بقلم فضيلة الشيخ : حسين السمنودي إمام وخطيب ومدرس بدرجة مدير عام بمديرية أوقاف القاهرة
لم تكن غرناطة حادثة عابرة في دفتر التاريخ، ولا صفحة طُويت وانتهت، بل كانت النموذج الأول لمذبحة كبرى أُلبست ثوب “الانتصار”، وذُبحت فيها الإنسانية باسم العقيدة، وسُوِّغ فيها القتل باسم الرب. وما أشبه الليلة بالبارحة؛ فالزمن تغيّر، والأسماء تبدّلت، والرايات اختلفت، لكن الدم هو الدم، والضحية هي الضحية، والجلاد واحد وإن غيّر وجهه.
في عام 1492م، حين سلّم المسلمون مفاتيح غرناطة، فعلوا ذلك على أمل الأمان، بعد عهود مكتوبة وضمانات رسمية من الملك فرديناند الثاني والملكة إيزابيلا الأولى، لكن التاريخ أثبت أن المنتصر حين يفقد أخلاقه، يتحول العهد عنده إلى ورقة بلا قيمة، وتصبح الكلمات مجرد فخ. لم تمضِ أيام حتى بدأت المجازر، وكأن التسليم لم يكن إلا مقدمة للذبح المنظم.
قُتل المسلمون لأنهم مسلمون. لا لمحاربة، ولا لتمرد، ولا لجريمة، بل للهوية فقط. شُرّدوا من بيوتهم، وسُحبت أراضيهم، وأُحرقت كتبهم، ودُنّست مساجدهم، ثم حُوِّلت إلى كنائس، وكأن الهدف لم يكن إنهاء حكم، بل محو ذاكرة، واقتلاع جذور، وكسر عمود الروح. قُدِّر عدد الضحايا بما يقارب مليون إنسان بين قتيل، ومهجّر، ومنفي، ومُكره على ترك دينه، في واحدة من أبشع عمليات التطهير الديني التي عرفها التاريخ.
ثم جاءت محاكم التفتيش، لتكشف أن القتل لم يكن كافيًا. صار المسلم يُعذَّب لأنه صلّى سرًا، أو صام خفية، أو توضأ في ظلام الليل. كانوا يفتشون البيوت عن المصاحف، والقلوب عن الإيمان، والألسنة عن كلمة “الله”. التعذيب كان عقيدة، والحرق كان وسيلة، والخوف كان سياسة دولة.
غرناطة لم تكن أول مدينة تُذبح، لكنها كانت أول مدينة يُذبح فيها الإنسان مرتين: مرة بالسيف، ومرة بمحاولة تحويله إلى شيء آخر، بلا لغة، بلا دين، بلا تاريخ. وحين بكى آخر المسلمين وهو يغادرها، لم يكن بكاؤه ضعفًا، بل شهادة على أن الحضارة حين تسقط، لا تسقط وحدها، بل تسحب معها القيم التي كانت تحمي البشر من التوحش.
وهنا يبدأ السؤال القاسي: هل ماتت غرناطة فعلًا؟
أم أنها ما زالت تعيش، ولكن بأسماء أخرى؟
حين ننظر إلى مجازر العصر الحديث، إلى المدن التي تُقصف، وإلى الأطفال الذين يُنتشلون من تحت الركام، وإلى الأمهات اللواتي يحتضنّ أبناءهن شهداء، ندرك أن غرناطة لم تُغلق ملفها. ما يحدث اليوم ليس جديدًا، بل هو إعادة إنتاج للجريمة نفسها: شيطنة الضحية، تبرير القتل، تسويق الإبادة بوصفها “دفاعًا”، ثم مطالبة العالم بالصمت.
اليوم، كما بالأمس، تُمنع الشعائر، ويُستهدف الإنسان لأنه ينتمي لهوية معينة، وتُهدم البيوت فوق رؤوس ساكنيها، وتُمسح الأحياء من الخريطة، ثم يُقال للعالم: هذه حرب، هذه ضرورة، هذه معركة حضارية. نفس الكلمات التي قيلت في غرناطة، ونفس الصمت الدولي الذي سمح للجريمة أن تتم حتى نهايتها.
في غرناطة، أُحرقت المصاحف في الساحات. وفي عصرنا، تُقصف المدارس والمستشفيات. في غرناطة، مُنع الأذان. وفي عصرنا، يُمنع الصوت نفسه، صوت الحياة، صوت الطفل، صوت الأم. في غرناطة، صمت العالم. وفي عصرنا، ما زال الصمت سيد الموقف.
