خطبة تَحْتَ عٌنْوَانْ “قِيمَةُ الِاحْتِرَامِ.. مِعْرَاجُ الرُّقِيِّ الْإِنْسَانِيِّ (وَفَضْلُ التَّبَرُّعِ بِالدَّمِ)” للشيخ : أَحْمَدَ إِسْمَاعِيلَ الْفَشَنِيِّ


خطبة تَحْتَ عٌنْوَانْ “قِيمَةُ الِاحْتِرَامِ.. مِعْرَاجُ الرُّقِيِّ الْإِنْسَانِيِّ (وَفَضْلُ التَّبَرُّعِ بِالدَّمِ)”

للشيخ : أَحْمَدَ إِسْمَاعِيلَ الْفَشَنِيِّ
من علماء الأزهر الشريف

عَنَاصِرُ الْخُطْبَةِ:

·        الِاحْتِرَامُ فِي الْمَنْظُورِ الْإِلَهِيِّ وَالْجَمَالِ النَّبَوِيِّ.

·        أَدَبُ الِاحْتِرَامِ دَاخِلَ الْمِحْرَابِ الْأُسْرِيِّ (نَمَاذِجُ مِنَ الْبِرِّ وَالتَّوْقِيرِ).

·        إِجْلَالُ الْعُلَمَاءِ وَحَمَلَةِ الْقُرْآنِ (سِيَرُ السَّلَفِ فِي أَدَبِ الطَّلَبِ).

·        فَنُّ الِاحْتِرَامِ مَعَ الْمُخَالِفِ وَأَثَرُهُ فِي بِنَاءِ الْأَوْطَانِ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: التَّبَرُّعُ بِالدَّمِ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ وَإِحْيَاءٌ لِلْعَالَمِينَ

(الْمَوْضُـــــــــــوعُ)

(الْخُطْبَةُ الْأُولَى) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الَّذِي جَعَلَ الْأَخْلَاقَ لِلْأَرْوَاحِ عِمَاداً، وَالِاحْتِرَامَ لِلْمُجْتَمَعَاتِ سِيَاجاً، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَهُوَ الْكَرِيمُ الَّذِي كَرَّمَ الْإِنْسَانَ وَفَضَّلَهُ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلاً، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، جَعَلَ التَّقْوَى مِيزَانَ التَّفَاضُلِ، وَالْأَدَبَ سَبِيلَ التَّوَاصُلِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، فَكَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ، وَكَانَ فِي تَعَامُلِهِ مَعَ الْخَلْقِ آيَةً فِي الِاحْتِرَامِ وَالْإِحْسَانِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ.. فَيَا عِبَادَ اللَّهِ:أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَهِيَ مِفْتَاحُ كُلِّ فَلَاحٍ. وَاعْلَمُوا أَنَّ الِاحْتِرَامَ هُوَ جَوْهَرُ الدِّينِ؛ فَمَا الدِّينُ إِلَّا مُعَامَلَةٌ، وَمَا الْمُعَامَلَةُ إِلَّا رِعَايَةٌ لِحُقُوقِ الْآخَرِينَ وَتَوْقِيرٌ لِأَقْدَارِهِمْ.

الْعُنْصُرُ الْأَوَّلُ: الِاحْتِرَامُ فِي الْمَنْظُورِ الْإِلَهِيِّ وَالْجَمَالِ النَّبَوِيِّ : أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ، لَقَدْ أَرَّسَى الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ قَاعِدَةَ الِاحْتِرَامِ حِينَ قَالَ رَبُّنَا: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً}. لَمْ يَقُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ فَقَطْ، بَلْ لِكُلِّ “النَّاسِ”. فَالِاحْتِرَامُ عِبَادَةٌ نَتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَإِذَا نَظَرْنَا فِي سِيرَةِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَجَدْنَاهُ قِمَّةً فِي الِاحْتِرَامِ حَتَّى مَعَ مَنْ خَالَفُوهُ أَوْ أَسَاؤُوا إِلَيْهِ.

 * قِصَّةُ الْأَعْرَابِيِّ فِي الْمَسْجِدِ: ذَكَرَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ أَنَّ أَعْرَابِيًّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَبَالَ فِيهِ، فَهَمَّ النَّاسُ أَنْ يَقَعُوا بِهِ، فَقَالَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكُلِّ رِفْقٍ وَاحْتِرَامٍ لِطَبِيعَةِ جَهْلِ الرَّجُلِ: “دَعُوهُ وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ.. فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ”. لَمْ يَهِنْهُ، وَلَمْ يَجْرَحْ مَشَاعِرَهُ، بَلْ عَلَّمَهُ بِالِاحْتِرَامِ مَا لَمْ يَتَعَلَّمْهُ بِالزَّجْرِ.

