حماية البيئة في زمن الحروب بمنظور فقهي معاصر «البيئة الزراعية نموذجًا»

بقلم الدكتورة ميرنا يونس

أضحى الاهتمام بالبيئة اليوم في صدارة الاهتمامات العالمية، بعد أن كشفت الأزمات البيئية المتلاحقة، ولا سيما تلك الناجمة عن الحروب والصراعات، حجم الخلل الذي أصاب النظم البيئية وهدّد توازنها واستدامتها.

فقد امتدت آثار التلوث والتدمير إلى ما وراء حدود النزاعات، لتطال الإنسان ومحيطه الطبيعي على حدٍّ سواءوفي أصل الخلق، جاءت البيئة نظامًا متكاملًا أعدّه الخالق سبحانه وتعالى بحكمة، وكرّم فيه الإنسان وجعله خليفة في الأرض، مكلّفًا بعمارتها وصون مواردها لا إفسادها.

وتأتي البيئة الزراعية في قلب هذه الأمانة، لما تمثله من ركيزة للأمن الغذائي والاستقرار المجتمعي، وما تضطلع به من دور محوري في تحقيق مقاصد الشريعة ومن هذا المنطلق، يقدّم الفقه الإسلامي رؤية متوازنة لحماية البيئة الزراعية، حتى في ظل الصراعات والحروب، وفيما يلي عرض لحكم إتلاف البيئة الزراعية للعدو في النزاعات المسلحة..

تحرير محل النزاع:
١- اتفق الفقهاء على جواز إتلاف البيئة الزراعية (حرق شجر العدو وزرعهم وقطعه) إذا دعت الحاجة إلى إتلافه ولم يقدروا عليهم إلا به.
٢- وكذلك اتفقوا على حرمة إتلاف البيئة الزراعية بما يتضرر المسلمون بإتلافه لكونه ينتفعون ببقائه، أو لم تجر العادة بيننا وبين عدونا بقطعه.

محل النزاع:
اختلفوا فيما لا ضرر فيه للمسلمين ولا نفع لهم به سوى غيظ الكفار والإضرار بهم على ثلاثة أقوال:

القول الأول: ذهب الحنفية والشافعية، والإمام مالك في رواية، والحنابلة في الراجح، إلى جواز حرق زرع العدو، وقطع شجره المثمر منه وغير المثمر، وكل ما يرجو به الفتح.

القول الثاني: ذهب المالكية جواز تخريب العامر وإباحة قطع الثمر والشجر دون تحريقه إن كان بغيره، ولقـد كره الإباضية في رواية، والليث إحراق النخل والشجر المثمر، وحمل الفقهاء الكراهة على التحريم.
القول الثالث: ذهب الإمام مالك في رواية، والحنابلة في رواية، والأوزعي والليث وأبو ثور، إلى عدم جواز حرق زرع العدو، وقطع شجره.

سبب الخلاف: يرجع اختلاف الفقهاء إلى:
١- الخلاف في الفهم بين فعله عليه الصلاة والسلام في قطع نخيل بني النضير، هل كان ذلك لحاجة عسكرية أم لإلحاق الخزي والأذى بهم؟
٢- مخالفة فعل أبي بكر في ذلك لفعله عليه الصلاة والسلام، ذلك أنه ثبت ” أنه ﷺ «قطع نخل بني النضير وحرقه».

الأدلة:
استدل القول الأول بأدلة عديدة على جواز حرق زرع العدو وقطع شجره بالكتاب والسنة والمعقول منها:
[١] قوله تعالى: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ}
وجه الدلالة : بين الله تعالى أن قطع النبي ﷺ ومن معه من المؤمنين لأشجار العدو كان بإذنه، وإذنه تعالى يدل على المشروعية، وقد نبه الله تعالى في آخر هذه الآية عن الآثار المترتبة على قطع أشجار الـعدو مـن كسر لشكوتهم، وغيظهم بقوله تعالى: (وليخزي الفاسقين)، فكان فعله ﷺ نكاية لهم ووهناً فيهم، حتى يخرجوا عنها، فإتلاف بعض المال لصلاح بَاقِيه،ِ مصلحة جائزة شرعاً، مقصودة عَقْلا.

