اسمُ اللهِ الأعظم: لفظ مخصوص أم حالة قلبية؟


بقلم : د. مصطفى طاهر رضوان

عضو هيئة التدريس في قسم العقيدة والفلسفة
بكلية أصول الدين والدعوة ـ جامعة الأزهر الشَّريف

ما يزال الناسُ – في سائر العصور – يكثرون السؤال عن اسمِ اللهِ الأعظم؛ ذلك الاسم المبارك الذي إذا دُعِيَ به المولى أجاب، وإذا سُئِل به أعطى؛ ولشدَّة تعلُّق القلوب بهذه المسألة، كثرت الأقوال، وتباينت الإجابات، ووقع التباين في تعيين هذا الاسم الشريف، فما حقيقة القول فيه؟ وما الراجح من تلك الاتجاهات المتباينة؟

لقد اختلف العلماء – قديمًا وحديثًا – اختلافًا واسعًا في تحديد هذا الاسم الشريف، ويمكن جمع اختلافهم في اتجاهين كبيرين:

الاتجاه الأول: القائلون بأن الاسم الأعظم لفظٌ معيَّن مخصوص:
يرى أصحاب هذا القول أنَّ للاسم الأعظم خصوصيَّة لفظية، وأنَّه اسمٌ واحد، أو تركيبٌ مخصوص اختصَّ الله به من بين سائر أسمائه؛ غير أنهم اختلفوا اختلافًا بيِّنًا في تعيينه؛ حتى قال الحافظ ابن حجر: إنَّ الأقوال فيه بلغت أربعة عشر قولًا ، وعدَّ البيضاوي في شرحه للأسماء الحسنى ثلاثة عشر قولًا ، وأحصى السيوطي عشرين قولًا ، وجمع الشوكاني في «تحفة الذاكرين» ما يربو على أربعين قولًا .

وقد قُدِّم لهذا الاسم عددٌ من الألفاظ، ممَّا تفرَّق في الآثار وتنوَّع في الروايات، فمنها:

1. القول بأن الاسم الأعظم هو لفظ الجلالة «اللَّه»:

ذهب طوائفُ من أهل العلم إلى أنَّ اسم الجلالة «اللَّه» هو الاسمُ الأعظمُ نفسُه؛ إذ لم يرد في حديثٍ من أحاديث الاسم الأعظم إلا واقترن بهذا الاسم الشريف، ولِما يرونه فيه من دلالةٍ على الذات الإلهية الجامعة لصفات الكمال كلها، المستجمعة لمعاني العظمة والجلال.

قال الشريف الجرجاني: «الاسمُ الجامع لجميع الأسماء هو الله؛ لأنَّه اسمُ الذات الموصوفة بجميع الصفات، المسماة بجميع الأسماء… وهو اسمُ الذات الإلهية من حيث هي هي، المطلقة الصادقة عليها مع جميع الصفات أو بعضها، أو منفردةً عنها، كقوله تعالى: ” قُلۡ ‌هُوَ ‌ٱللَّهُ ‌أَحَدٌ ” [الإخلاص: 1]».

وقال ابن أمير حاج ناقلًا عن الإمام محمد بن الحسن: «سمعتُ أبا حنيفة رحمه الله يقول: اسم الله الأعظم هو الله»، وبه قال الطحاوي وجماعة من العلماء وأكثر العارفين .

وقال أبو البقاء الفتوحي الحنبلي موضِّحًا مكانته: إنَّ اسم «الله» عَلَمٌ للذات، مختصٌّ بها، جامعٌ لجميع الأسماء الحسنى، وهو – عند أكثر أهل العلم – الاسم الأعظم الموصوف بجميع المحامد .

وقال الشربيني الشافعي مؤكِّدًا: «وعند المحققين أنَّ اسم الجلالة هو الاسم الأعظم، وقد ورد في القرآن في ألفين وثلاثمائة وستين موضعًا» .

ولفظ «الله» يحمل خصائص فريدة لا يشترك فيها غيره، منها:

• عَلَمٌ للذات الإلهية: فهو اسم مختص بالذات الإلهية، جامع لجميع صفات الكمال، ومميز لله عن سائر المخلوقات.

• جامع لجميع الأسماء الحسنى: إذ يدل على الذات الإلهية بكل صفاتها، وهو الاسم الجامع لكل صفات الكمال، ومنبثق منه نور كل أسماء الله الحسنى.

• يُنادى به بـ«يا»: على خلاف بعض الأسماء المعرّفة بـ«أل» التي قد لا تُنادى مباشرة، فيتجلَّى عند النداء حضور الاسم وعظمته في القلب واللسان.