الفرق الوحيد أن جرائم اليوم تُبث على الشاشات، بالصوت والصورة، ومع ذلك لا يتحرك الضمير العالمي. كأن الإنسان تعلّم كيف يشاهد الموت دون أن يرتعش. كأن غرناطة لم تكن درسًا، بل كانت تدريبًا طويلًا على قبول المجازر.
غرناطة تقول لنا إن المأساة لا تبدأ بالقنابل، بل بالفكرة: فكرة أن هذا الإنسان أقل قيمة، وأن دمه أرخص، وأن قتله يمكن تبريره. وحين تُزرع هذه الفكرة، لا يحتاج الجلاد إلى كثير جهد؛ العالم نفسه يتكفل بالباقي بالصمت، أو بالتبرير، أو بالتشكيك في الضحية. غرناطة لم تكن نهاية، بل بداية سلسلة. سلسلة من المذابح التي كلما تبدّل عصرها، احتفظت بجوهرها: قتل الإنسان، ثم تزيين الجريمة، ثم نسيان الضحية. لكنها أيضًا تذكير مؤلم بأن الدم لا يُنسى، وأن التاريخ وإن تأخر، فإنه لا يبرئ القتلة.
إن غرناطة لم تسقط حين فُتحت أبوابها، بل سقطت حين سقط الضمير الإنساني، وحين قرر العالم أن يرى الظلم ولا يراه، وأن يسمع الصراخ ويتعامل معه كضجيجٍ عابر. غرناطة لم تكن مدينة من حجر، بل كانت اختبارًا أخلاقيًا فشل فيه البشر، وما زالوا يفشلون فيه حتى اليوم.
إن أبشع ما في مأساة غرناطة ليس عدد القتلى، ولا حجم المذابح، ولا مشاهد الحرق والتنصير القسري، بل أن كل ذلك تكرر ويتكرر، وسيظل يتكرر ما دام القاتل يملك مبررًا، والضحية تُترك وحيدة، والتاريخ يُقرأ بلا خجل. غرناطة علمتنا أن الظلم لا يحتاج قوة خارقة، بل يحتاج صمتًا طويلًا، وصمت العالم كان وما زال السلاح الأشد فتكًا. حين ننظر إلى مجازر العصر الحديث، ندرك أن القاتل لم يتغير، بل تعلم فقط كيف يلبس ثوبًا جديدًا، وكيف يختار كلمات أنعم لتبرير القتل. نفس اليد التي أحرقت المصاحف في غرناطة، هي التي تقصف البيوت اليوم. نفس العقل الذي منع الأذان، هو الذي يمنع الحياة. نفس المنطق الذي قال إن المسلم خطر، هو الذي يقول اليوم إن الضحية تستحق مصيرها.
غرناطة تقول لنا إن الجريمة لا تموت بالتقادم، وإن الدم لا يجف مهما حاولوا طمسه بالاحتفالات، أو تغطيته بالخطابات، أو دفنه تحت ركام السياسة. تقول لنا إن الحضارات لا تُقاس بقصورها، بل بقدرتها على حماية الإنسان حين يكون ضعيفًا، وحين تفشل في ذلك، تتحول إلى سجل إدانة مفتوح، مهما طال الزمن.
غرناطة تفضح كذبة “الانتصار”. فما قيمة نصرٍ يُبنى على جماجم الأطفال؟
وما معنى دينٍ يُفرض بالسيف؟ وما جدوى حضارةٍ لا تعرف الرحمة؟ المنتصر الحقيقي هو من يحفظ كرامة الإنسان، أما من يقتل ويهدم وينكّل، فهو مهزوم وإن رفع ألف راية.
وإن كان التاريخ قد كتب مأساة غرناطة بالحبر والدم، فإن الحاضر يعيد كتابتها بالصورة الحية، وعلى الهواء مباشرة. الفرق الوحيد أن ضحايا الأمس لم يكن لديهم كاميرات، أما ضحايا اليوم فلديهم كل شيء إلا العدالة.
غرناطة تهمس في أذن العالم: لا تقولوا إنكم لم تعلموا. أنتم تعلمون. تعلمون جيدًا. لكنها أيضًا تذكّرنا بأن السكوت شراكة، وأن الحياد أمام المذبحة خيانة، وأن من لا يقف مع المظلوم اليوم، سيقف غدًا متفرجًا على مذبحة جديدة.
غرناطة ليست ذكرى نبكيها، بل جرح نحمله، ووصية لا يجب أن ننساها: أن الإنسان حين يُصنَّف يُذبح، وحين يُجرد من إنسانيته يُباد، وحين يُترك وحده يُكسر إلى الأبد. غرناطة لم تمت، غرناطة تنتظر عدالة لم تأتِ بعد، وتنتظر عالمًا يتعلم بدل أن يكرر الجريمة نفسها مرة بعد مرة