العام الجديد رؤية إسلامية للتجدد الروحي وبناء الوعي
2 يناير، 2026
أخبار العالم الإسلامى

بقلم أ.د/ مها محمد عبد القادر أستاذ أصول التربية كلية التربية للبنات بالقاهرة – جامعة الأزهر
ينظر إلى الزمن في الوعي الإنساني على أنه إطارًا وجوديًا تتشكل داخله التجربة البشرية بكل ما تحمله من وعيٍ وإنجاز، وتقصيرٍ وغفلة، فهو الوعاء الذي تُقاس فيه حركة الإنسان في الحياة، وتُختبر من خلاله علاقته بذاته، وبالآخرين، وبالقيم التي تحكم مساره، ومن هذا المنطلق، فالعام الجديد لحظة كاشفة تفرض على الإنسان أسئلة وجودية مثل ماذا مضى؟ وماذا بقي؟ وإلى أين يتجه المسار؟ وهي أسئلة تصل بنا إلى جوهر التجدد الروحي ومراجعة الذات وتقويم السلوك.
ويحتل العام الجديد، سواء في التقويم الهجري أو الميلادي، مكانة رمزية خاصة في وجدان الشعوب، إذ يمثل حدًا فاصلًا بين مرحلتين، وفرصة نفسية وأخلاقية لإعادة النظر في المسار الفردي والجماعي. أما في الوجدان المصري على وجه الخصوص، فقد تشكّلت هذه الرمزية عبر تاريخ طويل من التراكم الحضاري، تجلّت فيه وحدة الشعور الوطني وتداخل الأبعاد الدينية والثقافية، حيث اعتاد المصريون أن ينظروا إلى الزمن كمساحة متجددة للعمل والأمل وإعادة البناء.
وفي الرؤية الإسلامية، ينظر إلى الزمن كأمانة ومسؤولية، يُسأل عنها الإنسان يومًا بعد يوم، فالقرآن الكريم يؤكد مركزية الزمن في حياة الإنسان، ويجعل تعاقب الأيام والسنين آيةً للتفكر والاعتبار، في آيات الله وتعاقب الأحداث والأحوال، ومن ثم يصبح استقبال عام جديد دعوة صريحة إلى التفكر الذاتي ومراجعة الأعمال، والتوبة إلي الله بإرادة ووعي، وبالعودة الصادقة إلى منهج القيم، ويمثل الانتقال من عام إلى آخر لحظة مناسبة لإعادة ترتيب الأولويات، وتصويب المسار، وتجديد العهد مع الله، ومع الذات، ومع المجتمع، فالتجدد في المنظور الإسلامي عملية مستمرة تقوم على المحاسبة، والإصلاح، والعزم على التغيير، وهو ما يجعل العام الجديد مناسبة أخلاقية وتربوية بامتياز، تتجاوز الاحتفال الشكلي إلى ممارسة واعية تعيد للإنسان إحساسه بالمسؤولية عن وقته وأفعاله وخياراته.
أن الجمع بين العام الهجري والميلادي في الوعي المصري يعكس خصوصية حضارية فريدة؛ فالتقويم الهجري يحمل بعدًا إيمانيًا وروحيًا مرتبطًا بسيرة النبي ﷺ، وبقيم الهجرة التي تجسد معاني التضحية والتجدد والانطلاق نحو الأفضل، ومثلت تحولًا فكريًا وأخلاقيًا وبنائيًا، نقل الأمة من حالة الاستضعاف إلى أفق الدولة والرسالة، بينما يمثل التقويم الميلادي بعدًا إنسانيًا عالميًا يرتبط بتنظيم الحياة المعاصرة وإيقاعها العملي، وهذا التداخل يعكس قدرة المجتمع المصري على التوفيق بين الجانب الروحي والواقعي، في معادلة متوازنة تعزز الاستقرار النفسي والاجتماعي، وتصبح لحظة العام الجديد دعوة واعية للتوقف عن الروتين والخروج من أسر العادة، والتأمل الجاد فيما أُنجز خلال العام المنصرم، وما أخفق فيه الإنسان، بروح الإصلاح والتعلم وليس بروح جلد الذات، فالنجاح الحقيقي هو القدرة على الاستفادة من التجربة، وتحويلها إلى وعيٍ أعمق وخطواتٍ أكثر اتزانًا.