• ألفه تُقطع في النداء: كما في قولنا: «يا ألله»، لتفخيم الاسم وإبراز الجلال والهيبة.

• الميم في «اللهم» تعوّض عن حرف النداء: إذ يُستعمل لاستحضار الاسم عند الدعاء، فتحول الكلمة إلى صرخة قلبية متوجِّهة إلى رب العالمين.

التاء تدخل عليه في القسم: كما في قولنا: «تالله»، بينما لا يُقال: «تالرَّحمن»، لتظهر عظمة الاسم وإجلاله في سياق القسم.

• يبقى مجرورًا بعد حذف حرف القسم: فهو ثابت الإعراب والتعظيم حتى بعد إسقاط التاء، محتفظًا بجلاله وعظمته المطلقة.

• لامه تُفخَّم دون سائر الأسماء: لتدلُّ على الجلال والعظمة المطلقة لله، فتتجلَّى الهيبة في النطق، ويتوجَّس القلب من عظمة الموصوف.

• اسم الذات المطلقة: يدل على الله تعالى من حيث هو هو، مطلق الذات، منزَّه عن أي نقص أو شريك، جامع صفات الكمال كلها، منزه عن مشابهة المخلوقين.

• دخل في جميع العبادات والتوحيد: فلا صحة لعبادة أو دعاء إلا وهو حاضر فيها، وله في القرآن الكريم أكثر من ألفَي موضع، شاهداً على عظمة الاسم وعظمتها المطلقة في كل مظاهر العبادة والخشوع.

2ـ القول بأن الاسم الأعظم هو «الحي القيوم»:
ذهب طائفة من أهل العلم إلى أنَّ اسم الله الأعظم هو «الحيُّ القيُّوم»؛ إذ أن صفة الحياة جامعة لصفات الكمال كلها، لازمة لها، وأن صفة القيوميَّة متضمِّنة لصفات الأفعال جميعًا، ولأجل ذلك كان هذان الاسمان هما الاسم الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئل به أعطى ، استدلالًا بقول النبي ﷺ لأُبَيِّ بن كعب: «ما أعظمُ آيةٍ في كتاب الله؟» فقال: ” ٱللَّهُ ‌لَآ ‌إِلَٰهَ ‌إِلَّا ‌هُوَ ‌ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُۚ ” [البقرة: 255]، فقال له: «ليَهْنِكَ العلمُ يا أبا المنذر»؛ ولِما في هذين الاسمين من الدلالة على العظمة والكبرياء والإلهية دلالةً لا يشاركهما فيها غيرهما.

3ـ القول بأن الاسم الأعظم هو «ذو الجلال والكرام»:
وقال فريق آخر: إن الاسم الأعظم هو «ذو الجلال والإكرام»، مستشهدين بقول النبي ﷺ: «ألِظُّوا بـ(يا ذا الجلال والإكرام)» ؛ أي: الزموا هذا الاسم، وأكثروا من دعائكم به، وقد كان ﷺ في شدائده يفزع إلى ربِّه، ويتضرَّع إليه بهذا الاسم الجليل، وهو اسم جامع لصفات العظمة والجلال والجمال، دالٌّ على القرب والبعد، والظهور والبطون، وما يليق بجلال الإلهية.

4ـ الاسم الأعظم: شهادة التوحيد مضموم إليها سورة الإخلاص:
رُوي أن النبي ﷺ سمع رجلًا يقول في دعائه: «اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله، لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد»، فقال ﷺ: «لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب».

5ـ القول بأن الاسم الأعظم مختبأ في بعض السور والآيات:
ومن ذلك حديث أسماء بنت يزيد أن النبي ﷺ قال: «اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: “وَإِلَٰهُكُمۡ ‌إِلَٰهٞ ‌وَٰحِدٞۖ ‌لَّآ ‌إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلرَّحۡمَٰنُ ٱلرَّحِيمُ ١٦٣” [البقرة: 163]، وصدْرُ آل عمران: “الٓمٓ * ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ‌ٱلۡحَيُّ ‌ٱلۡقَيُّومُ ” [آل عمران: 1-2]»

6ـ القول بأن الاسم الأعظم محدَّد ومعيَّن، لكنه محجوب عن الخلق جميعًا:
وقال آخرون: إن الاسم الأعظم اسم معيَّن، لكنه محجوب عن الخلق، لا يعلمه أحد؛ ليبقى الداعي ملازمًا لجميع الأسماء الحسنى، مجتهدًا في الذكر والابتهال، وقد جرت سنة الله في إخفاء بعض الأمور لحكمةٍ بالغة؛ فأخفى الصلاة الوسطى، وأخفى ليلة القدر، وأخفى ساعة الإجابة يوم الجمعة، وأخفى وقت الموت، كما أخفى الاسم الأعظم، ليظلَّ العبدُ على حذرٍ ويقظةٍ واجتهاد.

