الفوضى الخلاقة فى مصر والشرق الأوسط

بقلم الدكتور: حاتم عبد المنعم أستاذ علم الاجتماع البيئى بجامعة عين شمس

سلسلة الدين والسياسة السماء الصافية والبحر العميق المقال الثامن :

مصر تحديدا هدفا للفوضى الخلاقة عبر تاريخها للأن لعدة أسباب متكاملة بداية نهضة مصر وتقدمها يعنى نهضة عربية وإسلامية كبرى تهدد مصالح القوى العظمى في أي عصر ثم إن لمصر تحديدا تاريخ كبير في الحضارة وموقع متميز فهي حجر الزاوية في خريطة العالم ويؤكد ذلك نابليون وهذا يفسر صراع القوى العظمى للسيطرة على مصر عبر التاريخ هذا بالإضافة إلى أن مصر تحديدا تمثل الخطر الأكبر للعدو الصهيونى ومشروعه من النيل إلى الفرات وإذا حاولنا سريعا استعراض أهم مؤامرات الفوضى الخلاقة في العصر الحديث نجد هناك اتفاق على مؤامرتي 56 و 67 حيث كان عدوان 1956 مؤامرة ثلاثية من فرنسا وانجلترا واسرائيل بهدفين محددين هما إسقاط نظام ناصر وإعادة قناة السويس لهم مرة أخرى

ولكن المؤامرة فشلت باعتراف أصحابها ثم كان عدوان 1967بهدف اسقاط نظام ناصر وخلال ذلك كان هناك العديد من المؤامرات الفرعية مثل محاولة عبد الكريم قاسم احتلال الكويت وتهديدات تركية لسوريا وأخرى من إيران للعراق ووغير ذلك كل هذه المؤامرات فشلت لحد كبير في تحقيق أهدافها الأساسية لسبب رئيسي وهو قوة التلاحم بين الشعب والنظام وهذا لا يعنى عدم وجود أخطاء لأن لكل نظام ولكل إنسان مزاياه وأخطائه ولكن المهم الرصيد النهائي للنظام عند شعبه هل رصيد النظام يسمح بالاستمرار أم الرصيد لا يسمح ومما لاشك فيه أن رصيد النظام المصري في هذا الوقت كان كبيرا عتد شعبه ومما يؤكد ذلك أنه أثناء عدوان 56 قام النظام بتوزيع السلاح على شعبه في مدن القناة وهذا دليل ثقة من النظام في جموع شعبه وأن هذا السلاح لن يرتد إليه ثم في 67

خرج الزعيم واعترف بمسئوليته عن الهزيمة وتنحى وخرجت الملايين في مصر ومعظم أنحاء الوطن العربي متمسكة باستمراره مما يؤكد انه رغم الهزيمة الكبيرة ومسئولية النظام واعترافه لكن كان رصيد النظام أكبر للشعب الذى لم ينسى وقوف النظام مع الفقراء والضعفاء لاسترداد حقوقهم ولم ينسى التعليم الجيد والعدالة الاجتماعية والمصانع والاصلاح الزراعي والسد العالي ونظام التأمينات الاجتماعية والمعاشات وغيره من انجازات النظام فوقف الشعب مع النظام لأنه رغم الهزيمة كان الرصيد كبيرا للنظام لدى شعبه مما أفشل كل هذه المؤامرات رغم وجود أخطاء اعتمدت عليها الفوضى الخلاقة وتشير بعض التقارير المنشورة إلى إنه كانت هناك مرحلة أخيرة في مؤامرة 67 لم تستكمل وهى الدخول للقاهرة لاعتقال ناصر ومحاكمته والتخلص منه كما حدث مع صدام ولكن موشى ديان وزير دفاع العدو رفض ذلك خوفا من حرب شعبية لا يستطيع تحمل نتائجها قائلا أن الشعب المصري سيقف مع زعيمة ونخسر الكثير ولا نضمن النتائج وكانت جنازة الزعيم خير تأكيد على هذا الرصيد وهذا درس مهم الرصيد الشعبي مفتاح نجاح أو فشل المؤامرات وأن سقوط أي نظام يرجع لأسباب داخلية وعدم وجود رصيد شعبي

