التصوف بين الإنصاف والإجحاف
23 ديسمبر، 2025
منهج الصوفية

بقلم الدكتور : طه عبد الحافظ أحمد الوزيري
دكتوراة فى الدعوة والثقافة الإسلامية – جامعة الأزهر الشريف
يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة: 8).
يقول الإمام ابن كثير: “وقوله: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا} أي: لا يحملنكم بُغْض قوم على ترك العدل فيهم، بل استعملوا العدل في كل أحد، صديقا كان أو عدوًا، ولهذا قال: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} أي: عَدْلُكم أقرب إلى التقوى من تركه”.
(تفسير ابن كثير ج3 ص56، ط: بيروت).
قدَّمتُ بهذه الآية المُبَاركة لأن موضوعَنا الذي نتحدثُ فيه ضاعَ فيه الإنصاف وفاحت من كل جوانبه روائح الإجحاف، وظهر في كثير من كتاباته الإفلاس.
رغم إن الإنصاف أُمِرنا به حتى مع الأعداء، فالتَّقوُلُ على أهل الإلحاد كالتقول على أهل الإيمان، كلاهما إفك وبهتان، يقول الإمام القرطبي: “{وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ} على ترك العدل وإيثار العدوان على الحق. وفي هذا دليل على نفوذ حكم العدو على عدوه في الله -تعالى-، ونفوذ شهادته عليه، لأنه أمر بالعدل وإن أبغَضه، ولو كان حكمه عليه وشهادته لا تجوز فيه مع البغض له لما كان لأمره بالعدل فيه وجه. ودلّت الآية أيضا على أن كفر الكافر لا يمنع من العدل عليه….”.
(تفسير القرطبي ج6 ص109، دار الكتب المصرية – القاهرة).
ومع ذلك نرى بعض المسلمين يهيلون على حسنات بعض المسلمين تراب الدُّنَا، ويكشفون ما يرونه سيئا وإن فعلوه تحت الأرض السابعة!
والعجب من فِجّ بين الشباب يظن في نفسه الفقاهة يُفسّق العلماء ويبدّعهم لحاجة في نفسه!
إن قضية التصوف من القضايا التي تشغل حيزا كبيرا في الفكر الإسلامي، ويسبح في بحرها كثير ممن لا يحسنون السير في شبر من الماء، فأغرقهم محيط التصوف بالشبهات تارة، وبجهل بعض المنتسبين إليه تارة.
ونرى من علا صوتهم في حديثهم عن التصوف صنفين:
الصنف الأول: يرى أن التصوف بكل أشكاله وألوانه وحسناته وسيئاته حق وفرض، وكل ما عداه باطل وبدعة، فلا يرون لأنفسهم سيئة، ولا يرون لغيرهم حسنة.
الصنف الثاني: يرى أن التصوف بكل أشكاله وألوانه وحسناته وسيئاته مروق من الدين وزندقة، فلا يرون للتصوف حسنة، لا قديما ولا حديثا.
والحق أن كلا الصنفين باطل، فلا هما التزما الإنصاف، ولا البحث العلمي النزيه، ولا حتى الواقع أو الماضي.
فالتصوف في أصله حق وأصل من أصول الدين وركن من أركانه، إذا قصدنا به الترقي في سلّم الوصول إلى الله –تعالى- أو العروج إلى السماء، أو طهارة الباطن، فهو المعبِّر الحقيقي عن مقام الإحسان الذي أجاب عنه النبي –صلى الله عليه وسلم- جبريلا –عليه السلام: “أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”.
(صحيح البخاري رقم 50).
ولكن طرأ على التصوف بعض الأفكار قَدِمَ بها بعض المنتسبين والأدعياء لإفساد هذا العلم، أو لوجاهة اجتماعية، أو لإضفاء صفة القداسة على شخصياتهم.
هذا، وإن كان التصوف قد اندّس فيه بعض الأدعياء واستخدموه لأغراض دنيوية إلا أنه لم يندثر، بل هناك العلماء الأفذاذ المتصوفة الذي يحافظون على القواعد والآداب التي بُنِيَت على كتاب الله تعالى وسنة رسوله –صلى الله عليه وسلم-.
ولا يؤاخذ التصوف بجريرة المدّعين، وإلا لهدمنا علم الحديث لكثرة المدّعين والوضّاعين، يقول السيد محمد زكى إبراهيم الصوفي: “ولا ذنب للتصوف الحق فيما داخله والتصق به من جهالات وخرافات ومبتدعات وفلسفات منكرات، فقد داخل علم (التفسير) سيل جارف من الإسرائيليات والحماقات العلمية والجاهلية، وداخل علم (التوحيد) أوحال التمثيل والتعطيل وغيره، وداخل علم (الحديث) فيضان مريع من الموضوعات والمناكير، وداخل علم (الفقه) ما لا يحصى من الأقيسة المضللة، والفروضات النابية والخيالية المستحيلة، والحيل الملفقة المفروضة، وهكذا… فليس من الإنصاف أبدا أن يؤاخذ التصوف بما لا ذنب له فيه، ويعتذر عن غيره، والقضيّة هنا وهنا واحدة بلا تشبح ولا تزوير. وفي ذلك مقنع لطالب الحقيقة العادل الذي يريد وجه الله، لا التعصب ومجرد الغلبة والعمالة، لإدراك مطالب الحياة الفانية”؟
(الفروع الخلافية ومشروعية العمل بأحد الوجهين فيها بلا تعصب ولا تأثيم، لرائد العشيرة المحمدية صـ119).
ولكن من أجأث عقله التعصب لا يقدر على الإنصاف.