دولة التلاوة
2 يناير، 2026
أخبار العالم الإسلامى

بقلم الشيخ: الشاذلي حجاج عبد الباسط العبادي
عضو الإدارة المركزية لشئون المساجد والقرآن الكريم بديوان عام وزارة الأوقاف
مصرحين يبدع أبناؤها يُقال: هنا مصر
ليست التلاوة في مصر طارئًا يُستعاد، ولا مجدًا غابرًا يُستحضر، بل هي أصلٌ ضارب في عمق الهوية، وملمح من ملامح الشخصية الحضارية لهذه الأمة، فمصر لم تكن يومًا على هامش التلاوة، بل كانت قلبها النابض، ومهد مدرستها، ومنبر صوتها إلى العالم، وحين يبدع أبناؤها في كتاب الله، لا يُقال إن مصر عادت، بل يُقال بطمأنينة ويقين: هنا مصر.
التلاوة هوية لا تُستعار :
عرفت مصر التلاوة علمًا يُتلقى بالسند، وفنًا يُصان بالميزان، وعبادة تُؤدَّى بخشوع وتعظيم ومنها خرج قرّاء لم يكونوا مجرد أصوات حسنة، بل معالم هداية، اجتمع في أدائهم صدق الإيمان، ودقة الأحكام، وهيبة القرآن ومن هذا الفهم العميق ينبثق برنامج «دولة التلاوة»، لا ليصنع مجدًا جديدًا، بل ليكشف عن أصل راسخ لم ينقطع.
دولة التلاوةمشروع معنى قبل أن يكون برنامجًا:
«دولة التلاوة» ليس مجرد مسابقة تُقاس بالنقاط، ولا عرضًا إعلاميًا يُراهن على الإثارة، بل هو مشروع وعي يعيد ترتيب العلاقة بين الصوت والمعنى، وبين الجمال والانضباط. يفتح أبوابه لمواهب من كل ربوع الوطن، ليؤكد أن القرآن في مصر ليس حكرًا على نخبة، وإنما هو ميراث أمة، يتقدّم فيه من أحسن التلقي، وأخلص الأداء.
هنا مصرحين يتجلى الإبداع :
وحين يقف قارئ شاب أو طفل يزن الحرف بميزان التجويد، ويؤدي الآية بحضور القلب قبل جمال النغمة، تتجلى الحقيقة كاملة:
مصر أصل التلاوة، لا وريثها.
وهنا تصبح عبارة «هنا مصر» ليست شعارًا عاطفيًا، بل حكمًا فنيًا ومعنويًا يُقال كلما بلغ الأداء ذروته، وكلما اجتمع العلم والصوت والصدق في قارئ من أبنائها.
التحكيم… ميزان العلم لا زينة الصوت:
يمتاز البرنامج بتحكيمٍ يقدّم صحة الأداء على زخرف النغم، ويؤمن أن القارئ الحق هو من جمع سلامة المخارج، وحسن الوقف والابتداء، وفهم السياق، وأمانة التلاوة. فالصوت في ميزان «دولة التلاوة» وسيلة، لا غاية، والقرآن يُؤدَّى ليُفهَم ويُعظَّم، لا ليُطرب فحسب.
تهذيب الذائقة وبناء الوعي :
الأصوات واختلطت المعايير، يقوم برنامج «دولة التلاوة» بدورٍ تربوي رفيع، فيعيد تهذيب الذائقة السمعية، ويربط الجمهور بالمعنى قبل النغمة، وبالخشوع قبل الإعجاب وهو بذلك لا يخدم التلاوة وحدها، بل يخدم الوعي العام، ويعيد للقرآن مكانته في الحياة اليومية.
خاتمة:
إن «دولة التلاوة» شهادة حية على أن مصر لم تغب عن القرآن يومًا، وأنها كلما أنجبت قارئًا متقنًا، صادقًا، واعيًا، أكدت حقيقتها الأولى
فمصر أصل التلاوة، وحين يبدع أبناؤها في كتاب الله، لا يحتاج الأمر إلى برهان طويل…
يكفي أن يُقال: هنا مصر. كتاب الله، لا يحتاج الأمر إلى برهان طويل…
يكفي أن يُقال: هنا مصر.