خُطْبَةُ بعٌنْوَانْ :””﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ للشيخ أَحْمَدَ إِسْمَاعِيلَ الْفَشَنِيِّ
22 ديسمبر، 2025
خطب منبرية

خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ الْقَادِمَةِ تَحْتَ عٌنْوَانْ :””﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾
(مَأْسَاةُ الْخِدَاعِ النَّفْسِيِّ.. وَأَسْبَابُ إِحْبَاطِ الْأَعْمَالِ)
وَمَعَهَا: خُدْعَةُ “الْإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ” (ضِمْنَ مُبَادَرَةِ “صَحِّحْ مَفَاهِيمَكَ”)
لفضيلة الشيخ / أَحْمَدَ إِسْمَاعِيلَ الْفَشَنِيِّ
بِتَارِيخِ: 6 مِنْ رَجَبٍ 1447هـ – الْمُوَافِقُ 26 مِنْ دِيسَمْبَرَ 2025م
عَنَاصِرُ الْخُطْبَةِ :
أَوَّلًا: الزِّلْزَالُ الْأَكْبَرُ يَوْمَ الْعَرْضِ (تَفْسِيرُ مَعْنَى الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا).
ثَانِيًا: لِمَاذَا تُسَعَّرُ النَّارُ بِأَهْلِ الطَّاعَةِ قَبْلَ أَهْلِ الْكُفْرِ؟ (حَدِيثُ الثَّلَاثَةِ الْمُرْعِبِ).
ثَالِثًا: سُمُّ الْعُجْبِ وَالْغُرُورِ (قِصَّةُ الْعَابِدِ الَّذِي أُحْبِطَ عَمَلُهُ بِكَلِمَةٍ).
رَابِعًا: فِقْهُ الِاسْتِدْرَاجِ: “لَا يَغُرَّنَّكَ حِلْمُ اللَّهِ” (الْمَالُ وَالصِّحَّةُ لَيْسَا دَلِيلَ رِضًا).
خَامِسًا:(ضِمْنَ مُبَادَرَةِ صَحِّحْ مَفَاهِيمَكَ): “رَبُّكَ رَبُّ قُلُوبٍ” (الرَّدُّ الْحَاسِمُ عَلَى التَّدَيُّنِ الْأَجْوَفِ). .
|
(الْمَوْضُـــــــــــوعُ)
الْخُطْبَةُ الْأُولَى : إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ حَمْدَ الْخَائِفِينَ مِنْ سَطْوَتِهِ، الطَّامِعِينَ فِي رَحْمَتِهِ، وَنَسْتَغْفِرُهُ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ خَطَتْ إِلَيْهِ أَرْجُلُنَا، أَوْ نَظَرَتْ إِلَيْهِ أَعْيُنُنَا، أَوْ نَطَقَتْ بِهِ أَلْسِنَتُنَا، أَوْ أَكَنَّتْهُ قُلُوبُنَا. وَنَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ نَكُونَ مِمَّنْ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ فَرَأَوْهُ حَسَنًا، فَهَلَكُوا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً نَبْرَأُ بِهَا مِنَ الشِّرْكِ وَالنِّفَاقِ وَسُوءِ الْأَخْلَاقِ، وَنَدَّخِرُهَا لِيَوْمِ التَّلَاقِ، يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِمَامُ الْمُخْلِصِينَ، وَسَيِّدُ الْخَاشِعِينَ، الَّذِي كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: “يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ”، خَوْفًا مِنْ زَيْغِ الْقَلْبِ بَعْدَ هُدَاهُ. صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ وَسَلَّمَ يَا سَيِّدِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَعَلَى آلِكَ الْأَطْهَارِ، وَأَصْحَابِكَ الْأَخْيَارِ، وَمَنْ سَارَ عَلَى دَرْبِهِمْ مَا تَعَاقَبَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ.
أَمَّا بَعْدُ… فَيَا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، يَا أُمَّةَ الْقُرْآنِ.. إِنَّ الْمُصِيبَةَ كُلَّ الْمُصِيبَةِ، وَالْكَارِثَةَ الَّتِي لَا تُجْبَرُ، أَنْ يَعِيشَ الْإِنْسَانُ عُمُرًا مَدِيدًا – سِتِّينَ أَوْ سَبْعِينَ سَنَةً – يَظُنُّ نَفْسَهُ فِيهَا وَلِيًّا مِنَ الْأَوْلِيَاءِ، وَأَنَّهُ حَجَزَ مَقْعَدَهُ فِي الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى، ثُمَّ تَأْتِي لَحْظَةُ الْحَقِيقَةِ، لَحْظَةُ الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ الْمَلِكِ الْجَبَّارِ، فَيَكْتَشِفُ أَنَّ رَصِيدَهُ “صِفْرٌ”، بَلْ هُوَ مِنَ الْمُفْلِسِينَ!