وقال آخرون: يمكن لبعض من اصطفاهم الله واختارهم أن يطلعوا على اسم الله الأعظم، مثل ما ورد في قصة سليمان عليه السلام حين سأل عن إحضار عرش بلقيس، قال تعالى: ﵟقَالَ ٱلَّذِي عِندَهُۥ عِلۡمٞ مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ ‌قَبۡلَ ‌أَن ‌يَرۡتَدَّ إِلَيۡكَ طَرۡفُكَۚﵞ [النمل: 40]، وقد جاء في بعض الروايات أن الذي جاء بالعرش هو آصف بن برخيا وزير سليمان، وأنه إنما قدر على ذلك لعلمه حرفًا واحدًا من حروف الاسم الأعظم.

7ـ أقوال أخرى في تعيين الاسم الأعظم:
وقال آخرون: هو (الرحمن الرحيم)، وهو (الودود ذو العرش المجيد)، وهو (الأحد الصمد)، وهو (الحنَّان المنان بديع السماوات والأرض ذو الجلال والإكرام الحي القيوم)، وهو (مالك الملك)، وهو (دعوة ذي النُّون: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)، وأنَّه موجودٌ في كلمة التوحيد، وفي سورة الإخلاص، وأنه مستورٌ في مجموع الأسماء الحسنى وفي الحروف المقطَّعة، وغيرِ ذلك من الأقوال التي تدلُّ على تحرِّي العلماء والصَّالحين، وسعيهم الصَّادق لمعرفة الاسم الأعظم؛ ليتقرَّبوا إلى الله- عزَّ وجلَّ- به، وكل منهم له مستند في قوله، واستدلال على رأيه.

الاتجاه الثاني: القائلون بأن الاسم الأعظم ليس لفظًا معيَّنًا:
يرى أصحاب هذا الاتجاه أنَّ الاسم الأعظم ليس كلمةً مخصوصةً، ولا لفظًا بعينه، بل هو جنسٌ يندرج تحته كلُّ اسمٍ من أسماء الله تعالى إذا دلَّ – منفردًا أو مقرونًا بغيره – على معاني صفاته الذاتية والفعلية، أو استجمع في القلب شهودَ العظمة والكمال، فاسم الله اسمٌ أعظم، واسم الصمد أعظم، واسم الحي القيوم كذلك، واسم الحميد المجيد، والكبير العظيم، والمحيط… فكلُّ اسمٍ دلَّ على كمالٍ إلهيٍّ جامعٍ فهو من الاسم الأعظم عندهم.

وذهب فريق إلى أن المراد بالاسم الأعظم حالةٌ قلبيَّة يبلغ فيها العبدُ مقامَ الافتقار التامِّ والاستغراق في هيبة الله وجلاله، فإذا دعا الله وهو في تلك الحالة استُجيب له، شأنُ دعوةِ المضطرِّ إذا انقطع رجاؤه من كلِّ ما سواه، فليس هناك اسمٌ مخصوصٌ يُتعبَّد بتعيينه، بل الاسم الأعظم هو الاسم الذي يذكره العبدُ عند صفاءِ قلبه، وصدقِ توكُّلِه، وانقطاعِ نظره عن الخلق أجمعين، وكلُّ اسمٍ يُذكَر على هذا الوجه فهو – في تلك اللحظة – الاسمُ الأعظم.

وقد نقل ابن حجر أنَّ قومًا أنكروا تعيين الاسم الأعظم، منهم: أبو جعفر الطبري، وأبو الحسن الأشعري، ومن جاء بعدهما كأبي حاتم بن حبان، والقاضي أبي بكر الباقلاني، وقالوا: لا يجوز تفضيل بعض أسماء الله على بعض؛ إذ التفضيل يوهم نقصَ المفضول، كما نُسب إلى الإمام مالك كراهيةُ تكرار سورةٍ بعينها لئلَّا يُظنُّ أنَّ بعضها أفضل من بعض.

