بقلم: الأستاذ الدكتور : بكر إسماعيل الكوسوفي
السفير والممثل السابق لكوسوفا لدى بعض الدول العربية
مقدمة
تحتلّ سِيَرُ العلماء الكبار مكانةً محورية في الذاكرة الحضارية للأمم؛ إذ لا تُقرأ بوصفها سرداً تاريخياً لأحداثٍ مضت، بل باعتبارها مشاريع فكرية حيّة أسهمت في تشكيل الوعي، وبناء المنهج، وصياغة الموقف الأخلاقي والإنساني في مواجهة تحولات العصر. ومن هذا المنطلق، تأتي هذه الدراسة لتسلّط الضوء على شخصيةٍ علميةٍ استثنائية، مثّلت نموذجاً متكاملاً للعالم الموسوعي المجدد، وهو الشيخ وهبي سليمان غاوجي الألباني (1923–2013م)، الذي جمع في مسيرته بين عمق التكوين العلمي، وسعة الأفق الحضاري، والالتزام المنهجي، والانفتاح الواعي على قضايا العصر.
لقد عاش الشيخ غاوجي في مرحلة تاريخية اتسمت بالاضطراب الفكري والسياسي، وشهد تحولات كبرى في العالم الإسلامي، من سقوط الخلافة، إلى صعود التيارات الفكرية المتنازعة، مروراً بمرحلة الاستعمار، ثم الاستقلال، فالعولمة. وفي خضم هذه التحولات، لم يكن الشيخ مجرد شاهدٍ على العصر، بل كان فاعلاً فيه، من خلال مشروع علمي متكامل، سعى إلى إعادة الاعتبار للفقه السني الوسطي، وتجديد أدوات الخطاب الديني، وربط التراث بالأبعاد الواقعية والاجتماعية للإنسان المسلم المعاصر.
وتكمن أهمية هذه المقالة في أنها لا تكتفي بتقديم عرضٍ وصفيٍّ لحياة الشيخ ومؤلفاته، بل تسعى إلى تحليل مشروعه الفكري في أبعاده الفقهية والعقدية والتربوية والثقافية، مع إبراز دوره في ربط المراكز العلمية الكبرى (الأزهر، دمشق، الحجاز) بفضاءاتٍ إسلاميةٍ مهمَّشة، ولا سيما في البلقان وكوسوفا وأوروبا، حيث أسهم في إعادة بناء الوعي الديني بعد فترات طويلة من القطيعة والقمع.
كما تكتسب هذه الدراسة بعداً توثيقياً خاصاً من خلال إدراج قصيدة رثائية تحليلية كتبها الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي، أحد أبرز تلامذة الشيخ، بوصفها وثيقة أدبية ووجدانية تعبّر عن عمق العلاقة العلمية والإنسانية بين الأستاذ وتلميذه، وتكشف عن الأثر التربوي والفكري الذي خلّفه الشيخ في نفوس طلابه ومحيطه العلمي. وبذلك، يجتمع في هذا العمل التحليل الأكاديمي، والتوثيق التاريخي، والشهادة الأدبية في إطارٍ واحدٍ متكامل.
إن هذه المقالة، بفصولها المتعددة، لا تهدف إلى تمجيدٍ عاطفي، ولا إلى سردٍ تقريري، بل تسعى إلى قراءةٍ نقديةٍ واعية لإرث الشيخ وهبي سليمان غاوجي، بوصفه أنموذجاً للعالم الذي أدرك أن الأصالة لا تعني الجمود، وأن المعاصرة لا تعني القطيعة، وأن التجديد الحقّ لا يكون إلا من داخل المنهج، لا على حسابه.
مولده ونشأته :
ولد في شكودرا – جمهورية ألبانيا في عام 1923م ونشأ بها وترعرع. هاجر في سنة 1937م مع والده و أهله من بلده إلى بلاد الشام نصرة لدينه ، و استقر في حي الديوانية في دمشق حيث تولى والده إمامة مسجد العمرية نائباً عن المفتي الشيخ محمد شكري الأسطواني.
التأثير الفكري والعلمي
الإسهام الفقهي والتجديد المنهجي
تميَّز الشيخ غاوجي بكونه أحد أبرز مجددي الفقه الحنفي في القرن العشرين، حيث نجح في تقديم المذهب الحنفي بصورة معاصرة تتلاءم مع مستجدات العصر دون التفريط في الأصول.
تمثلت أهم إسهاماته في:
• التأليف الموسوعي: ألَّف أكثر من 40 كتابًا بالعربية و35 بالألبانية، غطت مجالات الفقه والعقيدة والسيرة والتربية.
