أكثر من لقاء شخصي؛ إنه لقاء رمزي بين “الأطراف” و”المركز”، بين التجربة الإسلامية الأوروبية الحديثة والمؤسسة الدينية التاريخية العريقة.
من خلال هذا المنظور، تكتسب صفات الإمام الطيب التي ركز عليها بكر إسماعيل الكوسوفي –التواضع، سعة الصدر، الخلق الرفيع، منهجية الإجابة – دلالة أعمق. فهي لم تكن مجرد فضائل شخصية، بل كانت أدوات دبلوماسية ثقافية فائقة الفعالية. لقد نجح الطيب، من خلال سلوكه، في تجسيد “الوجه الإنساني” للأزهر، وجعله مقصدًا روحياً ومَرجعاً ثقافيًا للجاليات والمجتمعات المسلمة في الغرب، يعيد لها الثقة في انتمائها دون أن يتعارض ذلك مع اندماجها. لقد حوّل المنصب من سلطة بيروقراطية إلى سلطة أخلاقية وجاذبية روحية.
علاوة على ذلك، يكشف النص عن النموذج القيادي الذي يمثله الطيب: فهو ليس القائد البطولي الصاخب، بل العالم الصبور الدؤوب، الذي تتحقق القيادة عنده بالمثال والثبات والعمق الفكري، لا بالإثارة والإعلام. إن صبره و”دؤوبه” في الصبر، كما وصفه بكر إسماعيل الكوسوفي، هو إستراتيجية وجودية في مواجهة عصر السرعة والسطحية.
أخيرًا، تشير الشهادة إلى دور الأزهر تحت قيادة الطيب كحاضنة للعالم الإسلامي الجديد. استقباله لممثلي الدول والمجتمعات الصغيرة مثل كوسوفا، وتقديمه التسهيلات والمعرفة، يؤسس لدور الأزهر كشبكة دعم فكري وأخلاقي عالمية، تعيد تعريف مفهوم “المركزية” ليس كهيمنة، بل كخدمة واستقطاب حكيم. وهكذا، تتحول الشهادة الشخصية من وصف للرجل إلى تحليل لأدوار المؤسسة في عصر العولمة، وتُظهر كيف أن الأخلاق والمنهج العلمي هما أقوى أدوات التأثير السياسي والثقافي على المدى الطويل.
الكتاب والتقديم: وثيقة أدبية ودبلوماسية في سياق عالمي
المقدمة التحليلية: التوثيق كفعل سياسي وبناء للرمزية
يُعدُّ تأليف كتاب عن شخصية عامة في أثناء ممارستها لمهام منصبها الرسمي من قبل دبلوماسي أجنبي، فعلًا يتجاوز المجال التوثيقي الأكاديمي ليدخل في عوالم الدبلوماسية الثقافية وبناء الرمزية السياسية-الدينية. يُمثل كتاب الأستاذ الدكتور بكر الكوسوفي عن الإمام الطيب في فترة توليه الإفتاء ظاهرة ثقافية فريدة. فهو ليس فقط تسجيلًا لسيرة علمية، بل هو رسالة من “الهامش” إلى “المركز”، وإعادة إرسال مُعدَّلة من ذلك المركز إلى الهامش (شعب كوسوفا) عبر صيغة مُوثَّقة. الاختيار ذو دلالة مزدوجة: تأليف الكتاب بلغة الضيف (العربية) وتعريف قومه به، ثم تعزيز شرعيته الأدبية والفكرية بتقديم من أحد أعمدة الأدب المصري والعربي، جمال الغيطاني. هذه العملية برمتها تكشف عن استراتيجية لبناء جسر ثقافي دائم، حيث يتحول الإمام الطيب من شخصية محلية إلى نموذج عالمي للتسامح والحوار، يُقدَّم لمجتمع أوروبي مسلم ناشئ كمرجع أخلاقي وفكري.
السرد المحرر والمنظور
“إن العلاقة الفكرية التي نشأت بيني وبين فضيلة الإمام الأكبر لم تتوقف عند حد اللقاءات والحوارات، بل تجسدت في عمل توثيقي دائم. بعد سلسلة من اللقاءات والمناقشات المستفيضة مع فضيلة الشيخ الدكتور أحمد الطيب، ألَّفتُ كتابًا موسعًا بعنوان: “الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، مفتي الديار المصرية: جهوده العلمية والفلسفية”.
هدفي من هذا العمل كان مزدوجًا: أولاً، تقديم صورة علمية متكاملة عن رجل رأيت فيه تجسيدًا حيًا لقيم التسامح والسلام والحوار بين الأديان، والذي خدَم بها المسلمين والإنسانية جمعاء. وثانيًا، تقديم هذا النموذج إلى شعب كوسوفا، ليكون لهم دليلاً ومعينًا في فهم إمكانيات الاندماج الإيجابي في العالم المعاصر دون التخلي عن الهوية، مستلهمين من فكر رجل جمع بين الأصالة والانفتاح.
وحرصًا مني على أن يحظى الكتاب بالعمق الأدبي والمكانة الثقافية المناسبة، سعيتُ إلى طلب تقديم له من أحد أعلام الفكر والأدب في مصر، وهو الكاتب والأديب الكبير الأستاذ جمال الغيطاني. وكان لتفضُّله بكتابة هذا التقديم أثرٌ كبير في إثراء العمل، حيث قدَّم رؤية نافذة من داخل المشهد الثقافي المصري تُكمِل رؤيتي من موقع الضيف والمتابع.”
تقديم جمال الغيطاني: تحليل نقدي لأبعاده الأدبية والسياسية
يُشكِّل تقديم جمال الغيطاني، بحد ذاته، وثيقة أدبية ونقدية بالغة الأهمية. فهو ليس مجرد ثناء عابر، بل تحليل سياسي-ثقافي حاد كُتب في لحظة تاريخية مفصليّة (ما بعد أحداث 11 سبتمبر 2001).
يمكن تفكيك أبعاده على النحو التالي:
مجلة روح الاسلام فيض المعارف