الإجماع عند الأصوليين (17)


بقلم فضيلة الشيخ : أبو بكر الجندى

إمام وخطيب بوزارة الأوقاف

الإجماع هو: اتفاق مجتهدي الأمة في عصر من العصور على حكم شرعي بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

حجية الإجماع ما يلي:
ـ قوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}[النساء: 115]، فتوعد الله تعالى مَن خالف سبيل المؤمنين، فيكون سبيلهم هوالحق الواجب الاجتماع، وغيره هو الباطل الواجب تركه، وما يتفقون عليه هو سبيلهم قطعاً.

الآثار التي دلت على عصمة الأمة من الخطأ إذا اجتمعت على أمر من الأمور، كما في حديث: “لا تجتمع أمتي على خطأ”، وحديث: “لا تجتمع أمتي على ضلالة”، هذه الاحاديث تفيد بأن ما تجتمع عليه الأمة هوالحق والصواب.

ـ اتفاق المجتهدين أنه لابد للإجماع من دليل شرعي، فإذا اتفقواعلى رأي علمنا قطعاً أنهم وجدوا دليلاً شرعياً يدل على الرأي الذي اتفقوا عليه، ولو لم يكن هناك دليل لما تيسر الاتفاق؛ لان العقول والقرائح تختلف فالذي جمعهم هو الدليل.

والإجماع قسمان:
القسم الأول: الإجماع الصريح وهو أيضاً نوعان: قولي أو عملي.

الإجماع القولي وهو: أن يثبت الاتفاق من جميع المجتهدين على حكم شرعي بالقول صراحة فتوى أو قضاء.

الإجماع العملي وهو: أن يتفق جميع المشاهدين على عمل دون صدور قول منهم، وهذا النوع من الإجماع حجة قطعية لا تجوز مخالفتها ولا نقضها.

القسم الأول: الإجماع السكوتي وهو: أن يقول أهل الاجتهاد قولاً، وينتشر ذلك في المجتهدين من أهل ذلك العصر فيسكتون ولا يظهر منهم اعتراف ولا انكار.

الأقوال في حجية الإجماع السكوتي:

القول الأول: أن الإجماع السكوتي ليس باجماع؛ لأنه لا ينسب لساكت قول، وهو قول الشافعي والمالكية.

القول الثاني: أنه حجة قطعية لا تجوز مخالفتها؛ إذ هو كالإجماع الصريح وإن كان دونه في القوة، وقال بهذا أكثر الحنفية وقول الحنابلة، وحجتهم: أن السكوت يُحمل على الموافقة دون غيرها متى ما قامت القرينة على ذلك، وأنتفت الموانع المانعة من اعتباره أمارة على الموافقة وتتحقق القرينة وتنتفي الموانع باشتهار الرأي ووصوله إلى بقية المجتهدين.

القول الثالث: أنه ليس بإجماع ولكن حجة ظنيه، وقال به بعض الحنفية والشافعية ، وحجتهم: أن الإجماع اتفاق الجميع حقيقة لا ظناً ولا تخميناً، وهذا لم يتحقق في الإجماع السكوتي؛ لأن السكوت مهما قيل في دلالته على الموافقة فلن يكون كالصريح، فلا يعتبر إجماعاً، ولكن لرجحان دلالته على الموافقة اعتبر حجة ظنية،
والراجح هو القول الثاني؛ لأن المطلوب لتحقق الإجماع هو تحقق الموافقة على الرأي من الجميع وتحقق الموافقة كما يتم بطريق صريح يكون بطريق الدلالة إذا قامت القرينة على ذلك وأنتفت الموانع فسكوتهم يكون محمولا على الرضا لا على المخالفة

مستند الإجماع:
لابد للإجماع من مستند شرعي من الكتاب أو من السنة؛ لأن القول في الدين بغير علم ولا دليل قول بالهوى، وهذا لا يجوز ولا يقع من الأمة؛ لأنها معصومة من الخطأ، ومثال المستند من الكتاب: الإجماع على حرمة نكاح الجدات وبنات الأولاد مهما نزلنا درجتهن وسنده قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ…}[النساء: 23]، ومثاله من السنة الإجماع على إعطاء الجدة السدس لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس.

استناد الإجماع إلى اجتهاد أو قياس:
قد يكون مستند الإجماع من قياس أو اجتهاد، والراجح جوازه؛ لأن هناك إجماعات عقدت في زمن الصحابة، وكان مستندها اجتهادا أو قياسا فقد أجمعوا على جمع القرآن وكان سندهم المصلحة وهي من ضروب الاجتهاد، ووافقوا عثمان على إحداث النداء الثالث لصلاة الجمعة، وكان سندهم مصلحة إعلام الناس بالصلاة وأجماعهم على تحريم شحم الخنزير قياساً على تحريم لحمه.

ملخص كتاب الوجيز في أصول الفقه، د/ عبد الكريم زيدان