القياس عند الأصوليين (18)


بقلم فضيلة الشيخ : أبو بكر الجندى

إمام وخطيب بوزارة الأوقاف

القياس هو: إلحاق فرع بأصل في حكم لعِلة جامعة بينهما.

أركان القياس أربعة، وهي:
1ـ الأصل ويسمى بالمقيس عليه، وهو ما ورد فيه النص.
2ـ حكم الأصل، وهو الحكم الشرعي الذي ورد به النص في الأصل.
3ـ الفرع ويسمى بالمقيس، وهو ما لم يرد فيه نص ويراد إلحاقه بالأصل.
4ـ العلة، وهو الوصف الموجود في الأصل ولأجلها شُرع الحكم فيه، وبناءً على وجودها في الفرع يراد تسويته بالأصل.

شروط القياس:
شرط الأصل: أن يثبت حكمه بنص أو إجماع، ولا يكون فرعًا لأصل آخر.

شروط حكم الأصل:
1ـ أن يكون حكمًا شرعيًا عمليًا ثبت بنص من الكتاب أو السنة، وأما إذا كان ثبوته بالإجماع ففي خلاف، والراجح أن الحكم الذي ثبت بالإجماع تصح تعديته إلى الفرع بالقياس.
2ـ أن يكون معقول المعنى بحيث يستطيع العقل إدراك علة الحكم، وإدراك تحققها في الفرع حتى يمكن تعدية حكم الأصل إلى الفرع. فإذا تعذر على العقل إدراك العلة تعذر القياس.
3ـ تحقق العلة في الفرع، فإذا كانت العلة قاصرة على الأصل ولم يمكن تحققها في غيره امْتَنَعَ القياس.
4ـ ألا يكون الحكم مختصاً بالأصل، كخصائص النبي صلى الله عليه وسلم التي منها إباحة الزواج بأكثر من أربع زوجات أو تحريم نكاح زوجاته من بعده صلى الله عليه وسلم؛ فهذا لا يصح أن يُقاس عليه؛ لأن اختصاصه به يمنع تعديته إلى الفرع، وإذا امتنعت التعدية امْتَنَعَ القياس قطعاً، بل يكون القياس مناقضاً لدليل الأصل الذي دل على اختصاص الحكم به.

شروط الفرع:
1ـ أن يكون الفرع غير منصوص على حكمه؛ لأن القياس يُرْجَع إليه إذا لم يوجد في المسألة نص، فإذا وجد النص فلا معنى للقياس.
2ـ أن تكون علة الأصل موجودة في الفرع؛ لأن شرط تعدية الحكم إلى الفرع تعدية العلة، فالفرع إذا لم يكن مساوياً للأصل في العلة امتنعت تسويته في الحكم، وإن لم يتحقق هذا الشرط يقال له قياس مع الفارق.

تعريف العلة والحكمة:
العلة هي: الوصف الظاهر المنضبط الذي بُنِيَ عليه الحكم ورُبِطَ به وجوداً وعدماً.
والحكمة هي: المصلحة التي قصد الشارع تحقيقها بتشريع الحكم.
ورُبطت الأحكام بعِللها لا بحكمها لعدة أسباب، أهمها:
1ـ أن العلة قد تكون خفية لا يمكن التحقق من وجودها، فلا يمكن بناء الحكم عليها؛ فالبيع أبيح لعلته، وهو الإيجاب والقبول، وليس لحكمته، وهي حاجة الناس ودفع الحرج عنهم؛ لأن الحاجة أمر خفي.
2ـ أن العلة قد تكون أمراً غير منضبط، يختلف باختلاف الناس وتقديرهم، ولا يمكن بناء الحكم عليه؛ لأنه يؤدي إلى الاضطراب والفوضى في الأحكام، كما في المثال السابق، كذلك الفطر في رمضان أُبيح لعلته، وهي السفر أو المرض، ولم يُبَح لحكمته، وهي دفع المشقة؛ لأنه أمر تقديري غير منضبط.
3ـ أن ربط الأحكام بعِللها يؤدي إلى استقامة التكليف وضبط الأحكام واضطرادها واستقرارها، واستقرار أوامر التشريع ووضوحها، وعلى هذا فالمسافر له أن يفطر وإن لم يجد مشقة، ومن كان مقيماً فليس له الإفطار وإن وجد المشقة في عمله، فالحكم يوجد متى وُجدت علته، وإن تخلفت حكمته في بعض الأحيان؛ لأن ربط الحكم بالعِلّة مَظَنَّة تحقق الحكمة، والغالب هو تحققها، والعبرة للغالب لا للنادر.