• المنهج الوسطي: جمع في مؤلفاته بين الأصالة الفقهية والمرونة التطبيقية، مع الحرص على تقديم الحلول العملية للمسائل المستجدة.
• الدفاع عن المنهج السني: خاض معارك فكرية دفاعًا عن العقيدة السنية ضد التيارات المتطرفة، مؤكدًا على منهج الاعتدال والتسامح.
التكامل بين المدارس الإسلامية
تكمن عبقرية الشيخ غاوجي في قدرته على الجمع بين تقاليد علمية متعددة:
• المدرسة الألبانية: التي تلقى فيها الأساس الأولي.
• المدرسة الأزهرية: حيث تخرج من كلية الشريعة وحصل على الشهادة العالمية.
• المدرسة السورية: حيث تتلمذ على كبار علماء دمشق.
• المدرسة الحجازية: من خلال تدريسه في المدينة المنورة.
التأثير الأدبي والثقافي
الإنتاج الأدبي المتنوع
لم يقتصر إنتاجه على المؤلفات الفقهية، بل امتد إلى:
• المقالات الصحفية: نشر قرابة 400 مقال في مجلات مثل “حضارة الإسلام” و”التمدن الإسلامي” و”المنار”.
• الكتابة باللغتين: كتب بالعربية والألبانية، مما وسع دائرة تأثيره لتشمل العالمين العربي والإسلامي الأوروبي.
• الخطابة والدروس: التي كانت تجمع بين البلاغة اللغوية والعمق العلمي.
الحوار الحضاري
مثَّلت حياة الشيخ غاوجي جسرًا بين الحضارة الإسلامية والغربية، حيث:
• قدَّم الإسلام بلغة عقلانية تناسب العصر الحديث.
• دافع عن القيم الإسلامية في مواجهة التحديات الفكرية المعاصرة.
• شارك في حوارات فكرية مع مفكرين من خلفيات مختلفة.
التأثير الديني والدعوي
التجديد في المناهج الدعوية
• التعليم النسوي: كان من أوائل من درَّسوا الفقه للبنات في المدارس الشرعية بحلب.
• التعليم باللغة الأم: حرص على تأليف كتب دينية باللغة الألبانية لتلبية حاجة الجالية المسلمة.
• التكيف مع السياقات المختلفة: مارس الدعوة في سياقات ثقافية متنوعة (سوريا، السعودية، الأردن، الإمارات، ألبانيا).
التواصل بين الأجيال
خرَّج الشيخ غاوجي جيلًا من العلماء والمفكرين، منهم:
• الشيخ الدكتور مصطفى البغا
• الدكتور محمد الزحيلي
• الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي
• الشيخ محمد سوتاري (اشكودرة – ألبانيا).
• وغيرهم من العلماء الذين حملوا مشروعه الفكري.
التأثير الاقتصادي والاجتماعي
الفقه الاقتصادي المعاصر
تميز الشيخ غاوجي بمعالجة القضايا الاقتصادية المعاصرة، حيث:
• كتب عن “الربا والفائدة المصرفية” معالجًا إشكاليات الاقتصاد الحديث.
• قدَّم رؤية فقهية متوازنة للمعاملات المالية المعاصرة.
• شارك في لجان الفتوى في دبي، مما أتاح له معالجة قضايا اقتصادية عملية.
النظرة الاجتماعية المتوازنة
• كتب “من قضايا المرأة المسلمة” و”لباس المرأة وزينتها” بتوازن بين الثوابت الشرعية
ومتطلبات العصر.
• تناول قضايا الأسرة والتربية من منظور إسلامي معاصر.
التأثير السياسي والدبلوماسي
المواقف السياسية المتزنة
على الرغم من عدم انخراطه المباشر في العمل السياسي، إلا أن مواقفه كانت تمثل:
• الاستقلالية الفكرية: لم ينتمِ إلى تيار سياسي محدد.
• الوطنية المتوازنة: عاش في سوريا وعمل في عدة دول عربية دون أن يفقد ارتباطه بأصله الألباني.
• النقد البنَّاء: نقد الأنظمة التي تعارض الشريعة الإسلامية بأسلوب علمي موضوعي.
الدور الدبلوماسي غير المباشر
مثَّلت حياة الشيخ جسرًا بين:
• العالم العربي والعالم الإسلامي في أوروبا الشرقية.
• المدارس الإسلامية المختلفة من خلال شبكة علاقاته الواسعة.
• الأجيال المختلفة من خلال تلاميذه المنتشرين في أنحاء العالم.