هَذَا لَيْسَ كَلَامًا مِنْ نَسْجِ الْخَيَالِ، بَلْ هُوَ تَشْخِيصٌ قُرْآنِيٌّ دَقِيقٌ لِحَالَةٍ مُرْعِبَةٍ سَمَّاهَا اللَّهُ “حَالَةَ الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا”. تَأَمَّلُوا مَعِي قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى فِي خَوَاتِيمِ سُورَةِ الْكَهْفِ: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾. لَمْ يَقُلِ “الْخَاسِرِينَ”، فَالْخَاسِرُ قَدْ يَكُونُ لَهُ بَعْضُ الرِّبْحِ، أَمَّا “الْأَخْسَرُ” فَهُوَ الَّذِي ضَاعَ مِنْهُ رَأْسُ الْمَالِ وَالرِّبْحُ مَعًا! مَنْ هُمْ يَا رَبِّ؟ هَلْ هُمُ الزُّنَاةُ؟ هَلْ هُمُ السَّرَّاقُ؟ هَلْ هُمُ الْقَتَلَةُ؟
لَا.. الْمُفَاجَأَةُ أَنَّهُمْ أُنَاسٌ تَعِبُوا فِي الْعِبَادَةِ! ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾.”يَحْسَبُونَ”: أَيْ يَعْتَقِدُونَ بِكُلِّ ثِقَةٍ وَيَقِينٍ أَنَّهُمْ أَهْلُ صَلَاحٍ وَإِصْلَاحٍ.
فَكَيْفَ يَحْدُثُ هَذَا؟
كَيْفَ يَصُومُ الْإِنْسَانُ وَيُصَلِّي وَيَتَصَدَّقُ، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ عَمَلُهُ إِلَى ﴿هَبَاءً مَّنثُورًا﴾؟
الْهَبَاءُ الْمَنْثُورُ يَا سَادَةُ: هُوَ ذَرَّاتُ الْغُبَارِ الَّتِي تَرَاهَا فِي شُعَاعِ الشَّمْسِ إِذَا دَخَلَ مِنْ نَافِذَةٍ.. هَلْ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُمْسِكَ بِهَا؟ هَلْ لَهَا وَزْنٌ؟ هَكَذَا تَكُونُ صَلَاةُ الْمُرَائِي، وَصَدَقَةُ الْمُتَكَبِّرِ.
الْعُنْصُرُ الثَّانِي: ثَلَاثَةٌ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ قَبْلَ إِبْلِيسَ! لَقَدْ كَانَ الصَّحَابِيُّ الْجَلِيلُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، إِذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ، يَنِشُغُ نَشْغَةً (يَبْكِي بِصَوْتٍ عَالٍ) حَتَّى يُغْشَى عَلَيْهِ، ثُمَّ يُفِيقُ وَيَقُولُ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ! مَا هُوَ هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي أَبْكَى سَيِّدَ الْحُفَّاظِ ! إِنَّهُ حَدِيثُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ هُمْ “أَوَّلُ” مَنْ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ أَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ عُبَّادِ الْأَصْنَامِ، بَلْ هُمْ فِي الظَّاهِرِ مِنْ “قَادَةِ الْعَمَلِ الْخَيْرِيِّ وَالدِّينِيِّ”!
-
الشَّهِيدُ (فِي الظَّاهِرِ):
يُؤْتَى بِرَجُلٍ قَاتَلَ فِي الْمَعَارِكِ حَتَّى قُتِلَ. فَيُعَرِّفُهُ اللَّهُ نِعَمَهُ فَيَعْرِفُهَا ، يَقُولُ اللَّهُ لَهُ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ فَيَرُدُّ الرَّجُلُ بِثِقَةٍ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ ، فَيَأْتِيهِ الرَّدُّ الصَّاعِقُ مِنَ الْعَلِيمِ بِذَاتِ الصُّدُورِ: “كَذَبْتَ! وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ (بَطَلٌ شُجَاعٌ)، فَقَدْ قِيلَ”.
يَا اللَّهُ! لَقَدْ نِلْتَ جَزَاءَكَ فِي الدُّنْيَا.. صُورُكَ مُعَلَّقَةٌ فِي الشَّوَارِعِ، وَالنَّاسُ تَتَغَنَّى بِبُطُولَتِكَ، وَالتَّارِيخُ خَلَّدَ اسْمَكَ.. لَكِنَّ قَلْبَكَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ اللَّهُ، كَانَ فِيهِ “حُبُّ الشُّهْرَةِ”. خُذُوا جَزَاءَهُ.. فَيُسْحَبُ عَلَى وَجْهِهِ إِلَى النَّارِ.
