تابع القياس عند الأصوليين(19)
4 يناير، 2026
العلم والعلماء

بقلم فضيلة الشيخ : أبو بكر الجندى
إمام وخطيب بوزارة الأوقاف
تنقيح المناط من مسالك العلة على رأى بعض الأصوليين، وهو في اصطلاحهم: تهذيب العلة مما علق بها من الأوصاف التي لا مدخل لها في العِلِّيَّة، أي أن النص يرد مشتملاً على العِلِّيَّة مقترناً بها بعض الأوصاف التي لا علاقة لها بالحكم ولا علته، والنص لم يدل على العلة بعينها، وذلك كحديث الأعرابي الذي وَاقَعَ زوجته عمداً في نهار رمضان فأُمر بالكفاراة، فدل الحديث على علة الحكم، ولكن لم يحدد وصفاً معيناً أنه هو العلة، فالنص اشتمل على العلة لكن غير مهذبة، فيأتي المجتهد ويخلّص العلة الحقيقية مما اقترن بها أو علق بها، مثل كون المُجَامع عربياً، أو أن الواقعة حصلت في المدينة، أو كان الجماع في تلك السنة بعينها، فيستبعد المجتهد هذه الأوصاف ويصل بعد ذلك إلى أن علة الحكم بوجوب الكفارة هي الوقاع عمداً في نهار رمضان، وهذا ما ذهب إليه الشافعي ومن وافقه.
تخريج المناط وهو: استنباط العلة غير المنصوص أو المجمع عليها بأي طريق من الطرق التعرف عليها، مثل التوصل إلى أن علة إيجاب القصاص في القتل العمد, وهو القتل بآلة من شأنها إزهاق الروح، فيثبت حكم القصاص في كل وقت إذا تم بآلة من شأنها أن تقتل عادة.
تحقيق المناط وهو: البحث والنظر عن وجود علة الأصل في الفرع، كما في علة اعتزال النساء في المحيض هو الأذى، فينظر المجتهد في تحقيق هذه العلة في النفاس، فإذا رآها موجودة أجرى فيه القياس، وعدى حكم الأصل إلى الفرع، والفرق بين تحقيق المناط وتخريجه وتحقيقه أن الأولين في الأصل والأخير في الفرع.
أقسام القياس:
الأول: القياس الأولى، وهو ما كانت علة الفرع أقوى منها في الأصل، فيكون ثبوت حكم الأصل للفرع أولى من ثبوته للأصل بطريق أولى، كقوله تعالى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ}[الإسراء: 23]، فالنص حرم التأفف، والعلة ما في هذا اللفظ من الإيذاء، وهذه العلة موجودة في ضربهما بشكل أقوى، وأيضًا النهي عن نكاح المتزوجة قياسًا على النهي عن خطبة المخطوبة.
الثاني: القياس المساوي، وهو وجود العلة في الأصل والفرع بقدر واحد، كما في تحريم إحراق مال اليتيم ظلمًا قياسًا على أكله المنصوص عليه في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا}[النساء: 10]، والجامع بين الأصل والفرع هو: الاعتداء على مال اليتيم.
الثالث: القياس الأدنى هو ما كان عِلَّةُ الفرع أضعفَ منها في الأصل، وإن كان الاثنان متساويين في تحقيق أصل المعنى الذي به صار الوصف علةً، كالاسكار فهو علة تحريم الخمر، ولكن قد يكون على نحو أضعف في نبيذ آخر، وإن كان في الاثنين صفة الاسكار.
حجية القياس.
القائلون بحجية القياس هم جمهور الفقهاء، وخالف في ذلك الظاهرية وبعض المعتزلة والجعفرية, واحتج الجمهور بما يلي:
ـ قوله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ}[الحشر: 2]، وأن الاعتبار هو الانتقال من الشيء إلى غيره، والقياس من أفراد الاعتبار، وما القياس إلا انتقال بالحكم من المقيس عليه إلى المقيس، فيكون القياس مشروعاً ومأمورًا به.
ـ حديث معاذ لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قاضيًا، قال: “بما تقضي بينهم يا معاذ؟”، قال: بالكتاب، ثم بالسنة، ثم بالاجتهاد، فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على الترتيب، وما القياس إلا نوع من أنواع الاجتهاد بالرأي، فيكون مشروعًا ودليلًا من أدلة الأحكام.
ـ قول رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أمي نذرت أن تحج وأنها ماتت، أفأحج عنها؟ قال: “لو كان عليها دين أكنت تقضيه عنها؟” قال: نعم، قال: “فاقض فالله أحق بالقضاء، فقاس النبي صلى الله عليه وسلم دين الله على دين العباد, مما يدل على حجية القياس.
ـ قول عمر بن الخطاي للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله قَبِلْتُ، وأنا صائم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “أرأيت لو تمضمضت بالماء؟” فقال: لا بأس، فقال صلى الله عليه وسلم: “أيُّ شيءٍ عليك؟”.
ـ ما ورد من اجتهادات الصحابة القياسية لبعض الأحكام، ومن ذلك أن ابن عباس لما سمع نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام قبل قبضه، قال: أحسبُ كل شيء بمنزلة الطعام.