اتركوا لأولادكم حرية الاختيار
24 ديسمبر، 2025
بناء الأسرة والمجتمع

بقلم الشيخ : محمود البردويلي المالكي
هل لاحظت يومًا أن بعض الأطفال ينشأون متعصبين لأفكار والديهم قبل أن يعرفوا دينهم؟
إن من سمات التعصّب أن يربّي الوالدُ ولده على تفاصيل أفكاره هو، لا على أصول الدين ومقاصده.
فيكبر الطفل وقد رضع آراء أبيه وصاحب أفكاره، فيصبح متعصّبًا لحزب أو اتجاه، لا يكاد يُزحزَح عنه إلا بتوفيق الله.
وحين ينغلق الفكر ويضيق الأفق، نسمع عبارات مؤلمة، مثل:
«لو نزل جبريل عليه السلام بما تقول ما عملت به»،
«لو كان أبو بكر وعمر أشعريَّين ما اتّبعتهما»،
«ولو قال النبي ﷺ بهذا ما فعلته» – وأستغفر الله من هذا القول.
أيُّ عقل هذا؟ وأي منهج يُقدَّم فيه الهوى على الوحي؟
أين الكتاب والسنة من هذه الأقوال؟
مرة ناقشت أحدهم، فقلت: قال بذلك سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فقال: «أخطأ ابن عمر»!
حينها صُدمت وقلت: أخطأ في مسألة هي عندك إيمان أو شرك؟! إذًا لا حرج عندك أن تُكفّرني، فأنهيت الحوار.
ومن واقع التجربة: رأيت صفحةً على فيسبوك لشيخ له ثلاثة أبناء يقدمون فقرات دينية مميّزة، وكنت سعيدًا بهم،
لكنهم – وهم صغار – تحدثوا في مسائل خلافية
بأحكام قطعية: كفر، شرك، بدعة.
ومشايخُنا علّمونا أن المرء يبدأ بإصلاح نفسه وبنائها،
لا بالانشغال ببناء أو هدم غيره. فعلّقتُ: أسأل الله أن يبارك في هؤلاء الأولاد، وأنا سعيد بهم، وأرجو أن يكون جميع أولادنا مثلهم، لكن لي طلب: علّموا الأولاد المتفق عليه أولًا، واتركوا المسائل الخلافية حتى يكبروا وتتسع مداركهم،
ولا تُحجّروا على عقولهم.
بعد هذا التعليق، لم أرَ الصفحة مرة أخرى،
ولا نقول إلا ما يُرضي ربنا.
الخلاصة: علّموا أولادكم المتفق عليه والمجمع عليه، وعلّموهم حرية التفكير المنضبط، وكيفية اتخاذ الرأي الموافق للنقل الصحيح والفهم الدقيق.
اختيار الرأي لهم بعد أن ينضجوا، أفضل من فرض أفكارنا عليهم، لأنه يحميهم من الانحرافات الفكرية والأخلاقية.
وفي الختام: أسأل الله تعالى أن يُصلح قلوبنا، ويهدي أبناءنا، ويجعلنا مفاتيح للخير لا مغاليق له، ويرزقنا الحكمة والعدل وسعة الصدر، ويجنبنا التعصّب والهوى،
إنه وليّ ذلك والقادر عليه.