الفراغ العاطفي: حين يغيب الاحتواء وتختل موازين الحياة

بقلم الكاتبة الأستاذة : يمنى محمد عاطف

عزيزي القارئ :
هل تعلم أن معظم المشكلات التي تعوق الحياة أساسها العاطفة؟فالعاطفة مصدر طاقة جميل، لكنها إن اختلت تحوّلت إلى عبء ثقيل.

ما هو الفراغ العاطفي؟
يُعد غياب الأب والأم عن التربية أحد أهم أسباب الفراغ العاطفي. فالإنسان يمتلك نصفين من الدماغ؛النصف الأيمن مرتبط بالمنطق والجانب العملي والتفكير،أما النصف الأيسر فمرتبط بالعاطفة، وهو المسؤول عن الحياة الزوجية، والحب بين الأصدقاء، والإخوة، وكل ما يندرج تحت بند المشاعر.

وعليه، فإن الفراغ العاطفي يُعد فجوة داخل الإنسان تؤثر على عدة جوانب من حياته، منها:
الحياة الشخصية، والروحانية، والعملية، والعائلية، والأسرية، بل وحتى المالية.والسبب الذي دفعني لكتابة هذا الموضوع هو ملاحظتي أن الأشخاص الذين يعانون من ارتفاع أو انخفاض ضغوط الحياة، ويتعرضون لكثير من المشكلات، غالبًا ما يكون لديهم نقص عاطفي، ويتمركز هذا النقص بشكل أساسي في العلاقات الزوجية.

تبدأ الحياة العاطفية السليمة من العلاقة بين الزوج والزوجة، حين تكون علاقة صحية قائمة على التفاهم وتبادل الآراء والأفكار، ثم ينعكس ذلك على التنشئة الأسرية السليمة للأطفال فعندما يرى الطفل والديه في صورة من الحب والاحترام، ينشأ لديه إدراك سليم، وسرعة فهم، وصحة نفسية مستقرة.

إذًا، فالعاطفة تبدأ من الزوج والزوجة، ثم تنتقل إلى الأبناء عبر تربية صحية سليمة قائمة على الاحتواء العاطفي منذ الولادة، ويظهر ذلك في عدم الضرب، وعدم وجود خلافات أمام الأطفال، ومشاركة الأب أبناءه اجتماعيًا، وحنان الأم.

كل هذا يؤدي إلى تكوين عاطفة متكاملة، تنعكس بدورها على السواء النفسي وهنا نُفرّق بين الاتزان النفسي والسواء النفسي:

الاتزان النفسي هو إدراك الواقع وفهمه والتعامل معه،أما السواء النفسي فهو أن تعلم ولا تُدرك، أي أن تكون خارج التجربة؛ فتظل تبحث عن بديل لما فقدته، وقد تعبث بأمن الآخرين حتى تهدأ اضطراباتك الداخلية.

وتنشأ فكرة الفراغ العاطفي من الفقد؛ فالإنسان فاقد لشيء ما العاطفة نوع من أنواع الاتزان النفسي، أما من يفقدها ويستبدلها ببدائل خاطئة، فإنه يعاني خللًا نفسيًا يظهر بوضوح في مرحلة الكِبر.

أما الجانب الإيجابي الأهم في مواجهة الفراغ العاطفي فهو علاقتك بالله؛ فهي إيمان متكامل وطاقة روحانية تمنحك القدرة على النظر إلى الحياة بتفاؤل، وروح محبة، وصناعة هدف والسعي لتحقيقه. وهذا هو جوهر الإيجابية.

وزراعة الأمل في حياة الإنسان تتطلب بيئة صحية خالية من التلوث النفسي، وعلى العكس من ذلك، فإن الفراغ العاطفي إما أن يُملأ بالتلوث، أو يُحاط بغلاف صحي يتمثل في حياة سليمة:غذاء صحي، ممارسة الرياضة، شرب الماء بانتظام، والاهتمام بالخُضرة والطبيعة.

وتبدأ هذه المنظومة منذ الطفولة، عبر تعزيز أساليب سليمة لحل المشكلات. وتُعد الكتابة إحدى الوسائل الأساسية التي تساعد الإنسان على تحديد أفكاره وتحقيق التوازن الداخلي.

هل يؤثر الفراغ العاطفي على المجتمع؟
نعم، بل يؤثر أيضًا على الحالة الاقتصادية للفرد؛ لأنه يعيق الحركة، ويُكثر المشكلات، ويُضعف النظام. فالأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، ومن دونها لا يمكن تحقيق رقي اجتماعي أو ازدهار.

ومع ذلك، لا يوجد إنسان كامل؛ فالكمال لله وحده وتبقى الطاقة الروحانية، المتمثلة في الصلاة والذكر، جزءًا أساسيًا من العاطفة السليمة، وهي من أهم الحلول النفسية لمعالجة الفراغ العاطفي.