-
الْعَالِمُ وَالْقَارِئُ:
يُؤْتَى بِرَجُلٍ أَفْنَى عُمُرَهُ فِي الْمَحَارِيبِ وَالْمَكْتَبَاتِ، قَرَأَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَ النَّاسَ ، يَقُولُ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ فِيكَ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ ، فَيَقُولُ اللَّهُ: “كَذَبْتَ! وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ لِيُقَالَ عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ” لَقَدْ كُنْتَ تَفْرَحُ بِتَقْبِيلِ الْأَيْدِي، وَتَصَدُّرِ الْمَجَالِسِ، وَكَثْرَةِ الْأَتْبَاعِ، هَذَا كَانَ هَدَفَكَ الْخَفِيَّ، وَقَدْ حَصَلْتَ عَلَيْهِ. أَمَّا الْآخِرَةُ فَلَيْسَتْ لِلْمُرَائِي.
-
الْمُنْفِقُ الْجَوَادُ:
رَجُلٌ مِلْيُونِير، مَا تَرَكْتَ مَشْرُوعًا خَيْرِيًّا إِلَّا وَاسْمُهُ فِيهِ ، يَقُولُ: يَا رَبِّ، مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ ، فَيَقُولُ اللَّهُ: “كَذَبْتَ! وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ (كَرِيمٌ)، فَقَدْ قِيلَ” ، لَقَدْ كُنْتَ تَنْتَظِرُ أَنْ يُكْتَبَ اسْمُكَ عَلَى الرُّخَامِ فِي وَاجِهَةِ الْمَسْجِدِ، وَأَنْ يَشْكُرَكَ النَّاسُ فِي الْمَحَافِلِ.. خُذُوهُ إِلَى النَّارِ.
يَا عِبَادَ اللَّهِ، هَذَا الْحَدِيثُ يَهْدِمُ كُلَّ غُرُورٍ فِي النَّفْسِ. الْعِبْرَةُ لَيْسَتْ بِضَخَامَةِ الْعَمَلِ، الْعِبْرَةُ بِـ “خَبِيئَةِ الْقَلْبِ”. هَلْ أَنْتَ مُخْلِصٌ أَمْ تَبْحَثُ عَنِ “اللَّقْطَةِ”؟
الْعُنْصُرُ الثَّالِثُ: سُمُّ الْعُجْبِ (قِصَّةُ الْعَابِدِ وَالْمُذْنِبِ).
وَمِنَ الْأَسْبَابِ الْمُحْبِطَةِ لِلْعَمَلِ: أَنْ يَنْظُرَ الْعَبْدُ لِنَفْسِهِ بِعَيْنِ الرِّضَا، وَلِلْعُصَاةِ بِعَيْنِ الِاحْتِقَارِ.
رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ قِصَّةَ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، كَانَا مُتَآخِيَيْنِ. أَحَدُهُمَا مُنْكَبٌّ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَالْآخَرُ مُسْرِفٌ عَلَى نَفْسِهِ فِي الذُّنُوبِ ، كَانَ الْعَابِدُ كُلَّمَا رَأَى الْمُذْنِبَ قَالَ لَهُ بِنَبْرَةِ اسْتِعْلَاءٍ: “أَقْصِرْ!” (تُبْ وَتَوَقَّفْ) ، فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ، رَآهُ عَلَى ذَنْبٍ، فَنَهَرَهُ بِشِدَّةٍ.
فَانْفَجَرَ الْمُذْنِبُ وَقَالَ بِانْكِسَارِ الْعَاصِي: “خَلِّنِي وَرَبِّي، أَبُعِثْتَ عَلَيَّ رَقِيبًا؟” فَغَضِبَ الْعَابِدُ، وَتَدَخَّلَتْ “الْأَنَا” فِي نَفْسِهِ، فَقَالَ كَلِمَةً كُفْرِيَّةً دُونَ أَنْ يَشْعُرَ، قَالَ: “وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ، أَوْ لَا يُدْخِلُكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ”. (حَجَرَ وَاسِعًا، وَتَأَلَّى عَلَى اللَّهِ) ، فَقَبَضَ اللَّهُ أَرْوَاحَهُمَا، وَاجْتَمَعَا عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، فَقَالَ اللَّهُ لِلْمُغْتَرِّ بِعِبَادَتِهِ: “أَكُنْتَ بِي عَالِمًا؟ أَمْ كُنْتَ عَلَى مَا فِي يَدِي قَادِرًا؟” ثُمَّ أَمَرَ بِهِ إِلَى النَّارِ (بِسَبَبِ الْكَلِمَةِ وَالْغُرُورِ) ، وَقَالَ لِلْمُذْنِبِ: “اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي”، فَإِيَّاكَ أَنْ تَغْتَرَّ بِصَلَاتِكَ، فَرُبَّ مَعْصِيَةٍ أَوْرَثَتْ ذُلًّا وَانْكِسَارًا، أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ طَاعَةٍ أَوْرَثَتْ عِزًّا وَاسْتِكْبَارًا.