شروط العِلّة: أحدها أن تكون وصفاً ظاهراً يمكن التحقق من وجوده في الأصل والفرع؛ لأن العِلّة هي علامة الحكم ومُعَرِّفة له، فإذا كانت العِلّة خفية لا تُدرك بالحواس.
وإذا كانت العلة خفية أقام الشارع مقامها وصفًا ظاهرًا، فإذا كان الرضى علة للبيع، لكنه أمر خفي يتعلق بالقلب، ولهذا أقام الشارع مقامه أمرًا ظاهرًا وهو الإيجاب والقبول.

2ـ أن يكون الوصف منضبطًا ومحددًا ذا حقيقة معينة محددة لا تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، كالقتل في حرمان القاتل من الميراث؛ له حقيقة معينة محددة لا تختلف باختلاف القاتل والمقتول، فيمكن أن يُقاس عليه القاتل الوارث، أو القاتل الموصَى له، والسبب في هذا الشرط هو أن أساس القياس مساواة الفرع للأصل في علة الحكم، والتي يترتب عليها المساواة في نفس الحكم، فإذا لم تكن العلة محددة لا يمكن الحكم بمساواة الفرع للأصل فيها.

3ـ أن تكون العلة وصفًا مناسبًا للحكم، أي أن ربط الحكم به مظنة تحقق حكمه، كربط قطع اليد بالسرقة الذي من شأنه حفظ أموال الناس، وربط القصاص بالقتل والعدوان؛ لأن من شأن هذا الربط تحقيق الحكمة من تشريع الحكم، وهي كف الناس عن العدوان، وبناءً على هذا الشرط، لا يصح التعليل بالأوصاف الطردية أو الاتفاقية التي لا مناسبة بينها وبين الحكم، كلون الخمر، لا يصح أن يكون وصفاً مناسب لتحريم الخمر، وكذلك القاتل عمدًا رجلاً كان أو امرأة، لا يصح وصفًا مناسبًا لإيجاب القصاص.

4ـ أن تكون العلة وصفًا متعديًا، أي ألا يكون هذا الوصف مقصور على الأصل، إذ لو كان مقصورًا على الأصل لانتفى القياس لانعدام العلة في الفرع، كقصور علة الفطر في رمضان على المسافر والمريض، فهذه العلة لا توجد إلا في مسافر أو مريض، فهي إذًا قاصرة عليهما لا تتعداهما لغيرهما كالعامل في منجمه والصانع في مصنعه، وإن كان في عملهما مشقة عظيمة.

5ـ أن تكون العلة من الأوصاف التي لم يلغها الشارع؛ أي لم يقم دليل شرعي على إلغاء هذا الوصف وعدم اعتباره، كاعتبار اشتراك الذكر والأنثى في البنوة وصفًا مناسبًا للحكم بتسوية بينهما في الميراث، خطأ قطعًا؛ لأن الشارع أهدر مناسبة هذا الوصف للحكم المقترح، بدليل قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ}[النساء: 11] وكذلك ألغى الشرع مناسبة الوصف القائل بتسوية المرأة في عقد النكاح للقول بالحكم المقترح، وهو تسويتهما في حق الطلاق.