التحليل النقدي للأعمال الرئيسية: قراءة في منهجية التأليف وتأثير المشروع الفكري
يهدف هذا الفصل إلى تحليل ثلاثية مؤلفات مختارة للشيخ وهبي سليمان غاوجي الألباني، تمثل أعمدة مشروعه الفكري متعدد الأبعاد: السيرة الشخصية للمؤسسين (أبو حنيفة)، والتأصيل العقدي (أركان الإيمان)، والتاريخ الحي للقدوة (جابر بن عبد الله). لا يقتصر التحليل على تقييم المضمون، بل يسبر أغوار المنهجية التكوينية للشيخ، ويكشف عن النسق الفكري الموحد الذي يحكم كتاباته المتنوعة، ويقيس مدى تأثيرها في تشكيل الوعي الإسلامي المعاصر في حقوله الفكرية والأدبية والعلمية. تشكل هذه الدراسة المقارنة مدخلاً لفهم رؤية الشيخ الشاملة في البناء الفكري للأمة، والجسر الذي أقامه بين التراث الأصيل واحتياجات الواقع المعاصر.
الكتاب الأول:”أبو حنيفة النعمان إمام الأئمة الفقهاء”: بناء رمزية المؤسس واستعادة الاجتهاد
يُعد هذا الكتاب محاولة واعية لإعادة تشكيل صورة الإمام أبي حنيفة في الذاكرة الإسلامية المعاصرة، لا كمجرد فقيه تاريخي، بل كـ نموذج حي للحرية الفكرية والاستقلالية العلمية والمرونة الاجتهادية. ينطلق الشيخ غاوجي من موقع العالم الحنفي المتمكن ليعيد قراءة سيرة المؤسس بوصفها مشروعًا فكريًا قابلًا للإحياء.
التحليل النقدي المتكامل:
1. المنهجية السردية التوليفية: يجمع الكتاب بين السرد التاريخي التقليدي والتحليل النقدي المعاصر، حيث يحلل الظروف السياسية والثقافية في الكوفة بوصفها حاضنة لتجربة أبي حنيفة الاجتهادية، مما يحول السيرة من حكاية إلى درس منهجي في تفاعل العالم مع سلطة الواقع.
2. البناء الرمزي والهوياتي: يتعامل المؤلف مع شخصية أبي حنيفة كـ رمز ثقافي جامع. فهو رمز للألبان (باعتباره أصل المذهب السائد لديهم)، ورمز للمدرسة العقلية في الفقه، ورمز للمقاومة السلمية للسلطة الجائرة. هذا الترميز يجعل من الكتاب أداة لتعزيز الهوية الحنفية المعتدلة في مواجهة التطرف والتقليد الجامد.
3. التأثير متعدد المجالات:
• فكريًا: يعيد تقديم مفهوم الاجتهاد بوصفه واجبًا عينيًا في عصر التحديات، مشددًا على العقلانية المنضبطة في الاستنباط.
• أدبيًا وثقافيًا: يرفع السيرة الفقهية إلى مصاف الأدب الرفيع عبر لغة بلاغية تستحضر القيم المجردة (الحرية، الاستقلال، الثبات) في قالب سردي مؤثر.
• علميًا ودينيًا: يؤصل لمنهج “إذا صح الحديث فهو مذهبي” الذي اشتهر به الشيخ، مقدماً نموذجًا للتعامل مع المذهب بوصفه إطارًا مرنًا وليس نصًا مغلقًا.
وأخيراً، نقول إن كتاب “أبو حنيفة النعمان” ليس سيرةً فحسب، بل هو بيان منهجي يقدم رؤية الشيخ غاوجي لإصلاح الفكر الإسلامي من خلال استعادة روح الاجتهاد الأصيل، مما يجعله عملًا تأسيسيًا في مشروعه الإحيائي العام.
الكتاب الثاني:”أركان الإيمان”: التأصيل العقلي كحصن للأمة في عصر الشبهات
يمثل هذا الكتاب الركن العقدي الصلب في مشروع الشيخ الفكري، الموجه أساسًا لمواجهة التحديات الفكرية الداخلية (الفرق المنحرفة) والخارجية (الشبهات العلمانية والمادية). يظهر فيه الشيخ بصفة المدافع المنهجي عن العقيدة السنية عبر عرض تقليدي متين.
التحليل النقدي المتكامل:
1. المنهجية الدفاعية التوثيقية: يتبع الكتاب نهجًا كلاسيكيًا في عرض العقيدة، مع تركيز واضح على الرد الاستباقي على الشبهات. يقدم الحجج النقلية والعقلية بأسلوب واضح ومنظم، يستهدف تحصين القارئ العادي قبل المتخصص.
2. اللغة بين التعليم والتحصين: تستخدم لغة واضحة مباشرة، تخلو من التجديد الأدبي الطليق لصالح الضبط الاصطلاحي والدقة العلمية. الأسلوب خطابي وعظي في كثير من الأحيان، مما يعكس طبيعة الكتاب كـ “دليل عقائدي” أو “منهاج تعليمي”.