وحديثا هناك اختلاف حول أحداث يناير 2011 وهل هي مؤامرة والبعض يؤيد ويؤكد وجود المؤامرة بل إن جماعات الاخوان تدعى إن خروج الملايين في 30 يونيو أيضا مؤامرة واعتقد إن الاسترسال في هذا الحديث ليس مهما لأنه حتى في حالة الموافقة على هذه الأثراء فمن المؤكد أن نظام مبارك سقط لأنه ليس لديه رصيد شعبي فالنظام يسقط لأسباب داخلية في المقام الأول بمعنى ليس لديه رصيد شعبي وأيضا نظام مرسى سقط لأنه ليس لديه رصيد شعبي لأنه ليس هناك مؤامرة أكبر من العدوان الثلاثي عام 1956 من ثلاث قوى ومع ذلك لم يسقط النظام لأن لديه رصيد شعبي ومن هنا فالمؤامرات موجودة وستظل وعلينا التركيز على الجبهة الداخلية والتلاحم بين النظام والشعب ودراسة الاخطاء والعيوب والعمل على موجهتها من خلال الحوار الشعبي والتلاحم مع الجماهير والعمل على حل مشاكلها وتلبية احتياجاتها الاساسية فهذا هو السبيل الوحيد لمواجهة مؤامرات الفوضى الخلاقة فمن يقف مع الشعب سيقف الشعب معه ولن يخذله ابدا حتى مع وجود بعض الأخطاء فلا يوجد نظام يخلو من الأخطاء أو العيوب ولكن يبقى الرصيد النهائي وهو ببساطة حاصل طرح المزايا من العيوب إيجابي ام سلبى وهذه هي عبرة التاريخ حتى على المستوى الشخصي هل رصيدك من الحب والاحترام كافي لتقبل عيوبك وأخطائك من الصديق أو الطرف الاخر ام ليس لديك رصيد ومن هنا أهمية دراسات ومراجعة المشكلات والاحتياجات الشعبية للشعب وأهم مشاكله وإتاحة حرية التعبير والرأي الأخر وهنا نتذكر أن مصر كانت دائما هدفا للمؤامرات لأن قوة مصر تعنى قوة العرب وفوة العرب تعنى قوة الإسلام ولذلك كانت فكرة نشر الإسلام السياسي في مصر كنقطة بداية لمحاربة العروبة والإسلام وزعزعة الاستقرار

 الفوضى الخلاقة في الشرق الاوسط :
ما يحدث في الشرق الاوسط في العقود الاخيرة من مؤامرات الفوضى الخلاقة يجب أن يدرس بدقة لاستخلاص الدروس والاستفادة لكيفية التعامل المستقبلي مع هذه الظاهرة لأنها مستمرة وهذا ليس تقييم لما حدث أو يحدث لأن التقييم قضية كبرى تحتاج لفريق عمل ووقت كبير ولكنها مجرد محاولة لفتح باب حوار علمي جاد فيما يحدث حولنا لأن مصر بوجه خاص ووطننا العربي بوجه عام هدف لهذه الفوضى وهو الأرض الذى تجرى عليه معارك الفوضى الخلاقة وهو الذى يدفع الثمن الأكبر في الخسائر بالرغم من إنه يملك أن يحول كثير من هذه الخسائر إلى مكاسب لو حسنت نوايا الجميع مع تفعيل المصالح المشتركة والارادة والادارة الواعية