أقسام المناسبة بين الحكم وعلته:
تنقسم المناسبة بين الحكم وعلته إلى أربعة أقسام، وهي كالتالي:

1ـ المناسب المؤثر، وهو: الوصف الذي اعتبره الشارع بعينه علة لحكم بذاته، وهذا أعلى أنواع المناسب، ولا خلاف في صحة القياس عليه؛ لأنه أتم ما وجوه اعتبار الشارع للوصف، كقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ}[البقرة: 222]، فالحكم في هذه الآية وجوب الاعتزال، وعلة هذا الحكم هو الأذى بالنص الصريح، فالأذى وصف مؤثر.

2ـ المناسب الملائم هو الوصف الذي لم يقم الدليل الشرعي على اعتباره بعينه علة لحكمه، وإنما قام الدليل الشرعي على اعتباره بعينه علة لجنس الحكم، أو اعتبار جنسه علة لعين الحكم، أو اعتبار جنسه علة لجنس الحكم، فإذا علل المجتهد حكماً شرعياً بهذا النوع من المناسب، يكون تعليله ملائماً للمنهج الشرعي في التعليل وبناء الأحكام، فيكون تعليله سائغاً والقياس عليه صحيحاً.

مثال الوصف الذي اعتبر الشارع عينه علة لجنس الحكم: ثبوت الولاية للأب على تزويج ابنته البكر الصغيرة، والعِلة في هذا الحكم على رأي الحنفية هو الصغر للبكر، محتجين بأن الشارع شهد لهذا الوصف بالاعتبار حيث جعله علة للولاية على المال، وحيث أن هذه الولاية والولاية على التزويج من جنس واحد وهو الولاية المطلقة، فكأن الشارع اعتبر الصغر علة لكل ما هو من جنس الولاية، أي لجميع أنواع الولاية، فيكون الصغر هو الوصف المناسب الذي يطّرد به الحكم بالولاية على تزويج الصغيرة، سواء كانت بكراً أو ثيباً.

مثال الوصف الذي اعتبر الشارع جنسه علة لعين الحكم: أن السنة جاءت بجواز جمع الصلاة في اليوم المطير، ولكن لم تبيّن صراحة علة هذا الحكم، ولكن وُجِدَ أن الشارع اعتبر وصفاً من جنس هذا الوصف ـ أي المطرـ علة لحكم الجمع وهو السفر، والحكمة هي التخفيف على العباد ودفع المشقة عنهم، فاعتبار السفر علة الجمع؛ للتخفيف يدل على اعتبار ما هو من جنسه كالمطر والثلج والبرد مبيحًا للتخفيف والجمع بين الصلاتين.
مثال الوصف الذي اعتبر الشارع جنسه علة لجنس الحكم: حرمة شرب قليل الخمر وإن لم يسكر، فالمجتهد يرى أن علة التحريم هي سد الذريعة المفضية إلى شرب الكثير المسكر، ويوجد لذلك شاهداً من أحكام الشريعة، فالخلوة بالأجنبية محرمة، والعلة سد الذريعة عن المحظور الأكبر.

3ـ المناسب المرسل، وهو الوصف الذي لم يشهد له دليل خاص بالاعتبار أو بالإلغاء، لكن بناء الأحكام عليه يحقق مصلحة تشهد لها عمومات الشريعة من حيث الجملة، وهو المسمى بالمصلحة المرسلة، ومثاله جمع القرآن الكريم وضرب النقود واتخاذ السجون.
4ـ المناسب الملغي، وهو الوصف الذي قد يبدو أنه مناسب لبناء حكم معين، ولكن الشرع ألغى اعتباره، كقول المتوهم إن اشتراك الابن والبنت في البنوة وصف مناسب للتسوية بينهما في الميراث، ولكن الشارع ألغاه بالنص على أن {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ}[النساء: 11].

