الردّ العلمي على د. أحمد كريمة في إطلاقه نفي عروبة المصريين
7 يناير، 2026
أخبار العالم الإسلامى

بقلم الدكتور: مصطفى القليوبي الشافعي
بسم الله، وبعد :
فقد قال الدكتور أحمد كريمة: أن المصريين ليسوا عربًا، وقد جاء هذا القول بصيغة الإطلاق، وهو إطلاقٌ غيرُ مُحَرَّرٍ علميًّا، ويُخالف ما قرره أئمةُ التاريخ والعلم في مصر نفسها.
والصواب في هذه المسألة ليس الإثبات المطلق ولا النفي المطلق، وإنما التفصيل، وهو الذي عليه المحققون.
قال الإمام السيوطي في حُسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة:
«وقد دخل العربُ مصر، ونزلوا بها، واختلطوا بأهلها، فصار في المصريين عربٌ صُرَحاء، وعربٌ مستعربون، وقبطٌ تعرّبوا، وغلب عليهم اللسان العربي».
وهذا النصُّ فاصلٌ في النزاع؛ لأنه:
أثبت وجود العرب نسبًا في مصر،
وأثبت وجود المستعربين،
وأثبت وجود القبط الذين تعرّبوا،
ونفى التعميم في الطرفين.
فكيف يُقال بعد هذا: المصريون ليسوا عربًا بإطلاق؟!
ويُوافق هذا التقريرَ كبارُ مؤرخي مصر:
قال المقريزي في الخطط:
«وسكنت القبائل العربية بمصر بعد الفتح، وكثرت بطونهم، واختلطوا بأهلها، فغلبت العربية على اللسان والعادة».
وقال القلقشندي في نهاية الأرب:
«وأكثر عرب مصر من قريش، وكنانة، وجهينة، ولخم، وجذام، وبلي، وهلال، وسليم».
وقال ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة:
«وتكاثرت العرب بمصر في الدول المتعاقبة، واختلطوا بالقبط، فصاروا أمةً واحدةً في اللسان والعادة».انتهى
فمصرُ عامّةً، لو لم يُقِرّ النبيّ ﷺ ما استقرّ من عروبتها بعد الفتح، لما أوصى العربَ من صحابته بأهلها نسبًا وصهرًا وذمّةً.
وكيف يُنكَر ذلك، وأمُّ إسماعيل عليه السلام هاجر كانت مصريةً عربيةً، لم يختلف في عروبتها مؤرّخو مصر قديمًا ولا حديثًا، ولا خالف في ذلك يهودٌ ولا نصارى.
ومن أصول الشريعة أن ابن أخت القوم منهم، فكيف بنسبٍ يتصل بإبراهيم الخليل عليه السلام، الذي أجمعت عليه الكتب السماوية أنه من كوثى بابل، وبابلُ عربيةُ اللسان والحيّز منذ أقدم العصور.
وأمّا التعلّق بحدودٍ سياسيةٍ حديثةٍ، فشبهةٌ واهية؛ إذ سيناء – وهي من مصر اليوم – سكنها العرب قديمًا، وشهد القرآن بعروبة مدين، وساحلُ مصر الشرقي عربيٌّ منذ عصور سحيقة، وشرقُ النيل عرف استيطان العرب قبل موسى ويوسف عليهما السلام.
وشهادة التاريخ في ذلك متتابعة: من مؤرخي مصر، إلى المستشرقين، إلى قدماء الإغريق كهرودوت، فضلًا عمّا في أسفار اليهود أنفسهم من نسبة مدين وبنيه إلى إبراهيم من زوجته قطورة، وهم عربٌ باتفاق تلك المصادر.
فالخطأ في كلام الدكتور أحمد كريمة ليس في إثبات أن أصل القبط غير عربي، فهذا صحيح،وإنما الخطأ في إطلاق النفي على جميع المصريين، مع إسقاط:
– الهجرات العربية المتتابعة،
– والاختلاط النسبي،
– والعروبة اللسانية والثقافية التي استقرّت قرونًا.
والتحقيق الذي لا يصح غيره أنه :
❌ لا يصح القول: المصريون ليسوا عربًا مطلقًا.
❌ ولا يصح القول: كل المصريين عرب نسبًا.
✅ الصحيح: ما قرره السيوطي ومن وافقه:
عربٌ صرحاء، وعربٌ مستعربون، وقبطٌ تعرّبوا.
أما إطلاق النفي، فـتجاسرٌ على التاريخ، ومخالفةٌ لكلام أئمة مصر قبل غيرهم.