3. التقييم في سياق العصر:
• نقطة القوة: يتمثل في المتانة العلمية والوضوح التأسيسي، مما يجعله مرجعًا ممتازًا لطلاب العلم والجمهور العام الراغب في فهم أصول العقيدة.
• نقطة الضعف/التحدي: يكمن في محدودية الحوار مع الأسئلة الفلسفية والوجودية الحديثة. يظل النقاش داخل إطار علم الكلام التقليدي، مع إغفال نسبي لإشكالات الحداثة وما بعدها.
4. الدلالة على رؤية المؤلف: يعكس الكتاب النزعة المحافظة الواعية لدى الشيخ غاوجي. فهو لا يسعى لتجديد العقيدة نفسها، بل لتجديد أسلوب الدفاع عنها وعرضها. الرؤية هنا هي حصانة الأمة عبر التمسك بالأصل الثابت، لا عبر تحوير الأصل ليتلاءم مع العصر.
في نهاية المطاف، يمكننا القول إن كتاب “أركان الإيمان” لا يزال عملاً محوريًا في المكتبة العقائدية السنية المعاصرة، يجسد دور الشيخ كـ حارس للتقليد العلمي الرصين. قيمته تكمن في كونه سندًا أكاديميًا وأداة تربوية أكثر من كونه محاولة لتجديد عقدي جذري.
الكتاب الثالث: “جابر بن عبد الله: صحابي إمام وحافظ فقيه”: استعادة التاريخ الحي وتقديم النموذج العملي
في هذا الكتاب، ينتقل الشيخ من تأصيل المنهج (أبو حنيفة) والعقيدة (أركان الإيمان) إلى تقديم النموذج التطبيقي الحي من خلال سيرة الصحابي جابر بن عبد الله. الكتاب هو محاولة لـ تجسيد القيم المجردة في شخصية تاريخية، مما يجعل الدروس التربوية أكثر قبولًا وتأثيرًا.
التحليل النقدي المتكامل:
1. المنهجية التربوية التمثيلية: يتحول السرد التاريخي إلى أداة تربوية. فكل محطة في حياة جابر (الجهاد، طلب العلم، الصحبة، الفقه) تُقدّم بوصفها درسًا عمليًا في بناء الشخصية المسلمة المتكاملة. يقدم جابر كنموذج “العالم المجاهد الزاهد”.
2. البناء النفسي والأخلاقي: يتعمق الشيخ في تحليل الدوافع والمشاعر والقيم التي تحرك الصحابة، بعيدًا عن السرد المجرد للأحداث. هذا يجعل الشخصية التاريخية قريبة ومتاحة للاقتداء، خاصة للشباب.
3. التأثير في الهوية والانتماء: يخدم الكتاب هدفًا هوياتيًا عميقًا، يتمثل في تعميق ارتباط الأمة بسلفها الصالح. من خلال تقديم صحابي كجابر (وهو ليس من كبار الصحابة كأبي بكر أو عمر)، يؤكد الشيخ على قيمة كل فرد في البناء الجماعي للأمة، ويعزز فكرة الجماعة المؤمنة المتضامنة عبر التاريخ.
4. التكامل مع المشروع العام: يكمل هذا الكتاب الثلاثية، فهو التطبيق العملي لمنهج الاجتهاد والثبات على العقيدة. جابر هو التلميذ الأمثل للنبي (صلى الله عليه وسلم)، كما أن أبا حنيفة هو المجتهد الأمثل في فهم الدين.
وأخيرًا، يمكننا القول إن كتاب “جابر بن عبد الله” هو عمل في التربية عبر التاريخ. يستثمر الشيخ غاوجي السيرة كخزان قيمي لا ينضب، ليقدم من خلالها رؤيته لصناعة المسلم المعاصر: المتمسك بعقيدته، المنفتح بعقله، المنضبط بخلقه، المنتمي لتاريخ أمته.
خلاصة حول ثلاثة كتب: نحو مشروع فكري متكامل
من خلال التحليل النقدي المتكامل لهذه الأعمال الثلاثة، تتجلى معالم المشروع الفكري المتكامل للشيخ وهبي سليمان غاوجي:
1. الوحدة في التنوع: على تنوع موضوعاتها (فقه، عقيدة، سيرة)، تجتمع الكتب تحت نسق فكري واحد: الجمع بين الالتزام الأصيل بالنقل والمرونة العقلية في الفهم والغاية التربوية العملية.