وباستعراض سريع لأحداث الفوضى الخلاقة المعاصرة نجد حرص المستعمر على زرع اسرائيل في وطننا لتنفذ أهدافه وحماية مصالحة ثم جاءت ثورة 1952 لتقود حركات التحرير في أفريقيا واسيا وامريكا الجنوبية باختصار كما يقول جمال حمدان قادت مصر حركات تحرير الأراضي ثم الثروات في العالم الثالث وهذا بالطبع سبب ضررا كبيرا للقوى الكبرى ولإسرائيل فتزايدت حدة وخطورة مؤامرات الفوضى مع حرب 56 و67 وتهديدات قاسم بغزو الكويت وتركيا بغزو سوريا وإيران والعراق واستطاع الوطن العربي بقيادة مصر لحد كبير الصمود أمام كثير من هذه المؤامرات وحد ادنى من وحدة الصف بلغت قمتها في حرب اكتوبر المجيدة

وللأسف بعد ذلك كان التراجع والتشتت العربي بعد كامب ديفيد وتراجع مصر عن قيادة عالمها العربي مما ترك فراغا كبيرا في المنطقة وفعلا استغلت ايران وتركيا هذه الفرصة وتعاظم دورهما على حساب سياسة الكمون الاستراتيجي لمصر وبغض النظر أن اية تحفظات أو انتقادات لسياسات إيران وتركيا وهى كثيرة ولكنهما في النهاية يبحثان عن دور ونفوذ أكبر ولقد نجحا في ذلك لحد كبير وكلاهما تمدد وانتشر خارج حدوده لتشكيل امبراطورية دفاعية حيث انتشرت إيران في سوريا والعراق ولبنان واليمن ويتبعها حماس وبعض قوى المقاومة الفلسطينية وأصبحت تركيا لها قواعد عسكرية في السودان وقطر وتواجد عسكري في شمال سوريا وليبيا وكلاهما أصبحا مصدر خطر واضح على مصر والأمة العربية وكلاهما استفادا من مشروعات الفوضى الخلاقة وكلاهما اتخذ الدين وسيلة لبسط نفوذه والفائز الأكبر هي إسرائيل والخاسر الأكبر مصر والعرب

فقد تم تدمير العراق وسوريا وليبيا واليمن مع مشكلات لبنان فهل هذه مصادفة تدمير معظم دول الطوق المحيط بالعدو ومشكلات السودان وليبيا على حدود مصر كل هذا نتيجة تراجع الدور الخارجي لمصر لحساب سياسة الكمون الاستراتيجي وهنا يقول حمدان أن خلاصة جغرافية وتاريخ مصر يتلخص في اما استراتيجية الخروج خارج حدودها لتشكيل امبراطورية دفاعية أو التقوقع وقبول مرحلة المستعمرة ولذلك كان خروج مصر الستينيات للمساعدة في ثورات الجزائر واليمن وليبيا والسودان وانشاء منظمة فتح الفلسطينية مع تامين علاقات قوية بأثيوبيا وأفريقيا كلها كان لهذا الدور أثار ايجابية كثيرة بدايه من تأمين وصول المياه من دول المنبع بل وزيادة حصة مصر مع السد العالى إلى تامين الحدود بنظم صديقة في فلسطين وليبيا والسودان وساعدت في غلق باب المندب في حرب أكتوبر ومساعدات عسكرية ومالية من الجزائر وليبيا والعراق وغيرهم والأهم وحدة صف عربي لحد معقول منعت الكثير من المشكلات والنزيف العربي إلى أحداث سبتمبر 1970 ووفاة ناصر ومن هنا يتضح قيمة الدور الخارجي لأى دوله وهى لا تقدر بالمال أو التكلفة المادية لأن العائد منها كبير ويكفى مثال لذلك مشكلة سد النهضة وانهيار العراق وسوريا وليبيا والسودان ومشاكل الحدود وتأمينها مع دول الجوار والأن الدور الخارجي لإيران هو الذى يحميها من التدمير بالرغم من رغبة إسرائيل وأمريكا من تدمير إيران وقدراتها النووية مثلما حدث مع صدام لكن الذى يحمى إيران الأن قواعدها واتباعها في العراق وسوريا ولبنان واليمن وفلسطين لأنه في حالة الحرب ستنطلق الصواريخ على القواعد الأمريكية في الخليج وعلى إسرائيل مما قد يؤدى لقتل عشرات الألاف من الأمريكان والإسرائيليين وهذه نتيجة لا يمكن تحملها بأي حال لكلاهما وهذا يفرض تساؤل هام هل ما يحدث الآن في لبنان والعراق مصادفة أم مؤامرة أخرى تهدف لقطع أرجل الاخطبوط الإيراني في المنطقة مع حرب غزة ضد حلفاء إيران بها وإذا نجحت هذه الحروب لن يتبقى لإيران سوى تواجدها في سوريا واليمن وكلاهما في حالة حرب يسهل السيطرة أو تحجيم التواجد الإيراني بهما مما يعنى في النهاية قطع أيادي الاخطبوط الإيراني الخارجية مما يسهل بعد ذلك ضربها وتدميرها كما حدث في العراق

