قبور آل البيت والصالحين بين التبرك بهم والبدعة


بقلم د. ميرنا يونس

 

تُعدّ مسألة زيارة القبور – ولا سيما قبور الأنبياء وآل بيت النبي ﷺ والصالحين – من القضايا التي كثر فيها الكلام، واختلط فيها المشروع بالممنوع، والاتفاق بالخلاف؛ وهذه المقالة تعرض الحكم الشرعي لهذه المسألة عرضًا علميًّا منضبطًا، وفق ما عليه جمهور أهل العلم، مع بيان الضوابط التي تمنع الغلو والانحراف..

أولًا : حكم زيارة القبور عمومًا …
اتفق العلماء على مشروعية زيارة القبور لما فيها من تذكير بالآخرة، والدعاء للأموات
فهي بالنسبة الرجال مندوبة بالإجماع…

وأما النساء: فهي جائزة بلا كراهة عند جمهور الفقهاء، إذا أُمنت الفتنة والتزمَت المرأة بالآداب الشرعية، من ترك النياحة وإظهار الجزع…

ومن أدلة ذلك:
– قوله ﷺ: «كنتُ قد نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها؛ فإنها تذكّر الآخرة»..
والأمر هنا مطلق، والأصل في تفسير النصوص أن يبقى المطلق على إطلاقه فنزور في أي وقت ونزور في أي مكان، بشرط أن تكون هذه الزيارة محفوفة بالأداب، بمعنى ألا تظهر المرأة جزعا ولا حزنا وإنما أن تتعظ وتسلم وتدعو لهؤلاء الموتى وهؤلاء اللذين في القبور
– مرور النبي ﷺ بامرأة تبكي عند قبر صبي لها، فلم ينهها عن الزيارة، وإنما أمرها بالصبر.
– تعليم النبي ﷺ عائشةَ رضي الله عنها ما تقول عند زيارة القبور (السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنَّا إن شاء الله بكم لاحقون)

ثانيًا: حكم زيارة قبور الأنبياء وآل البيت والصالحين

تدخل قبور الأنبياء وآل البيت والصالحين في عموم مشروعية زيارة القبور، بل إن زيارتهم آكد؛ لما لهم من المنزلة والفضل.

كما قال سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه: “وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ الله ﷺ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي”
وقال رضي الله عنه أيضًا : “ارْقُبُوا مُحَمَّدًا ﷺ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ”
وقد دلّ على ذلك:

– من الكتاب الكريم:

قوله تعالى :﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾

فجعلت الآية بناء المسجد على قبور الصالحين التماسًا لبركتهم وآثار عبادتهم أمرًا مشروعًا.

– ومن السنة النبوية الشريفة:

حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبيَّ ﷺ زار قبرَ أمه، فبَكَى وأبكى مَن حولَه، وأخبر أن الله تعالى أذن له في زيارتها، ثم قال: «فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ».
وقد وصَّى النبي ﷺ أمته بآل بيته؛ فعن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: قَامَ رَسُولُ الله ﷺ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَحَمِدَ الله، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ:

«أَمَّا بَعْدُ! أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ الله، فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتَابِ الله وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ» فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ الله وَرَغَّبَ فِيهِ،

ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي؛ أُذَكِّرُكُمُ الله فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ الله فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ الله فِي أَهْلِ بَيْتِي»
– ومن الآثر :
ابن عمر رضي الله عنهما كان إذا قدم من سفر دخل المسجد ثم أتى القبر فقال : “السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه”.
– وعلى ذلك جرى علماء الأمة وفقهاؤها ومحدِّثُوها سلفًا وخلفًا من غير نكير .

ثالثًا: حكم الدعاء عند قبور الأنبياء وآل البيت والصالحين والتبرك بهم ..

١- الدعاء عند القبور:
الدعاء للميت مشروع باتفاق، أما الدعاء عند القبر فذهب جمهور العلماء إلى جوازه؛ لأنه موضع اعتبار ورِقَّة قلب، لا لخصوص ذات القبر.

٢- التبرك بالصالحين:
ذهب جمهور أهل العلم – ومنهم النووي وابن حجر والشوكاني – إلى جواز التبرك بآثار الصالحين، قياسًا على تبرك الصحابة بآثار النبي ﷺ؛

واستدلوا بآيات وأحاديث وآثار معروفة، منها:

– قوله تعالى : {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ}

قال النووي: فهذه الآية فيها دلالة واضحة على جواز التبرك بآثار الصالحين، فإذا أخذت عمامة شيخك أو عصاه أو قميصه لتتبرك بها، جاز لك ذلك.

– وأيضًا فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُرُّ عَلَى قَبْرِ أَخِيهِ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِلَّا رَدَّ اللهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ حَتَّى يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ»

– ومن فعل أهل العلم:
يقول الإمام البيضاوي: يتخذون عليهم مسجدًا لتعود بركة آثارهم وعبادتهم على المصلى ينتفع بمن جاوره.