وحملوا ما ورد من لفظ «الأعظم» على معنى العظيم، أي أنَّ جميع أسماء الله عظيمة؛ فيصحُّ وصف كلَّ واحدٍ منها بالعظمة، وعبارة أبي جعفر الطبري: «اختلفت الآثار في تعيين الاسم الأعظم، والذي عندي أنَّ الأقوال كلها صحيحة؛ إذ لم يرد في خبرٍ منها أنه الاسم الأعظم ولا شيء أعظم منه»، فكأنَّه يقول: كلُّ اسمٍ من أسماء الله يمكن وصفه بالعظمة، فيرجع الأمر إلى معنى العظيم لا إلى تعيينٍ مخصوص

وساق الإمام الرازي ثلاث حجج لهذا الفريق، هي:
1ـ ـ أنَّ الاسم لفظٌ مركَّبٌ من حروفٍ اصطلح الناس على جعله علامةً للمسمَّى، فلا يكون له – في ذاته – فضلٌ أو شرف، وإنما شرفه بشرف المسمَّى، والمسمَّى هو الله تعالى، وهو أشرف الموجودات، فكلُّ اسمٍ ذُكر به العبدُ ربَّه مع المعرفة بعظمته فهو – حينئذ – الاسم الأعظم.

2ـ أنَّ الله تعالى فردٌ أحدٌ منزّهٌ عن التركيب، فمحالٌ أن يُقال: بعض أسمائه يدلُّ على جزءٍ أشرف من ذاته، وبعضها على جزء ليس كذلك؛ إذ ليس في ذاته أجزاء ولا تركيب، وكلُّ أسمائه دالَّة على ذاته الواحدة، فإذا استوت في الدلالة استحال تفضيل بعضها على بعض.

3ـ الآثار المروية التي تُشير إلى أنَّ سرَّ الاسم الأعظم في حال القلب لا في اللفظ، ومن أشهرها ما رُوي أنَّ رجلًا سأل جعفر الصادق عن الاسم الأعظم، فأمره بالاغتسال في حوضٍ في زمهرير الشتاء، ثم أمر أصحابه أن يمنعوه من الخروج، حتى ظنَّ الرجلُ أنّهم يريدون قتله، فتضرَّع إلى الله تضرُّعًا خالصًا لا شائبة فيه، فأخرجوه وأكرموه، ثم قال لجعفر: علِّمني الاسم الأعظم، فقال له جعفر: «لقد دعوتَ به فأُجبت»، قال: وكيف ذلك؟ فقال: إن كل اسم من أسمائه تعالى يكون في غاية العظمة إلا أن الإنسان إذا ذكر اسم الله عند تعلق القلب بغير الله لم ينتفع به، وإذا ذكره عند انقطاع طمعه من غير الله كان ذلك الاسم الأعظم، وأنت لما غلب على ظنك أنا نقتلك لم يبق تعويل إلا على فضل الله، ففي تلك الحالة: أي اسم ذكرته فإن ذلك الاسم هو الاسم الأعظم».

وقريبٌ من ذلك ما يُروى عن موسى عليه السلام حين اشتكى وجع أسنانه، فأمره الله بعشبةٍ يضعها على ضرْسه، ففعل فزال الألم، ثم عاوده الوجع فوضع العشبة من تلقاء نفسه فاشتدَّ الألم، فناجى ربَّه، فأوحى إليه: «يا موسى، أنا الشَّافي، وأنا العافي، وأنا الضَّار، وأنا النَّافع، قصدتني الكَرَّةَ الأولى فأزلتُ مرضَك، وقصدتَ العشبةَ في الثانية فخلَّيتُك وما قصدتَ»، والمعنى: أنَّ الشفاء من الله لا من الأسباب، وأنَّ الإخلاص في الدعاء هو مفتاح الإجابة، وأنَّ الاسم الأعظم هو ما امتلأ به القلبُ تعظيمًا لله وخشيةً ورجاءً.

ويروى أنَّ رجلًا سأل أحد الصالحين عن الاسم الأعظم، فقال له: «ليس له حدٌّ محدود، ولكن فَرِّغْ قلبك لله، فإذا صفا قلبك فاذكر أيَّ اسم شئت».

وضاع ولدٌ لامرأة، فذهبت إلى الإمام الجنيد تستنجد بدعائه، فردَّها إلى الصبر، ثم عادت مرارًا، فلما جاءته وقد نفد صبرها، قال لها: «ارجعي إلى بيتك، فإنَّ ابنك قد عاد»، فوجدته كما قال، فسُئل الجنيد: بم عرفت؟ قال: “أَمَّن ‌يُجِيبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ” [النمل: 62]؛ فكلَّما كان انقطاع القلب عن الخلق أكمل، كان الاسم الذي يذكر به العبد ربَّه – في تلك اللحظة – أعظم الأسماء في حقه.