الْعُنْصُرُ الْرابِع: فِقْهُ الِاسْتِدْرَاجِ (لَا يَغُرَّنَّكَ حِلْمُ اللَّهِ) ، أَخِيرًا فِي هَذِهِ الْخُطْبَةِ، نَقِفُ مَعَ ظَاهِرَةٍ تَخْدَعُ الْكَثِيرِينَ ، يَرَى الظَّالِمُ أَوْ آكِلُ الرِّبَا أَنَّ أَمْوَالَهُ تَزِيدُ، وَصِحَّتَهُ جَيِّدَةٌ، وَأَوْلَادَهُ نَاجِحُونَ ، فَيَقُولُ: “لَوْ كَانَ اللَّهُ غَاضِبًا عَلَيَّ لَمَا أَعْطَانِي! هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنِّي (مُحْسِنٌ صُنْعًا)”.
هَذَا هُوَ “الْمَكْرُ الْإِلَهِيُّ” بِالْعَاصِي، وَيُسَمَّى “الِاسْتِدْرَاجَ” ، يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: “إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ، فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ”.
ثُمَّ تَلَا: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (لَمْ نُعَاقِبْهُمْ فَوْرًا، بَلْ أَغْرَقْنَاهُمْ فِي النِّعَمِ) ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾.
فَلَا تَجْعَلِ النِّعْمَةَ سِتَارًا يُعْمِيكَ عَنِ الْحَقِيقَةِ. فِرْعَوْنُ كَانَ يَمْلِكُ مِصْرَ وَالْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِ، وَهُوَ عَدُوُّ اللَّهِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى إِمَامِ الْمُتَّقِينَ وَسَيِّدِ الْمُخْلِصِينَ، مُحَمَّدٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ… فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ الْخَوْفَ مِنْ حَبْطِ الْعَمَلِ كَانَ يُؤَرِّقُ مَضَاجِعَ الصَّالِحِينَ. كَانَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ يَقُولُ: “أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ” ، وَلَكِنْ لِلْأَسَفِ، فِي زَمَانِنَا هَذَا انْتَشَرَتْ مَفَاهِيمُ مَغْلُوطَةٌ تَجْعَلُ النَّاسَ يَأْمَنُونَ مَكْرَ اللَّهِ، وَمِنْ هُنَا تَأْتِي مُبَادَرَتُنَا:
خَامِساً: (مُبَادَرَةُ صَحِّحْ مَفَاهِيمَكَ): “رَبُّكَ رَبُّ قُلُوبٍ” هَذِهِ الْجُمْلَةُ أَصْبَحَتْ “الشَّمَّاعَةَ” الَّتِي نُعَلِّقُ عَلَيْهَا تَقْصِيرَنَا ، تَقُولُ لِأَحَدِهِمْ: لِمَاذَا لَا تُصَلِّي؟ لِمَاذَا تَأْكُلُ حَقَّ أَخَوَاتِكَ فِي الْمِيرَاثِ؟ فَيَرُدُّ بِبُرُودٍ: “يَا عَمِّ الشَّيْخِ، الدِّينُ مُعَامَلَة، وَالْمُهِمُّ الْقَلْبُ.. أَنَا قَلْبِي أَبْيَضُ، وَلَا أَحْقِدُ عَلَى أَحَدٍ، وَأَحْسَنُ مِنْ أَلْفِ وَاحِدٍ بِذَقْنٍ وَبِيُنَافِق!”.
تَصْحِيحُ الْمَفْهُومِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: لَوْ صَدَقَ الْبَاطِنُ لَصَدَقَ الظَّاهِرُ ، الْإِيمَانُ لَيْسَ شُعُورًا دَاخِلِيًّا فَقَطْ، بَلْ هُوَ طَاقَةٌ تُحَرِّكُ الْجَوَارِحَ.