 * مَوْقِفٌ مَعَ الْمَرْأَةِ الضَّعِيفَةِ: كَانَ ﷺ تَقِفُ لَهُ الْمَرْأَةُ الضَّعِيفَةُ فِي طُرُقَاتِ الْمَدِينَةِ، فَيَقِفُ لَهَا طَوِيلاً يَسْتَمِعُ لِحَاجَتِهَا، لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى تَكُونَ هِيَ الَّتِي تَنْصَرِفُ. هَذَا هُوَ الِاحْتِرَامُ لِلْإِنْسَانِ، مَهْمَا ضَعُفَ قَدْرُهُ فِي عُيُونِ النَّاسِ.

نَصِيحَةٌ عَمَلِيَّةٌ: «اجْعَلْ قَاعِدَتَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تُعْطِيَ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ مِنَ التَّقْدِيرِ، وَتَذَكَّرْ أَنَّ الْكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ صَدَقَةٌ، وَأَنَّ رُقِيَّكَ فِي كَلَامِكَ هُوَ أَصْدَقُ تَعْبِيرٍ عَنْ إِيمَانِكَ.»

الْعُنْصُرُ الثَّاني: أَدَبُ الِاحْتِرَامِ دَاخِلَ الْمِحْرَابِ الْأُسْرِيِّ : إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي يُبْنَى عَلَى الِاحْتِرَامِ هُوَ جَنَّةٌ تَعْجِيلِيَّةٌ فِي الدُّنْيَا. لَقَدْ أَمَرَنَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَجَعَلَ قِمَّةَ هَذَا الْبِرِّ هِيَ “الِاحْتِرَامُ اللَّفْظِيُّ وَالْمَعْنَوِيُّ”.

 * قِصَّةُ سَيِّدِنَا الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ: ذَكَرَ الْإِمَامُ ابْنُ الْجَوْزِيُّ فِي “صِفَةِ الصَّفْوَةِ” عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا جَلَسُوا مَعَ آبَائِهِمْ نَكَسُوا رُؤُوسَهُمْ كَأَنَّ عَلَى رُؤُوسِهِمُ الطَّيْرَ، إِجْلَالاً وَاحْتِرَاماً. وَكَانَ سَيِّدُنَا ابْنُ سِيرِينَ إِذَا كَانَ عِنْدَ أُمِّهِ يَتَضَرَّعُ، فَإِذَا رَآهُ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ ظَنَّ أَنَّ بِهِ مَرَضاً، وَمَا بِهِ إِلَّا التَّذَلُّلُ لِأُمِّهِ احْتِرَاماً لَهَا.

 * الِاحْتِرَامُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ: كَانَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَحْتَرِمُ مَشَاعِرَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ سَيِّدَتِنَا خَدِيجَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا) حَتَّى بَعْدَ وَفَاتِهَا، فَكَانَ إِذَا ذَبَحَ الشَّاةَ يَقُولُ: “أَرْسِلُوا بِهَا إِلَى صَدَائِقِ خَدِيجَةَ” (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). هَذَا هُوَ الِاحْتِرَامُ الَّذِي يُبْقِي الْمَوَدَّةَ حَيَّةً حَتَّى بَعْدَ الرَّحِيلِ.

نَصِيحَةٌ عَمَلِيَّةٌ: «تَجَنَّبْ رَفْعَ صَوْتِكَ فِي بَيْتِكَ، وَاجْعَلِ الِاحْتِرَامَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ زَوْجَتِكَ وَأَبْنَائِكَ ثَقَافَةً يَوْمِيَّةً؛ فَأَبْنَاؤُكَ لَنْ يَتَعَلَّمُوا الِاحْتِرَامَ مِنَ الْكُتُبِ، بَلْ سَيَتَعَلَّمُونَهُ مِمَّا يَرَوْنَهُ مِنْكَ مَعَ أُمِّهِمْ وَجَدِّهِمْ.»

الْعُنْصُرُ الثَّالِثُ: إِجْلَالُ الْعُلَمَاءِ وَحَمَلَةِ الْقُرْآنِ : لَا يَعْرِفُ قَدْرَ الْعِلْمِ إِلَّا مَنْ عَرَفَ قَدْرَ الْعُلَمَاءِ. لَقَدْ تَرَبَّى سَلَفُنَا الصَّالِحُ عَلَى تَوْقِيرِ مَنْ عَلَّمَهُمْ وَلَوْ حَرْفاً.

 * قِصَّةُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ مَعَ شَيْخِهِ: يَقُولُ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ (رَحِمَهُ اللَّهُ): “مَا كُنْتُ أَشْرَبُ الْمَاءَ وَالْإِمَامُ مَالِكٌ يَنْظُرُ إِلَيَّ هَيْبَةً لَهُ” (سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ لِلذَّهَبِيِّ). انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْأَدَبِ الْجَمِّ! الشَّافِعِيُّ الْجَبَلُ الْأَشَمُّ كَانَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَشْرَبَ الْمَاءَ أَمَامَ أُسْتَاذِهِ.

 * مَوْقِفُ سَيِّدِنَا عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: كَانَ إِذَا جَلَسَ مَعَ الْعُلَمَاءِ كَانَ كَأَنَّهُ طَالِبٌ مُبْتَدِئٌ، مَعَ أَنَّهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَانَ يَقُولُ: “إِنَّمَا الْعُلَمَاءُ وُرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، فَاحْتَرِمُوا فِيهِمْ نُورَ النُّبُوَّةِ”.

وَفِي قِيمَةِ الْمُعَلِّمِ يَقُولُ الشَّاعِرُ أَمِيرُ الشُّعَرَاءِ:

قُمْ لِلْمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَّبْجِيلَا .. كَادَ الْمُعَلِّمُ أَنْ يَكُونَ رَسُولَا

أَعَلِمْتَ أَشْرَفَ أَوْ أَجَلَّ مِنَ الَّذِي .. يَبْنِي وَيُنْشِئُ أَنْفُساً وَعُقُولَا

نَصِيحَةٌ عَمَلِيَّةٌ: «إِذَا جَلَسْتَ فِي مَجْلِسِ عِلْمٍ، فَأَصْغِ بِقَلْبِكَ قَبْلَ أُذُنِكَ، وَلَا تَنْتَقِدْ أَوْ تُجَادِلْ بِمَا يُقَلِّلُ مِنْ شَأْنِ صَاحِبِ الْمَجْلِسِ، فَإِنَّ بَرَكَةَ الْعِلْمِ تُنَالُ بِالتَّوَاضُعِ وَالِاحْتِرَامِ.»

الْعُنْصُرُ الرَّابِعُ: فَنُّ الِاحْتِرَامِ مَعَ الْمُخَالِفِ وَبِنَاءُ الْأَوْطَانِ : إِنَّ الِاحْتِرَامَ الْحَقِيقِيَّ يَتَجَلَّى حِينَ نَخْتَلِفُ. الِاخْتِلَافُ سُنَّةٌ كَوْنِيَّةٌ، لَكِنَّ التَّصَادُمَ وَالِازْدِرَاءَ جَهْلٌ وَتَخَلُّفٌ.

 * قِصَّةُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَيُونُسَ الصَّدَفِيِّ: اخْتَلَفَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ مَعَ يُونُسَ فِي مَسْأَلَةٍ فِقْهِيَّةٍ، فَغَضِبَ يُونُسُ وَقَامَ، فَلَحِقَ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِي مَنْزِلِهِ، وَأَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ: “يَا أَبَا مُوسَى، أَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ نَكُونَ إِخْوَاناً وَإِنْ لَمْ نَتَّفِقْ فِي مَسْأَلَةٍ؟” (رَوَاهَا الذَّهَبِيُّ). هَذَا هُوَ الِاحْتِرَامُ الْأَزْهَرِيُّ الَّذِي نَتَبَنَّاهُ؛ نَحْتَرِمُ الشَّخْصَ وَإِنْ خَالَفْنَا فِي الْقَوْلِ.

 * احْتِرَامُ النِّظَامِ وَالْقَانُونِ: احْتِرَامُ إِشَارَاتِ الْمُرُورِ، وَاحْتِرَامُ الدَّوْرِ فِي الطَّابُورِ، وَاحْتِرَامُ الْمِلْكِيَّةِ الْعَامَّةِ.. كُلُّ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ الِاحْتِرَامِ الَّذِي يَبْنِي الْأَوْطَانَ. فَالَّذِي لَا يَحْتَرِمُ حَقَّ غَيْرِهِ فِي الطَّرِيقِ، نَقَصَ عِنْدَهُ فَهْمُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: “أَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ”.

نَصِيحَةٌ عَمَلِيَّةٌ: «عِنْدَمَا تَخْتَلِفُ مَعَ صَدِيقٍ أَوْ جَارٍ، لَا تَجْعَلْ لِسَانَكَ يَسْبِقُ عَقْلَكَ، وَتَذَكَّرْ أَنَّ كَرَامَةَ الْإِنْسَانِ خَطٌّ أَحْمَرُ، وَأَنَّ مَنْ أَحْفَظَ لِلنَّاسِ كَرَامَتَهُمْ، حَفِظَ اللَّهُ لَهُ كَرَامَتَهُ.» أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.

(الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.

أَمَّا بَعْدُ.. فَيَا عِبَادَ اللَّهِ: مِنْ أَعْلَى مَرَاتِبِ الِاحْتِرَامِ لِلْخَالِقِ هِيَ احْتِرَامُ صُنْعِهِ، وَأَعْظَمُ صُنْعِهِ هِيَ “النَّفْسُ الْبَشَرِيَّةُ”. وَمِنْ هُنَا جَاءَتِ الدَّعْوَةُ لِتَحْقِيقِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}.

الْعُنْصُرُ الْخَامِسُ: التَّبَرُّعُ بِالدَّمِ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ وَإِحْيَاءٌ لِلْعَالَمِينَ : أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، إِنَّ التَّبَرُّعَ بِالدَّمِ لَيْسَ عَمَلاً طِبِّيّاً فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ “قُرْبَةٌ إِيمَانِيَّةٌ” تَنْدَرِجُ تَحْتَ بَابِ إِغَاثَةِ الْمَلْهُوفِ وَتَفْرِيجِ الْكُرُبَاتِ.

 * قِصَّةٌ مُؤَثِّرَةٌ: يُحْكَى أَنَّ أَباً كَانَ يَبْحَثُ عَنْ فَصِيلَةِ دَمٍ نَادِرَةٍ لِابْنَتِهِ الَّتِي تُجْرِي جِرَاحَةً، وَكَادَ الْيَأْسُ يَقْتُلُهُ، فَتَقَدَّمَ شَابٌّ لَا يَعْرِفُهُ، فَتَبَرَّعَ لَهَا، فَلَمَّا أَرَادَ الْأَبُ مُكَافَأَتَهُ، قَالَ الشَّابُّ: “يَا سَيِّدِي، لَقَدْ نَوَيْتُهَا عِنْدَ اللَّهِ صَدَقَةً عَنْ صِحَّتِي، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}، وَدَمِي هُوَ أَعَزُّ مَا أَمْلِكُ”.

 * فَتْوَى وَعِبْرَةٌ: يَرَى عُلَمَاءُ الْأَزْهَرِ وَدُورُ الْإِفْتَاءِ أَنَّ التَّبَرُّعَ بِالدَّمِ عَمَلٌ صَالِحٌ يُؤْجَرُ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُ، لِأَنَّهُ يَبْذُلُ جُزْءاً مِنْ جَسَدِهِ لِإِنْقَاذِ خَلْقِ اللَّهِ. وَقَدْ قَالَ ﷺ: “مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ” (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). فَهَلْ هُنَاكَ كُرْبَةٌ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَقِفَ الْإِنْسَانُ بَيْنَ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ بِسَبَبِ نَقْصِ قَطَرَاتٍ مِنْ دَمٍ؟

نَصِيحَةٌ عَمَلِيَّةٌ: «لَا تَنْتَظِرْ حَتَّى يَقَعَ الْبَلَاءُ بِمَنْ تُحِبُّ لِتَبْحَثَ عَنْ دَمٍ، بَلْ بَادِرْ بِالتَّبَرُّعِ فِي مَرَاكِزِ التَّبَرُّعِ الرَّسْمِيَّةِ، وَاجْعَلْ ذَلِكَ شُكْراً عَمَلِيّاً لِلَّهِ عَلَى صِحَّتِكَ، فَالصَّدَقَةُ بِالْجَسَدِ لَا تَقِلُّ شَأْناً عَنِ الصَّدَقَةِ بِالْمَالِ.»

الدُّعَاءُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ زَيَّنْتَ قُلُوبَهُمْ بِالِاحْتِرَامِ، وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالْإِكْرَامِ. اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا بِرَّ آبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا، وَتَوْقِيرَ عُلَمَائِنَا، وَرَحْمَةَ صِغَارِنَا. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا سَنَداً لِكُلِّ مَحْتَاجٍ، وَمُغِيثاً لِكُلِّ مَلْهُوفٍ. اللَّهُمَّ بَارِكْ فِي دِمَاءِ الْمُتَبَرِّعِينَ، وَاجْعَلْهَا لَهُمْ نُوراً وَشِفَاءً وَبَرَكَةً. اللَّهُمَّ احْفَظْ مِصْرَ كِنَانَتَكَ فِي أَرْضِكَ، وَاجْعَلْهَا وَاحَةً لِلْأَمْنِ وَالْأَمَانِ وَالْمَحَبَّةِ وَالسَّلَامِ. عِبَادَ اللَّهِ، اذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