[٢] ما ورد أن النبي ﷺ قطع نخل بني النضير وأحرقها، وقطع كروم أهل الطائف وكان سبباً في إسلامهم.

[٣] ما جاء أن رسول الله ﷺ كان عهد إلى أسامة بن زيد، فقال ﷺ (أغر على أبنى صباحا وحرق)

[٤] أن في قطع أشجار العدو وإفساد زروعهم؛ إلحاق الغيظ، والكبت بهم وكسر شوكتهم وتفريق جمعهم.

واستدل القول الثاني على جواز تخريب العامر وإباحة قطع الثمر والشجر دون تحريقه بالكتاب والسنة والمعقول ومن ذلك:
[١] قوله تعالى: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ}

[٢] أن في تحريق الأشجار تخريباً محضاً، بخلاف القطع، وهو – التخريب – منهي عنه شرعًا.
واستدل القول الثالث علي عدم جواز حرق زرع العدو، وقطع شجره، بالكتاب والآثر والقياس والمعقول ومن ذلك.

[١] قوله تعالى: {وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد}
وجه الدلالة: أن إحراق زرع العدو، وقطع شجره إفساد، فيدخل في عموم الأية الكريمة
[٢] ما روى عن أبي بكر الصديق، رضى الله عنه، أنه قال ليزيد ابن أبى سفيان، وهو يوصيه، (وإني موصيك بعشر لا تقتلن امرأة ولا صبيا ولا كبيرا هرما ولا تقطعن شجرا مثمرا ولا تخربن عامرا ولا تعقرن شاة ولا بعيرا إلا لمأكلة ولا تحرقن نحلا ولا تغرقنه ولا تغلل ولا تجبن) .

[٣] أن إتلاف الزرع بالحرق والقطع لا يجوز، قياسًا على عقر الحيوان.

القول الراجح:
بعد عرض أقوال الفقهاء والنظر في أدلتهم والمناقشة الواردة عليهم، يتبين والله أعلم أن القول الراجح هو عدم جواز قطع زرع العدو وثماره، وتحريق شجره، إلا بشروط وضوابط، منها:
(أ) أن تدعو الحاجة إلى ذلك.
(ب) أن يفعل الكفار ذلك بالمسلمين.
(ج) ألا يتضرر المسلمون بقطعها.
(د) ألا يقدروا عليهم إلا بقطع الأشجار وتحريقها.

وذلك لأنه في حالة تعارض النصوص يكون جمعها أولى من ترجيح بعضها، وإهمال البعض الآخر، وعليه فإن كان الحرق والقطع يِؤدي هدفا عسكريا كتعجيل إنها حرب، أو توسيع طريق لمرور الجيش، فيجوز فعل ذلك والعكس صحيح، فالمفهوم من النصوص التشريعية أنه لا يجوز الإفساد في البيئة حتى ولو كان المسلمون في حالة حرب، غير أنهم يمكن لهم في حالة الاضطرار التحريق أو التقطيع في النخل والأشجار، ولكن بمقدار ما يرفع عنهم الضرر فقط، وان كان الصبر وعدم الإفساد أولى.

ومن هنا؛ يظهر الفقه الإسلامي كنظام متكامل يربط بين الزراعة والأخلاق والبيئة، ويؤسس لرؤية استدامية متقدمة توازن بين حاجات الإنسان وحقوق الطبيعة، ومن خلال تفعيل هذه الأحكام في الواقع المعاصر، يمكن بناء نموذج زراعي يحفظ البيئة، ويعزز التنمية، ويصون حق الأجيال القادمة في موارد سليمة ومنتجة..