يَقُولُ الْإِمَامُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: “لَيْسَ الْإِيمَانُ بِالتَّمَنِّي وَلَا بِالتَّحَلِّي، وَلَكِنْ مَا وَقَرَ فِي الْقَلْبِ وَصَدَّقَهُ الْعَمَلُ” لَوْ كَانَ فِي قَلْبِكَ “بَيَاضٌ” وَحُبٌّ لِلَّهِ، لَأَطَاعَ جَسَدُكَ أَمْرَ اللَّهِ. فَالْمُحِبُّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ. أَمَّا أَنْ تَدَّعِيَ حُبَّ اللَّهِ وَأَنْتَ تَعْصِيهِ، فَهَذَا “كِذْبٌ” وَلَيْسَ بَيَاضًا.
الْوَجْهُ الثَّانِي: هَلْ أَنْتَ أَفْضَلُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ؟
هَذَا سُؤَالٌ نُوَجِّهُهُ لِكُلِّ مَنْ يَتَحَجَّجُ بِطِيبَةِ قَلْبِهِ لِتَرْكِ الْعِبَادَةِ ، رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَانَ أَطْهَرَ النَّاسِ قَلْبًا، وَأَنْقَاهُمْ سَرِيرَةً. وَمَعَ ذَلِكَ، هَلْ اكْتَفَى بِقَلْبِهِ؟ كَلَّا.. قَامَ اللَّيْلَ حَتَّى تَفَطَّرَتْ (تَوَرَّمَتْ) قَدَمَاهُ الشَّرِيفَتَانِ ، فَلَمَّا قِيلَ لَهُ: أَتَفْعَلُ هَذَا وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ؟ قَالَ: “أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟” فَلَوْ كَانَتْ طَهَارَةُ الْقَلْبِ تُسْقِطُ الْعَمَلَ، لَسَقَطَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: هَذَا مَنْطِقُ “الْمُرْجِئَةِ” ، فِي الْعَقِيدَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، هُنَاكَ فِرْقَةٌ تُسَمَّى “الْمُرْجِئَةِ” زَعَمُوا أَنَّهُ “لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ ذَنْبٌ”، يَعْنِي مَا دُمْتَ مُؤْمِنًا بِقَلْبِكَ فَافْعَلْ مَا شِئْتَ!
وَهَذَا ضَلَالٌ مُبِينٌ يُؤَدِّي إِلَى الْإِبَاحِيَّةِ وَضَيَاعِ الدِّينِ. عَقِيدَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْإِيمَانَ: اعْتِقَادٌ بِالْجَنَانِ، وَقَوْلٌ بِاللِّسَانِ، وَعَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ.
الْخَاتِمَةُ وَالْعِلَاجُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، لِكَيْ تَحْمِيَ عَمَلَكَ مِنَ الضَّيَاعِ، عَلَيْكَ بِأَمْرَيْنِ:
* اتِّهَامُ النَّفْسِ: لَا تُزَكِّ نَفْسَكَ، وَلَا تَرَى عَمَلَكَ كَثِيرًا. قُلْ دَائِمًا: “يَا رَبِّ هَذَا جُهْدُ الْمُقِلِّ، فَاقْبَلْهُ مِنِّي وَتَجَاوَزْ عَنِ التَّقْصِيرِ”.
* تَصْحِيحُ النِّيَّةِ: قَبْلَ أَيِّ عَمَلٍ، اسْأَلْ نَفْسَكَ: “لِمَنْ؟”. إِذَا كَانَ لِلَّهِ فَأَمْضِهِ، وَإِذَا كَانَ لِلنَّاسِ فَتَوَقَّفْ وَجَاهِدْ نَفْسَكَ.
الدُّعَاءُ… اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ النِّفَاقِ، وَأَعْمَالَنَا مِنَ الرِّيَاءِ، وَأَلْسِنَتَنَا مِنَ الْكَذِبِ، وَأَعْيُنَنَا مِنَ الْخِيَانَةِ، إِنَّكَ تَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نُشْرِكَ بِكَ شَيْئًا نَعْلَمُهُ، وَنَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا نَعْلَمُهُ ، اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ سَرِيرَتَنَا خَيْرًا مِنْ عَلَانِيَتِنَا، وَاجْعَلْ عَلَانِيَتَنَا صَالِحَةً، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَهْرِ رَجَبٍ وَشَعْبَانَ، وَبَلِّغْنَا رَمَضَانَ وَنَحْنُ فِي صِحَّةٍ وَعَافِيَةٍ وَسِتْرٍ، اللَّهُمَّ احْفَظْ مِصْرَنَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ، وَاجْعَلْهَا بَلَدَ الْأَمْنِ وَالْأَمَانِ وَالسِّلْمِ وَالْإِسْلَامِ ، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.