2. المنهجية المتدرجة: يقدم المشروع حلاً متدرجًا: يبدأ بتأسيس المنهج الاجتهادي (“أبو حنيفة”)، ثم يغرس الثوابت العقدية (“أركان الإيمان”)، ليهيئ القارئ أخيرًا لتلقي النموذج التطبيقي (“جابر بن عبد الله”).
3. الرؤية الإصلاحية المحافظة: لا يسعى الشيخ إلى قطيعة مع التراث، بل إلى إعادة إنتاجه بوعي معاصر. إصلاحه هو إصلاح من الداخل، عبر تنقية التراث من الشوائب وتقديمه بصورة واضحة وجذابة.
4. الأثر التراكمي: التأثير الحقيقي لهذه الأعمال لا يكمن في كل كتاب على حدة، بل في التأثير التراكمي للمشروع ككل على القارئ، الذي ينتقل معه من الفكرة إلى العقيدة، ثم من العقيدة إلى القدوة الحية.
وبذلك، لا تمثل هذه الكتب مجرد إسهامات منفصلة في حقولها، بل هي فصول مترابطة في “بيان” فكري-تربوي أراد من خلاله الشيخ وهبي غاوجي الإسهام في بناء المسلم الواعي، وتحصين الهوية الإسلامية، وتقديم إجابة متكاملة من صميم التراث على أسئلة الواقع وتحديات العصر.
التأثير في منطقة البلقان وأوروبا: إعادة التواصل الحضاري ونشر الفكر المعتدل
تمثل مساهمات الشيخ وهبي سليمان غاوجي الألباني في منطقة البلقان وأوروبا حالة دراسية فريدة في إعادة ربط الشتات الإسلامي بجذوره الفكرية والروحية، وتقديم نموذج للخطاب الإسلامي المعتدل في سياق ما بعد الشيوعية. على الرغم من هجرته المبكرة من ألبانيا عام 1937م، حافظ الشيخ على ارتباط عاطفي وفكري عميق بوطنه الأم، تجلى في سلسلة من الأنشطة العلمية والدعوية الممنهجة التي امتدت من سبعينيات القرن العشرين حتى وفاته.
النشاط الدعوي في ظل الحكم الشيوعي: المرحلة التأسيسية (1974-1990)
قبل انهيار المنظومة الشيوعية، سعى الشيخ غاوجي إلى اختراق الحظر المفروض على النشاط الديني عبر زيارتين محوريتين:
• الزيارة الأولى (1974م): على الرغم من منع النظام الشيوعي الألباني دخوله، نجح بمساعدة مفتي مقدونيا الشيخ حافظ بدر الدين في زيارة كوسوفا ومقدونيا. ألقى خلالها الدروس والمحاضرات في جامع سكوبيا، والتقى بكبار علماء المنطقة مثل الشيخ حافظ حسن ناهي (مترجم القرآن الأول إلى الألبانية)، وخطب في مساجد كوسوفا. شكلت هذه الزيارة أول اتصال عملي بينه وبين المجتمع الألباني في البلقان بعد هجرته.
• الزيارة الثانية (1979م): بدعوة من تلميذه الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي، زار كوسوفا وكوسوفا الشرقية (تحت السيطرة الصربية لاحقًا) خلال شهر رمضان. تميزت هذه الزيارة بحدث رمزي بارز في مسجد بريشتينا الكبير، حيث أثار مظهره الأزهري التقليدي انتباه المصلين. وبعد تدخل الشيخ حسن ناهي، ألقى الشيخ غاوجي كلمة باللغة الألبانية، ما أثار مشاعر الفرح والارتباط لدى الحضور، في دلالة واضحة على أهمية اللغة المشتركة في تعزيز الهوية الدينية. خلال هذه الزيارة التي استمرت 18 يومًا، تنقل بين المدن، وألقى المحاضرات بعد الصلوات، واجتمع مع أكثر من 200 عالم لمناقشة قضايا فقهية عويصة وقضايا الأمة، مما أسس لشبكة علمية غير رسمية.
الانتقال إلى أوروبا الغربية: تعزيز صلة الشتات
امتد نفوذه الفكري إلى الجاليات الألبانية في أوروبا الغربية، حيث:
• زار بلجيكا والتقى بالجالية الألبانية القادمة من كوسوفا ومقدونيا والجبل الأسود.
• ألقى خطباً ومحاضرات في المركز الإسلامي في بروكسل، وتواصل مع أئمة الجالية مثل الشيخ حسين اللطيف.
• أطلق سلسلة “المراسيل” الموجهة إلى صديقه راسم زيكا في شكودرا، والتي نُشرت لاحقًا بعنوان “مراسيل مهاجر”، مكونة جسرًا فكريًا وثقافيًا مستمرًا مع الداخل الألباني رغم الحصار السياسي.