مسالك العلة، وهي: الطرق التي يتوصل بها إلى معرفة العلة في الأصل، والعلة تُعرف بطرق منها:

1ـ النص، وتسمى العلة حينئذ بالمنصوص عليها، وهي أنواع:
أـ الدلالة على العلة بنص صريح قطعي لا يحتمل غير العلة، ويكون هذا بالصيغ والألفاظ التي وُضِعت في اللغة للتعليل، مثل: لكيلا، ولاجل كذا، وكيلا، مثل قوله تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}[النساء: 165].

ب ـ الدلالة على العلة بالنص الصريح الظني، أي الذي يحتمل العلة ويحتمل غيرها احتمالاً مرجوحاً، مثل قوله تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}[إبراهيم: 1]، فاللام في (لتخرج) تعتبر للتعليل، وإن كانت تحتمل أن تكون للعاقبة.
ج ـ الدلالة على العلة بالنص غير الصريح في العلة، لكنه يشير إليها وينبه عليها لوجود قرينة دلت على ذلك، كمجيء جملة مؤكدة بـ(إنَّ) بعد جملة جاءت مشتملة على الحكم، كما سُئل صلى الله عليه وسلم عن الهِرة، فقال: “إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات”، أو أن يقع الكلام موقع الجواب، كقوله عليه السلام: “أعتق رقبة” لمن أخبره بملامسته زوجته في رمضان.

ومن مظاهره: أن يُقرن الوصف بالحكم، وهذا ما يعبر عنه الأصوليون بقولهم: تعليق الحكم بالمشتق يؤذن بعلية ما منه الاشتقاق، مثل قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا}[المائدة: 38]، وقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ } [النور: 2]، وحديث: “لا يرث القاتل”، وحديث: “لا وصية لوارث”، وحديث: “لا يقضي القاضي وهو غضبان”.

2 ـ الإجماع على ثبوت العلة، مثل الإجماع على أن الأخ الشقيق مقدم على الأخ الأب في الميراث؛ لعلة امتزاج النسبين في الأخ الشقيق، أي قرابته من جهة الأب والأم، فيُقاس عليه تقديم الأخ الشقيق على الأخ الأب في الولاية على النفس، وكذلك ابن العم الشقيق يقدم على ابن العم الأب في الميراث.

3ـ السبر والتقسيم، أي إذا لم تثبت العلة لا بالنص ولا بالإجماع، تحول المجتهد إلى استنباط العلة بالسبر والتقسيم، ومعنى السبر: الاختبار، والتقسيم هو: أن يحصر المجتهد الأوصاف التي يراها صالحة لتعليل لحكم، ثم يرجع عليها بالفحص والاختبار والتأمل، فيبطل ما يراه منها غير صالح للإبقاء، ويستبقي منها ما يراه صالحًا للعلة، والمجتهد في هذه العملية يسترشد بشروط العلة، فلا يستبقي إلا الوصف الظاهر المنضبط المناسب المتعدي، ولا شك أن أنظار المجتهدين تختلف في عملية السبر والتقسيم، فقد يرى مجتهد أن هذا الوصف مناسب وغيره يراه غير مناسب، ومثاله: لو أن مجتهدًا لم يبلغه حديث: “كل مسكر خمر”، فيبحث عن علة تحريم الخمر عن طريق السبر والتقسيم، فيحصر الأوصاف التي يمكن أن تكون إحداها علة للتحريم، مثل كون الخمر من العنب أو كونها سائلاً أو كونها مُسْكرًا، ثم يردد النظر في هذه الأوصاف مسترشدًا بشروط العلة، فيلغي الوصف الأول لكونه قاصرًا، وشرط العلة أن تكون متعدية، ويلغي الوصف الثاني وهو كون الخمر سائلاً؛ لأن هذا الوصف طردي لا علاقة له بالحكم ولا تأثير له فيه، ثم يستبقي الوصف الثالث وهو الإسكار؛ لأنه وصف ظاهر مناسب للحكم.

ملخص من كتاب الوجيز في أصول الفقه د/ عبد الكريم زيدان