إنَّ المتأملَ في كينونةِ الإسلامِ يدركُ يقينًا أنه ليس مجردَ رصيدٍ من الشعائرِ التعبديةِ المنزويةِ في المصلياتِ والمساجدِ، بل هو “دينُ الحياةِ” في أبهى تجلياتها، والنبضُ الذي يمنحُ الوجودَ معناهُ ووجهتَه.
الإسلامُ بحقٍ هو ذاك النسقُ الإلهيُّ الذي يوافقُ الفطرةَ، وينسجمُ مع نواميسِ الكونِ، ويتجددُ بمرونةٍ مذهلةٍ ليناسبَ حقًا كلَّ عصرٍ من العصورِ، مهما تتابعت واختلفت مشاربُها؛ فهو لم يأتِ ليكون حكرًا على حقبةٍ تاريخيةٍ أو جنسٍ بعينهِ، بل جاء رسالةً عالميةً مصداقًا لقولِ رسولِ اللهِ ﷺ: (بُعثتُ للناسِ كافَّةً)، ليكون وعاءً يستوعبُ كلَّ العصورِ مهما تباينت مشاربُها أو تعقدت إشكالاتُها.
إنَّ من أزهى خصائصِ الإسلامِ كونهُ الدينَ الوحيدَ الذي يستوعبُ ويحتضنُ جميعَ الرسالاتِ السماويةِ السابقةِ؛ فهو لا يتعارضُ معها ولا يتناقضُ مع جوهرِها، بل جاء مصدقًا لما بين يديهِ من الكتابِ ومهيمنًا عليهِ.
إنَّ هذا الاحتضانَ والاحتواءَ يعكسُ وحدةَ المصدرِ الإلهيِّ، ويجعلُ من الإسلامِ حلقةَ الوصلِ الكبرى التي تجمعُ شتاتَ القيمِ النبويةِ عبرَ التاريخِ، ليرسمَ للبشريةِ لوحةً متكاملةً من الهدايةِ لا ينفصمُ عراها.
وانطلاقاً من هذا الاستيعابِ، يتجلى الإسلامُ كدينٍ يدعو يقينًا إلى السلامِ والأمنِ والأمانِ؛ فهو لا ينشدُ الاستقرارَ للفردِ فحسبُ، بل يسعى لإرساء قواعدِ السلمِ العالميِّ الذي يضمنُ صيانةَ الدماءِ والأعراضِ والأموالِ.
إنَّ السلامَ في منظورِ الإسلامِ ليس حالةً مؤقتةً من المهادنةِ، بل هو إستراتيجيةُ حياةٍ، وأصلٌ ثابتٌ تقومُ عليهِ علاقةُ الإنسانِ بأخيهِ الإنسانِ، لتعيشَ البشريةُ في ظلالٍ من الطمأنينةِ التي تفتقدُها في خضمِّ المادياتِ الصارخةِ.
إنَّ منطقَ الديمومةِ في الإسلامِ ينبعُ من كونهِ دينًا يقدسُ الحركةَ ولا يعرفُ الركودَ؛ فالنصُّ القرآنيُّ يمنحُ العقلَ البشريَّ مساحةً رحبةً للاجتهادِ، مما يجعلُ التشريعَ يتطورُ في تنزيلهِ على الواقعِ دونَ المساسِ بجوهرِ العقيدةِ.
هذا الانفتاحُ هو الذي جعلَ الإسلامَ ينسجمُ مع الحضاراتِ القديمةِ، وهو ذاتهُ الذي يجعلهُ اليومَ يواجهُ تحدياتِ الحداثةِ وما بعدها بروحٍ واثقةٍ، مؤكدًا أنَّ الحياةَ في منظورِ الإسلامِ هي استخلافٌ وإعمارٌ، وليست مجردَ عبورٍ عابرٍ.
ولعلَّ أكبرَ دليلٍ على عالميةِ هذهِ الرسالةِ وصلاحيتها لكلِّ زمانٍ ومكانٍ، هو طبيعةُ معجزتها؛ فبينما كانت معجزاتُ الأنبياءِ السابقينَ حسيةً زمنيةً اندثرت بموتهم وانقضاءِ عهودهم، بقيت معجزةُ الإسلامِ الخالدةُ “القرآنُ الكريمُ” باقيةً إلى قيامِ الساعةِ، تتحدى الزمنَ، وتكشفُ عن مكنوناتِها لكلِّ جيلٍ، لتقومَ بها الحجةُ البالغةُ.
لذلك، إنَّ على كلِّ إنسانٍ أن يدرك أنَّ فهم هذا الجوهرِ يعدُّ مسئوليةً جسيمةً؛ فالعلمُ بروحِ الدينِ هو السبيلُ لمواكبةِ العصرِ.
ويجبُ على الجميعِ أن يعلموا أنَّ الإسلامَ يفتحُ أبوابَ المعرفةِ والعملِ، ويحثُّ البشريةَ جمعاءَ على البناءِ والإعمارِ، وإنَّ استيعابَ هذهِ الحقيقةِ هو الذي سيحمي الأجيالَ القادمةَ من التيهِ بينَ مطرقةِ الجمودِ وسندانِ الانحلالِ، مؤكدًا أنَّ هذا الدينَ هو “سفينةُ النجاةِ” التي تمخرُ عبابَ الزمنِ لتصلَ بالإنسانيةِ إلى شاطئِ الأمانِ، مهما تلاطمت أمواجُ التغييرِ واختلفت الرؤى والمشاربُ.
فالإسلام هو الدين الوحيد الذي يستوعب ويحتضن جميع الرسالات السماوية السابقة، فلا تعارض ولا تناقض، بل هو حلقة الوصل الكبرى التي تجمع شتات القيم النبوية في لوحة هداية متكاملة.
يتجلى الإسلام كدين يدعو يقينًا إلى السلم العالمي، صائنًا للدماء والأعراض والأموال، ومناديًا بالأمن والأمان ليضمن للبشرية الطمأنينة في ظل طغيان الماديات.
معجزة الإسلام هي المعجزة الخالدة؛ فبينما اندثرت معجزات الأنبياء السابقين بوفاتهم، بقيت معجزة الإسلام “القرآن الكريم” باقية إلى قيام الساعة؛ تتحدى الزمن وتكشف عن مكنوناتها لكل جيل، لتكون الحجة البالغة والبرهان الحي.
إنَّ فهم جوهر هذا الدين يعد مسئولية جسيمة تقع على عاتقنا جميعًا، لنتخذ منه “سفينة نجاة” تمخر عباب الزمن وتصل بالإنسانية إلى شاطئ الأمان مهما تلاطمت أمواج التغيير.