مرحلة ما بعد الشيوعية: المشروع التجديدي في ألبانيا (1991-2013
بعد سقوط النظام الشيوعي عام 1991، تحول اتصال الشيخ من السرية والرمزية إلى مشروع علني طموح لإعادة البناء الديني. عبر عن استعداده التام للتعاون مع الجهات الرسمية مثل دار الإفتاء والمشيخة الإسلامية، وكرس زياراته الست المتتالية لألبانيا لأنشطة عملية:
• التأطير العلمي والدعوي: ركز نشاطه في مسقط رأسه شكودرا، حيث خطب في جامع باروتسا، وأشرف على إصدار الكتب الدينية باللغة الألبانية لضمان توعية سليمة.
• الحضور في الفضاء العام: تجاوز المساجد إلى المؤسسات الثقافية الوطنية، فألقى محاضرات في المتحف القومي والمركز الثقافي الدولي في تيرانا، تناولت قضايا راهنة مثل “مكانة المرأة في الإسلام”، مخاطبًا طلبة الجامعات وأولياء الأمور.
• التغطية الإعلامية والتأثير الثقافي: حظيت محاضراته بتغطية واسعة من وسائل الإعلام الألبانية، وامتد تأثيرها إلى الأوساط الثقافية غير الدينية. وكتب الصحفي البارز إدريس قالي تقريرًا موسعًا عن فكره ونشاطه في جريدة “نور الإسلام”، مما يدل على اعتراف النخبة الثقافية بدوره كشخصية تجمع بين الأصالة الإسلامية والانفتاح الفكري.
الخلاصة: نموذج للتأثير متعدد المستويات
يمكن تلخيص تأثير الشيخ غاوجي في البلقان وأوروبا من خلال المستويات الآتية:
1. المستوى الرمزي والعاطفي: مثل جسرًا حيًا يربط بين تراث المهجر الألباني وأرض الأجداد، معززًا الهوية الإسلامية الجامعة.
2. المستوى الفكري والعلمي: نقل المنهج الأزهري المعتدل والمذهب الحنفي المرن إلى منطقة كانت تعاني من فراغ فكري ديني بعد حقبة الشيوعية، من خلال الدرس المباشر والتأليف باللغة الأم.
3. المستوى الاجتماعي والثقافي: نجح في نقل الخطاب الإسلامي من المساجد إلى الفضاء الثقافي العام، وحاور النخب الوطنية، مقدماً صورة للإسلام تتوافق مع قيم الانفتاح والتجديد في مرحلة التحول الديمقراطي.
وبهذا، لم يقتصر دور الشيخ وهبي غاوجي على كونه داعية تقليديًا، بل كان مفكرًا وسطيًا ومجددًا ساهم في صياغة الخريطة الدينية والفكرية للمسلمين الألبان في مرحلة انتقالية حاسمة من تاريخهم، مستفيدًا من تكوينه العلمي المتنوع وخبرته الحضارية الواسعة.
مكانة الشيخ غاوجي في نظر الأقران والعلماء: شهادات الاعتراف العلمي والأخلاقي
يُعد تقييم مكانة العالم من خلال شهادات معاصريه من العلماء والباحثين مدخلاً منهجياً مهماً في القياس الموضوعي لتأثيره ومكانته. وفي حالة الشيخ وهبي سليمان غاوجي الألباني، تكشف الشهادات المتنوعة عنه صورة متكاملة لعالم جمع بين الرسوخ العلمي والخلق الرفيع والمنهج الوسطي، مما جعله يحظى باحترام وثناء واسع النطاق عبر المدارس الفكرية الإسلامية المختلفة. تُظهر هذه الشهادات ثلاثة محاور رئيسية في شخصيته العلمية:
الاعتراف بالمنزلة العلمية والمنهجية
• منهج السلف والرسوخ المعرفي: يصفه العلامة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي بأنه “واحد من العلماء الربانيين الذين جمعوا بين العلم الواسع الغزير… والتزاما بمنهج السلف الصالح أهل السنة والجماعة”، مشيراً إلى تكامل الجانب المعرفي العميق مع الالتزام الأصيل بالمنهج السلفي في سلوكه ومعتقده.
• الحجة والقدوة في العلم والدعوة: يؤكد الشيخ أحمد كفتارو على مكانته كمُنتج من المدرسة الأزهرية العريقة، فيقول: “هذا الشيخ المربي حجة في العلم والمعرفة، وقدوة في الدعوة والسلوك”، مما يبرز اعترافاً من مدارس فقهية أخرى (كالصوفية المعتدلة) بسمو منزلته العلمية والدعوية.