وبهذا يظهر أنَّ هذا الاتجاه يجعل العظمة في حضور القلب لا في تعيين اللفظ، وأنَّ الأسماء الإلهية كلها عظيمة، لكنَّ الاسم الأعظم هو الاسم الذي يوافق حالًا من الصدق والافتقار والانقطاع إلى الله.

وحتى النصوص الشرعية التي استند إليها أصحاب الاتجاه الأول فإنها ـ وفقًا لأصحاب الاتجاه الثاني ـ تؤكِّد أنَّ الاسم الأعظم لم يُحصر في لفظٍ واحد، فقد ورد في صيغٍ متعددة دون التزام بعبارة محددة، مما يؤكد الاتجاه القائل بأنَّ العظمة في حال الداعي لا في لفظٍ بعينه؛ فالشرعُ الحنيف لم يُلزم بلفظٍ خاصّ للاسم الأعظم، بل تعددت صِيَغُه الواردة، مما يرجِّح أنَّه مرتبطٌ بحال الداعي: انقطاع القلب عن الخلق، وتعظيم الصلة بالله، وصدق الرجاء، وجمع القلب على التوحيد والخشية؛ فحيثما تحقَّقت هذه الحال، كان الاسم الذي يُدعى به هو الاسم الأعظم في حقّ الداعي.

وهذا الاتجاه الثاني هو القول الجامع للأقوال؛ إذ إن اسم الله الأعظم، كاسم الله الأحسن، ليس محدَّدًا بلفظٍ واحد، بل هو اسم جنس واسع يغشى جميع أسمائه الحسنى، فكما أنَّ لله أكثر من اسم أحسن، وليس اسمًا أحسن واحدًا، فكذلك له أكثر من اسم أعظم، وليس اسمًا أعظم واحدًا، وجميعها حسنى لا يضاهى جمالها ولا يحصى إشراقها، فإذا وُجد الاسم الأحسن مقرونًا بالتوحيد، تحقق حينئذٍ في القلب الاسم الأعظم، فتسمو الروح وتعلو النفس، وتتجلَّى قدرة الله في كل حرفٍ يذكر به العبد ربه.

والمسلم إذ يسأل الله حاجته، ويُلحُّ في الدعاء بإخلاصٍ ينبع من أعماق القلب، ويحسن الظنَّ بمولاه، ويستحضر أسباب الإجابة، ويتوكَّل على الرب الرحيم، ويرضى بما قسم له، يكون مستحقًّا للإجابة؛ فإن الله تعالى قد قال: “وَقَالَ ‌رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ” [غافر: 60]، وهذه الكلمة نورٌ يقطع الظلام والشكَّ، ودليلٌ صريح على أنَّ الإجابة متحققة بإذن الله عند توافر شروط الدعاء وانقضاء الموانع؛ فحين ينقطع القلب عن كلِّ ما سوى الله، ويذوب فيه الوجود، ويصغر كل ما عداه، يكون الاسم الأعظم حاضرًا في الدعاء، لا لفظًا فحسب، بل معنىً وروحًا وجلالًا، يتجلَّى للعبد إذ يرفع يديه ويخشع قلبه.

والمسلم يدعو الله بجميع أسمائه الحسنى، ويختار منها ما يوافق حاجته، مستشعرًا في قلبه روح الاسم وبهاءه، متعلِّقًا بالرحمن الرحيم، الحي القيوم، ذو الجلال والإكرام، كما قال سبحانه: “وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ ‌فَٱدۡعُوهُ ‌بِهَاۖ ” [الأعراف: 180]، وقال عزَّ من قائل: ” قُلِ ٱدۡعُواْ ٱللَّهَ ‌أَوِ ‌ٱدۡعُواْ ‌ٱلرَّحۡمَٰنَۖ أَيّٗا مَّا تَدۡعُواْ فَلَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ ” [الإسراء: 110].

فكلُّ دعاءٍ خالصٍ، مستشعرٍ لجلال الله وكماله، متصلٍ به وحده منقطعًا عن سواه، هو الاسم الأعظم في حقِّ الداعي، مهما اختلفت الألفاظ، وتعددت المعاني، وعظمت في القلب منزلة التعلق بالله وحده، فتشعر الروح حينها بأن السماء قد انفتحت، وأن الله قريب، وأن رحمته تفيض على كل محتاجٍ، وأن كل همٍّ وزوال كربٍّ صار قابلاً للتفريج بقدرته جلَّت قدرته وعظمت.