والأخطر الآن هو بث بذور الفتنة بين السنة والشيعة لدرجة أن كثير من الحروب المشتعلة الآن في ا لوطن العربي بسبب ذلك والغريب أن إيران الشاة كانت صديقة للعرب ووقتها لم نسمع عن العداوة بين السنة والشيعة كما أن الإمام أحمد إمام اليمن الملكية كان أيضا شيعي فهل كانت علاقة الشاه الطيبة بإسرائيل هي سر قبوله وقبول إيران وعندما تغير النظام الإيراني وأصبح يسعى لامتلاك السلاح النووي مما تعتبره إسرائيل خطر يهدد أمنها أصبحت إيران اليوم عدو والمستقبل القريب سيوضح المكاسب والخسائر بوضوح للجميع والتغيرات كبيرة وكل الاحتمالات واردة فهل نحن مستعدون لكل هذه الاحتمالات وكيف نستعيد دورنا ومكانتنا وكيف ندير ممتلكاتنا وامكانياتنا كأمة عربية لها مصالح ومستقبل مشترك ويبقى في النهاية عدة دروس مستفادة أهمها أهمية الدور الخارجي وإنه السبيل الرئيسي لحماية الأمن القومي مهما بلغت تكلفته ثم إن الإصلاح الاقتصادي السبب الأول لكل الثورات والانتفاضات الشعبية واخر الامثلة ما يحدث في إيران والعراق ولبنان والسودان وأن الإصلاح الاجتماعي والرضا الشعبي هو الرصيد الحقيقي لأى نظام وهو الفريضة الغائبة في الوطن العربي منذ عقود واخيرا قيادة مصر لوطنها العربي ضرورة قصوى لكلاهما فمصر كما يقول ميلاد حنا مثل عمود الخيمة والعرب المظلة التي تعتمد على العمود وإذا سقط العمود أو ابتعد العمود عن المظلة خسر الجميع وأصبح العمود مجرد قطعة حديد ليس له أو للمظلة أي قيمة كما يتضح لنا الآن أن القضية الأساسية المثارة الآن في ا لوطن العربي والخليج هي بث بذور الفتنة واشعال النيران المذهبية بين السنة والشيعة لأن إيران الآن تمثل خطرا على الوجود الإسرائيلي وتريد أن يحارب السنة هذه الحرب بالوكالة عن إسرائيل ومن أجل إسرائيل وهنا تظهر مرة أخرى ورقة استخدام الدين لصالح إسرائيل في جميع العصور والعهود مرة باسم محاربة الشيوعية والناصرية ومرة باسم الشيعة والسنة والمستفيد واحد والمحرك واحد ويخدمه الكثيرون منا بوعى أو بجهل ونلاحظ في الحتام أن كل مؤامرات الفوضى الخلاقة في مصر والوطن العربي والشرق الأوسط كله لمصلحة دولة واحدة فقط فهل صدفة وهل وصلت الرسالة والله الموفق.