التقدير للأخلاق والسلوك الورع
• النموذج السلوكي العملي: يشهد له تلميذه وزميله الدكتور مصطفى سعيد الخن بالصلاح والنصح قائلاً: “لم أر فيه إلا الرجل الصالح الناصح الداعية إلى الله على علم وهدى ونصيحة”، مما يكشف عن تطابق ظاهره مع باطنه وسلوكه مع علمه.
• التأثير الوجداني والأخلاقي: تروي قصة الدكتور مأمون الشقفة في حفل تكريم الشيخ في دبي كيف أن هيبة الشيخ ووقاره وأخلاقه خلقت محبة وهيبة تلقائية في القلب قبل معرفته شخصياً، قائلاً: “كنت أحاول تقبيل يديه… فلما التقيته فإذا هو الشخص الذي أحببته”. هذه الشهادة تعكس الأثر الروحي والأخلاقي الذي يسبق حتى التعرف العلمي على شخصيته.
مكانته في المشهد العلمي المعاصر
• الاعتراف الرسمي والعلمي: يتكرر ذكر الشيخ في مراسلات وتقديرات كبار العلماء مثل العلامة عبد الفتاح أبو غدة الذي يخاطبه بقوله: “الأخ الكريم المفضال الأستاذ الشيخ وهبي سليمان غاوجي حفظه الله ونفع بعلمه وفضله العباد والبلاد”. هذا الخطاب الرسمي من عالم في مكانة أبي غدة يشير إلى اعتراف مؤسسي بمكانة الشيخ في الحقل العلمي.
• التمثيلية المعاصرة للسلف الصالح: يخلص الدكتور البوطي في شهادته إلى وصفه بأنه “واحدا من خيرة من يمثل بمعتقده وأخلاقه وورعه وسلوكه سيرة سلفنا الصالح”، مما يضعه في مصاف من يجسد المنهج السلفي تجسيداً حياً ومعاصراً، لا مجرد نقله نظرياً.
الخلاصة: صورة العالم الكامل
تجمع هذه الشهادات المتعددة المصادر على رسم صورة العالم الكامل (العالم العامل) الذي تميز بـ:
1. العمق الأكاديمي المستند إلى تخرج من مؤسسة علمية راسخة (الأزهر).
2. الالتزام المنهجي بمنهج أهل السنة والجماعة على طريقة السلف.
3. السمو الأخلاقي والروحي الذي جعله قدوة في السلوك والتأثير الوجداني.
4. الاعتراف الواسع من قبل أقرانه ومشايخه من مختلف التوجهات داخل المنظومة السنية.
وبذلك، لم تكن مكانة الشيخ وهبي غاوجي نابعة من الإنتاج العلمي الغزير فحسب، بل أيضاً من التماسك الشخصي والسلامة المنهجية والتأثير الأخلاقي الذي جعله يحظى بهذا الإجماع النادر من قبل شخصيات علمية كبيرة، مما يعزز من مصداقية تأثيره ويضعه في موقع الشخصية الإسلامية الجامعة التي تحظى باحترام متجاوز للانتماءات الفرعية.
التكوين العلمي والشيوخ: التلقي عن مشايخ العصر وتنوع المدارس
يشكّل المسار التعليمي للشيخ وهبي سليمان غاوجي الألباني، وشيوخه الذين تلقى العلم عنهم، نموذجًا حيًا لـ “رحلات الطلب” في العصر الحديث، التي جمعت بين الأصالة المحلية والانفتاح على المراكز العلمية الكبرى في العالم الإسلامي. يعكس تنوع شيوخه وتوزعهم الجغرافي والمذهبي ثراء تكوينه المعرفي ومرونة منهجه الفكري، حيث تلقى علوم الشريعة واللغة على يد أبرز علماء عصره في ألبانيا ومصر وسوريا، مما صهر في شخصيته مناهج متنوعة أنتجت عالمًا موسوعيًا معتدلاً.
1. المرحلة التأسيسية: الجذور الألبانية (شيوخه في ألبانيا)
تلقى الشيخ وهبي أساسيات العلم في مسقط رأسه على يد علماء ألبان حافظوا على الإسلام في ظل ظروف صعبة، وهم:
• حافظ حسن مصطفى
• الشيخ إبراهيم سليمان ديبرا
• الشيخ شعيب دغنوري
مثّل هؤلاء الشيوخ الرابطة الأولى مع التراث الإسلامي الحنفي والثقافة الدينية المحلية، وزرعوا فيه الانتماء إلى هويته الإسلامية الألبانية، وهو ما ظل حاضرًا في وجدانه ومشروعه الدعوي لاحقًا.
