تابع أدلة الأحكام عند الأصوليين (16)


بقلم فضيلة الشيخ : أبو بكر الجندى

إمام وخطيب بوزارة الأوقاف

السنة التقريرية: وهي سكوت النبي صلى الله عليه وسلم عن إنكار قول أو فعل صدر في حضرته أو في غيبته وعلم به، مثل سكوته عن لعب الغلمان بالحراب في المسجد، وسكوته عن غناء جاريتين عنده كانتا تغنيان بغناء بُعاث في يوم عيد، ومثل سكوته بتبسم واستبشاره أو إظهاره رضا أو استحسانًا له، بل هذا الرضا أو الاستحسان أظهر في الدلالة على جواز الفعل.

ويلاحظ أن الفعل أو القول المسكوت عليه لا يفيد أكثر من إباحة الفعل، وقد يستفاد صفة الوجوب أو الندب من طريق آخر.

تقسيم السنة عند الجمهور من حيث ورودها:
تنقسم السنة من حيث ورودها إلى سنة متواترة وسنة آحاد.
السنن المتواترة هي: التي رواها جمع كثير تحيل العادة تواطؤهم على الكذب عن جمع مثلهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويكون مستند علمهم بالمنقول المشاهد أو السماع.

ويفيد التواتر إذا تحققت شروطه الخبر اليقين والعلم الضروري وهو الذي يضطر إليه الإنسان بحيث لا يمكن دفعه؛ لأن الثابت بالتواتر كالثابت بالمعاينة.
أنواع السنة المتواترة: قد تكون قولية، وهي تنقسم إلى لفظي ومعنوي، وقد تكون فعلية.

سنة الآحاد هي: ما ليست متواترة ولا مشهورة على قول الحنفية.

ما تفيده سنة الآحاد من العلم:
تفيد عند الجمهور الظن الراجح؛ لصحة نسبتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفيد العلم لا الظن عند الظاهرية وبعض أهل الحديث.

العمل بسنة الآحاد: لا خلاف بين الفقهاء أن سنة الآحاد حجة على المسلمين في وجوب العمل بها، والتقيد بأحكامها، وجعلها دليلاً من أدلة الأحكام والبرهان على ذلك ما يلي:
1ـ قوله تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ }[التوبة: 122]، والطائفة في اللغة تطلق على الواحد، ولولا أن خبر الواحد حجة في العمل لما كان في إنذار مَن يتفقه الدِّين فائدة.

2ـ تواتر عن الرسول صلى الله عليه وسلم إرسال أمرائه وقضاته ورسله إلى الآفاق، وكان صلى الله عليه وسلم يُلزِم أهل النواحي قبول قول مَن يرسلهم إليهم، ولو لم يكن خبر الواحد حجة لما أمرهم بذلك.

ثالثاً: أن العامي بالإجماع مأمور باتباع المفتي وتصديقه، مع أنه يخبر عن ظنه، الذي يخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا شك فيه أولى بالتصديق والقبول والعمل بموجب خبره.

رابعاً: أننا مأمورون بالحكم بشهادة اثنين مع أن هذه الشهادة يحتمل فيها الكذب، فإذا وجب العمل بها مع هذا الاحتمال، فلأن يجب العمل برواية الآحاد أولى.

خامساً: إجماع الصحابة في حوادث لا تحصى على قبول خبر واحد والعمل به، فأبو بكر ورث الجد السدس، وعمر ورث المراه من دية زوجها، وكلاهما خبر آحاد.

الأحكام التي جاءت بها السنة:

1ـ أحكام موافقة لأحكام القرآن ومؤكدة لها، كنهي السنة عن عقوق الوالدين وشهادة الزور.
2ـ سنة تبين معاني القرآن وتفصل مجمله، ومن ذلك السنة التي بينت الصلاة ومناسك الحج.
3ـ سنة تقيد مطلق القرآن كما أطلق القرآن لفظ “اليد” في حد السرقة، والسنة بينت أن المقصود هو اليد اليمنى من المفصل، أو سنة تخصص عموم القرآن، مثل تخصيص آية الميراث بحديث: “القاتل لا يرث”.
4ـ حكم سكت عنه القرآن وجاءت به السنة، لأن السنة تستقل بتشريع الأحكام، وأنها كالقرآن في هذا الباب، دل على ذلك حديث: “ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه”.
ملخص كتاب الوجيز في أصول الفقه، د/ عبد الكريم زيدان