ولا ينفصل البعد الفردي في هذه المراجعة عن البعد المجتمعي؛ فمراجعة الذات على المستوى الشخصي تنعكس بالضرورة على طبيعة العلاقات الاجتماعية، وعلى شكل الإسهام في الشأن العام، فالإنسان الذي يراجع نفسه بصدق، ويحاسبها بوعي، يكون أكثر التزامًا بقيمه، وأكثر تعاطفًا مع الآخرين، وأشد إدراكًا لتأثير أفعاله، مهما بدت صغيرة، في محيطه الاجتماعي والوطني، وبذلك يتحول التجدد الروحي من حالة وجدانية فردية إلى رافعة أخلاقية للمجتمع بأسره، تسهم في ترسيخ السلم الاجتماعي، وتعزيز الثقة المتبادلة، وإعادة الاعتبار لقيم المسؤولية والتكافل.
لذا ينظر لاستقبال العام الجديد في الوعي الإسلامي والوطني كوعي مسؤول، واحتفاء بالقدرة الدائمة على التجدد، وتجديد العهد بالقيم الكبرى التي تحفظ للإنسان إنسانيته، وللمجتمع تماسكه، وللوطن استقراره، إنه مسار متصل من الوعي والعمل، تتكامل فيه مراجعة الذات مع إصلاح الواقع، ويتلاقى فيه البعد الروحي مع البعد الإنساني، في حركة ارتقاء مستمرة تعيد للحياة معناها، وللوقت قيمته، وللإنسان دوره في البناء والعمران.
ويمنح الإسلام للتفكر الذاتي مكانةً أساسية في بناء الإنسان وتزكية وعيه، فلا نهضة حقيقية بلا وعيٍ بصير، ولا إصلاح مستدام بلا مراجعة صادقة للنفس، فالتفكر في المنظور الإسلامي ممارسة أخلاقية وعقلية مستمرة، تهدف إلى محاسبة النفس، وتقويم السلوك، وربط العمل بالغاية، والمسؤولية، وقد جاء الخطاب القرآني حافلًا بالدعوة إلى هذا الوعي التأملي، باعتباره مدخلًا للإيمان الراسخ والعمل الصالح، وبذلك يصبح التفكر الذاتي أداة لإعادة ترتيب الأولويات، وفهم السنن الإلهية في الكون والمجتمع.
ومن ثم يتحول استقبال العام الجديد إلى ممارسة وعي، وفعل أخلاقي قبل أن يكون تقليدًا اجتماعيًا، فالمؤمن، وهو يطوي عامًا ويستقبل آخر، يدعى إلى وقفة صادقة مع ذاته، يراجع فيها علاقته بالله، وبالناس، وبالزمن الذي ائتمنه الله عليه، مستحضرًا أن العمر رأس مال، وأن الأيام خزائن للأعمال، وأن التفريط فيها لون من الغفلة التي حذر منها الخطاب القرآني. ومن هنا، لا يتعارض الاحتفاء ببدايات الأعوام مع الرؤية الإسلامية، ما دام هذا الاحتفاء محكومًا بمنطق المعنى، ومشحونًا بروح المسؤولية، وموجَّهًا نحو تصحيح المسار الفردي والجماعي، والارتقاء الروحي، والمشاركة الإيجابية في بناء المجتمع.
