حكم بناء القباب على قبور الأولياء والصالحين بين الفقه والتراث الإسلامي

بقلم الشيخ: نور عبدالبديع حمودة الأزهرى الشافعي
إمام وخطيب بوزارة الأوقاف المصرية

مقدمة
أثارت مسألة بناء القباب على قبور الأولياء والصالحين جدلًا واسعًا في العصر الحديث، خصوصًا مع تصاعد النزعات المتشددة التي جعلت من هذه المسألة مدخلًا للتبديع والتكفير، بل ورمي الأمة عبر قرونها بالشرك والضلال.
والبحث العلمي المنهجي يقتضي الرجوع إلى قواعد الشريعة، وأقوال أئمة الفقه، وعمل الأمة عبر العصور؛ ليتبيّن الحكم بعيدًا عن الانفعال أو الانتقاء.

القاعدة الشرعية الحاكمة للمسألة
الأصل المقرر عند أهل الأصول: “الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل بالمنع”
ولا يوجد نصٌّ صريحٌ صحيحٌ يمنع مطلق البناء على القبور، وإنما ورد النهي عن اتخاذ القبور مساجد بمعنى: السجود لها أو الصلاة إليها تعظيمًا، لا مجرد البناء أو التظليل أو التمييز.

التفريق بين البناء والعبادة
وقع الخلط عند بعض المعاصرين بين:
البناء على القبر
العبادة للقبر أو لصاحبه

وهذا خلط باطل؛ لأن: البناء وسيلة تنظيمية، والعبادة قصد قلبي وفعلي، وقد قرر الإمام البخاري أن اتخاذ القبور مساجد إنما هو: الصلاة عليها أو إليها تعظيمًا لها
أما البناء المجرد فلا يدخل في ذلك.

شواهد من فعل السلف
قبة الحسن بن علي رضي الله عنهما ثبت أن زوجته فاطمة بنت الحسين نصبت قبة على قبر زوجها الحسن بن الحسن، وأقامت فيها عامًا كاملًا للعبادة، على مرأى من علماء عصرها دون نكير.
قبر الإمام موسى الكاظم (ت 183هـ) ذكر الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد أن قبره كان عليه مشهد عظيم وقبة وقناديل، مما يدل على أن ذلك أمر مستقر في القرون الأولى.
فعل السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها كانت تأتي قبر حمزة رضي الله عنه، وتُرمِّم علامته حتى لا يندرس، كما ورد في نوادر الأصول للحكيم الترمذي.

أقوال الأئمة والفقهاء
المذاهب الأربعة

الشافعية:
قالوا باستحباب عمارة قبر من اشتهر بالعلم أو الولاية ولو بقبة؛ لإحياء الزيارة والتبرك.

الحنابلة:
قال ابن مفلح: “لا بأس بقبة وبيت إن كان في ملكه”
والكراهة في الأرض المسبلة تنزيهية لا تحريمية.

المالكية:
نقل الحطاب عن جماعة منهم جواز القبة والبيت، وهو قول ابن القصار.

الحنفية:
قال ابن عابدين: “لا يكره البناء إذا كان الميت من المشايخ والعلماء”.

#فتاوى كبار العلماء
★ابن حزم: “فإن بُني على القبر بيت أو قائم فلا كراهة”.
السيوطي: استحب البناء على قبور الأولياء حتى في الأرض المحبسة.
★ابن حجر العسقلاني: “المنع إنما هو عند خشية أن يُعبد القبر، فإذا أُمن ذلك فلا امتناع”.
★الشيخ عبد القادر الفاسي: “لم يزل الناس شرقًا وغربًا يبنون على قبور الصالحين، وفي ذلك تعظيم لحرمات الله”.

المصالح الشرعية المعتبرة

أجاز الفقهاء البناء لما فيه من:

حفظ القبر من الاندراس
حماية الزائر من الحر والبرد والمطر
تيسير قراءة القرآن والذكر
صيانة حرمة الصالحين من الامتهان
والمصلحة وإن كانت عائدة للحي، فهي معتبرة شرعًا؛ لأن:
الوسائل لها حكم المقاصد

خطورة التكفير بهذه المسألة

قال العلامة علي بن أحمد الحداد: “من كفَّر أهل بلد لوجود القباب فقد كفَّر المتقدمين والمتأخرين من العلماء والصالحين، وخالف الإجماع السكوتي”.
فالتكفير هنا: اعتداء على تاريخ الأمة، واتهام لعلمائها، وإلغاء لعمل المسلمين عبر القرون

خاتمة
يتبين من مجموع النصوص والأقوال:

أن بناء القباب على قبور الأولياء والصالحين جائز شرعًا
ولم يقل أحد من أئمة الإسلام بتحريمه تحريمًا مطلقًا
وأن المنع إنما هو سدًّا للذريعة عند خوف الشرك، لا في ذاته

فالواجب:
التمييز بين المشروع والممنوع، والحذر من إطلاق الأحكام بغير علم، وحفظ تراث الأمة من التشويه باسم التوحيد
“وما كان الله ليجمع هذه الأمة على ضلالة”