2. المرحلة التكوينية المركزية: الأزهر الشريف (شيوخه في مصر)
يشكل تلقي الشيخ في الأزهر (1937-1947م) النقلة النوعية في مسيرته العلمية، حيث حصل على الشهادة العالمية (المعادلة للدكتوراه) وتتلمذ على كوكبة من عمالقة العلم الذين قادوا النهضة الأزهرية والإسلامية في منتصف القرن العشرين، ومن أبرزهم:
• الشيخ محمد مصطفى المراغي (شيخ الأزهر): وتمثّل فيه المنهج الإصلاحي والتجديدي المؤسسي.
• الشيخ محمد الخضر حسين (شيخ الأزهر): وتمثّل فيه العلم الغزير والأدب الرفيع والدفاع عن الإسلام.
• الشيخ محمد زاهد الكوثري: وهو الإمام المحدث والمحقق الذي كان له أثر بالغ في تكوين الشيخ المنهجي في نقد الحديث والذب عن عقيدة السلف، ويعد تأثيره عليه من أعمق الآثار.
• الشيخ مصطفى صبري (شيخ الإسلام في الدولة العثمانية السابق): وتمثّل فيه قوة الحجة في الرد على الشبهات والمذاهب الفكرية المعاصرة.
• الشيخ فكري ياسين، والشيخ محسن أبو دقيقة، والشيخ محمد علي السايس: وهم من كبار المدرسين المتخصصين في الفقه وأصوله واللغة.
هذه المرحلة وهبته العمق الأكاديمي المنهجي والرؤية العالمية لقضايا الأمة، والمناعة الفكرية ضد الشبهات.
3. مرحلة التعمق والتخصص: دمشق وامتداد المدارس السورية (شيوخه في سوريا)
بعد تخرجه من الأزهر، اكتملت دائرة تكوينه بالاستفادة من علماء دمشق الذين مثلوا مدارسها الفقهية والعلمية المتميزة:
• الشيخ حسن حبنكة الميداني (الشافعي): العالم الموسوعي والمربّي، الذي تخرّج على يديه جيل كامل من علماء سوريا، وقد أخذ عنه الشيخ وهبي الفقه الشافعي وعلوم العقيدة والتربية، مما وسّع أفقه المقارن.
• الشيخ محمد صالح الفرفور (الحنفي): الفقيه الحنفي المحقق وأستاذ الفقه وأصوله، والذي يُعتبر امتدادًا للمدرسة الحنفية الدمشقية الأصيلة.
• الشيخ محمد أبو اليسر عابدين (مفتي سوريا الحنفي): وتمثّل فيه الفتوى والحياة العلمية والإدارية.
• الشيخ عبد الوهاب دبس وزيت (الحنفي): العلامة الفقيه والحافظ المتقن، الذي أخذ عنه علوم القراءات والفقه بدقته.
الخلاصة: توليفة علمية فريدة
يُستنتج من تتبع شيوخ الشيخ وهبي غاوجي أنه تمتع بـ تكوين ثلاثي الأبعاد:
1. البُعد المحلي الأصيل: ممثلاً في شيوخ ألبانيا الذين حافظوا على الهوية.
2. البُعد المركزي المنهجي: ممثلاً في الأزهر وشيوخه الذين قدموا له الإطار الأكاديمي والمنهجي الرصين.
3. البُعد المحلي المتقدم (السوري): ممثلاً في علماء دمشق الذين قدموا له التخصص الفقهي العميق والامتداد في السلاسل العلمية.
هذه التوليفة الفريدة جعلت من الشيخ غاوجي عالماً قادراً على الحوار مع التراث والواقع، وجسراً بين المدارس الإسلامية (الحنفية والشافعية، الأزهرية والدمشقية)، ونموذجاً للعالم الذي يستفيد من تنوع المصادر دون أن يفقد تماسك منهجه أو انتماءه الأصيل.
الإجازات العلمية: الانتماء إلى سلاسل النقل العالمية والتكامل مع النخب العلمية
تمثّل إجازات الشيخ وهبي سليمان غاوجي الألباني – بغض النظر عن الجدل الأكاديمي المعاصر حول قيمتها العلمية – شهادة عينية ووثيقة على اندماجه في الشبكات العلمية العالمية للإسلام السني خلال القرن العشرين، واعتراف النخب العلمية المتنوعة بمنزلته ومكانته. لم تكن هذه الإجازات مجرد أوراق شكلية، بل كانت اعترافًا متبادلًا بالكفاءة العلمية وإدراجًا له في سلاسل النقل (الإسناد) المتصلة، مما يؤكد دوره كحلقة وصل بين مراكز العلم الإسلامية الكبرى.
يمكن تحليل دلالة هذه الإجازات من خلال ثلاثة مستويات:
مجلة روح الاسلام فيض المعارف