وتفهم البدايات، في بعدها الفلسفي والروحي، باعتبارها وعيًا أعمق به واستيعابًا لتجاربه، وتجاوزًا ناضجًا لأخطائه، فالماضي، ليس عبئًا يتخلص منه، وإنما خبرة إنسانية تفهم وتحلل وتستثمر في بناء المستقبل، ومن هنا، فإن العام الجديد سواء أكان في التقويم الهجري أم الميلادي لا يحمل في ذاته وعد التغيير، ولا يصنع التحول تلقائيًا، بل يضع الإنسان وجهًا لوجه أمام مسؤوليته الأخلاقية في صناعة هذا التغيير، فالزمن في جوهره محايد، لا يمنح ولا يمنع، وإنما الإنسان هو الفاعل الواعي الذي يضفي عليه المعنى، ويحول لحظاته إلى إنجاز وارتقاء أو إخفاق وتراجع.
وتتجلى الرؤية الإسلامية للتخطيط للمستقبل في رؤية متوازنة تجمع بين الإيمان الراسخ والعمل الواعي، وحسن الظن بالله والأخذ بالأسباب، دون إفراط أو تفريط، فالإسلام يؤسس لمنهج حضاري يقوم على التوكل المسؤول، كما ورد في قول النبي ﷺ(أعقِلها وتوكّل)، في إشارة بالغة الدلالة إلى أن الإيمان الحق لا ينفصل عن التخطيط، ولا يتناقض مع حسن التدبير، وبذلك تصبح بدايات العام، سواء الهجري أو الميلادي، لحظة مناسبة لاستحضار هذا المنهج المتوازن، حيث يتحول التخطيط للعام المقبل إلى ممارسة إيمانية واعية، لا تنفصل عن محاسبة النفس، ولا تنحصر في الطموحات المادية وحدها، فالرؤية الإسلامية للتجدد تقوم على تحديد أهداف واقعية ومتدرجة تشمل مجالات العبادة، والعمل، وبناء العلاقات الإنسانية، والارتقاء بالأخلاق والسلوك اليومي، بما يعكس انسجامًا بين الداخل الروحي والفعل الخارجي.
ويُنظر إلى العبادة كطاقة دافعة لعمارة الأرض، وتحقيق الصالح العام، وبناء الإنسان الصالح القادر على الإسهام الإيجابي في مجتمعه، فالسعي إلى تطوير الذات علميًا ومهنيًا، وإتقان العمل، وخدمة الناس، كلها وجوه من العبادة حين تقترن بالنية الصادقة والالتزام القيمي، وهكذا يصبح العام الجديد مساحة لإعادة ترتيب الأولويات، وتجديد العهد مع الله عبر العمل المنتج، ومع النفس عبر الانضباط، ومع المجتمع عبر المسؤولية، في مسار متكامل يجمع بين الإيمان، والتخطيط، والفعل الحضاري.
ويؤكد المنظور الإسلامي أن الزمن أمانة إلهية يُسأل الإنسان عن كيفية استثمارها، إذ يقول الله تعالى ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ )العصر: 1–2(، في إشارة واضحة إلى أن الخسارة الحقيقية ليست في مرور الزمن، بل في الغفلة عن معناه وغاياته، فالإنسان الذي يحسن قراءة الزمن، يحسن توجيه حياته، ويدرك أن البدايات لا تصنع التحول بذاتها، وإنما يصنعها وعي الإنسان بما مضى، واستعداده لتحمل مسؤولية ما هو آت، وبالتالي تتحول كل بداية جديدة إلى مساحة للارتقاء الروحي، والإصلاح الذاتي، وبناء منظومة قيم أكثر اتزانًا، تقوم على الصدق مع الله، والمصارحة مع النفس، وتحمل المسؤولية تجاه المجتمع والوطن، وبالتالي لا ينفصل التجدد الروحي عن البناء المجتمعي، ولا تنفصل العبادة عن عمارة الأرض، ولا ينفصل الوعي الفردي عن الوعي الجمعي؛ فالأوطان تبنى بالقلوب الواعية، والعقول المتفكرة، والإرادات الصادقة التي تجعل من كل عام جديد محطة للنهوض، وحياة أكثر وعيًا، وسلوك أكثر اتزانًا، ورسالة إنسانية ووطنية أكثر حضورًا في واقع الناس.