وروى الخطيب البغدادي بسنده عن الحسن بن إبراهيم أنه قال: «ما همني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر فتوسلت به إلا سهل الله لي ما أحب»

وروى الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخه بإسناده قال: سمعت الشافعي يقول: (إني لأتبرّكُ بأبي حنيفة و أجيء إلى قبره في كل يوم (يعني زائرا) فإذا عرضت لي حاجةٌ صلّيتُ ركعتين وجئتُ إلى قبره وسألت الله تعالى الحاجة عنده، فما تبعد عني حتى تُقضَى) .

ومن الشبهات المردودة:

شبهة حديث ﴿لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد…﴾

كون القبر بجوار المسجد، أو داخله في ساحة غير معدة للصلاة، لا حرج فيها شرعاً، وغير داخلة في الحديث السابق ولو كان القبر جهة القبلة، ما دام جدار المسجد يفصل المسجد عن الضريح ..

قال الإمام المناوي رحمه الله : “أما من اتخذ مسجداً بجوار صالح، أو صلى في مقبرته… فلا حرج عليه”، وكذلك الأمر إذا كان القبر في ساحات المسجد غير المعدة للصلاة.

وقال الإمام المباركفوري رحمه الله : ” تنبيه قال في مجمع البحار : وحديث لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد كانوا يجعلونها قبلة يسجدون إليها في الصلاة كالوثن، وأما من اتخذ مسجدًا في جوار صالح أو صلى في مقبرة قاصدًا به الاستظهار بروحه، أو وصول أثر من أثار عبادته إليه لا التوجه نحوه والتعظيم له، فلا حرج فيه ألا يرى أن مرقد إسماعيل في الحجر في المسجد الحرام والصلاة فيه أفضل”

وعليه؛
١- كان التبرك المحرم والفعل المنهي عنه شرعًا ولا أظن فيه خلافًا هو التوجه للقبر وجعله معظمًا كالقبلة، أو تعظيمه كتعظيم الله تعالى، بل إن تعظيم القبر كتعظيم الله تعالى مُخرج من الملة أعاذنا الله وإياكم
وعلى هذا يُحمل نهي النبيّ ﷺ عن اتخاذ القبور مساجد، ونحن نحسن الظنّ بالمسلمين، فلا نعتقد أن مسلمًا يعظم القبر كتعظيم الله تعالى أو تعظيم القبلة

٢- التمسح بالقبور لقصد التبرك بتربتها أو لقصد التقرب إلى أصحابها؛ لا يجوز ولا مسوغ شرعي له؛ لأن ذلك من جنس العبادة، ومن المعلوم أن العبادة لا بد أن تصرف كلها لله، ولما كان التبرك في نفسه ليس عبادة؛ جاز التبرك برسول ﷺ.

وأما الطواف حول القبور يعتبر من الغلو فيها، فلا يجوز والمقصود بالطواف حولها ما كان طقسًا يشبه العبادة، كأن يطوف الإنسان بها بقصد أمر يطلبه، أو لدعاء صاحب القبر أو نحو ذلك.

٣- الذبح والنحر للقبور
فالذبح عليها أو حولها من أعمال الجاهلية، فقد كانوا يذبحون وينحرون على القبور، وينضحونها بالدماء

وقد أمر رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ألا يدع قبرًا مشرفًا إلا سواه، فأزال هذه البناءات التي كانت تبنى على القبور، ويُتمسح عليها، ويُذبح عليها ويُنحر، فرد ذلك رسول الله ﷺ وأبطله.

٤- وقوع البركة في شيء لا يقتضي حتمًا التعالج به؛
أي أنه قد تأتي البركة في الأمر فلا تقتضي تعالجًا به ولا انتفاعًا به، وإنما تقتضي كثرة خيره وزيادته

وقوله ﷺ في حديث ثابت بن قيس : (تربة أرضنا، بريقة بعضنا، شفاء سقيمنا، بإذن ربنا)، فلا يقصد به التبرك بأصل التربة.

ولهذا ذكر العلماء أن هذا الحديث من أحاديث الطب النبوي، فإن كل قوم يكون علاج ما ينبت بأجسادهم من الأمراض الجلدية موجودًا في تربتهم التي تربو عليها، والبيئة التي عاشوا فيها، فيمكن أن يكون من هذا الباب…

ومن هنا كانت زيارة قبور الأنبياء وآل البيت والصالحين، والدعاء عندها، والتبرك المشروع بهم كلها أمور دلّت عليها النصوص وعمل الأمة، ما دامت منضبطة بضوابط الشرع، بعيدة عن الغلو والشرك، والواجب في هذا الباب هو سلوك سبيل الوسطية التي جاءت بها الشريعة، فلا إفراط ولا تفريط، مع إحسان الظن بالمسلمين، وحفظ جناب التوحيد الذي هو أصل الدين