لعلَّهَا الفرصةُ الأخيرةُ!!
22 ديسمبر، 2025
منبر الأزهريين

بقلم الدكتور إسلام عوض مدير تحرير بجريدة الأهرام المصرية
تشرقُ شمسُ رجبَ فتغمرُ الأكوانَ بسكينةٍ عذبةٍ، وأنوارٍ روحانيةٍ تضيءُ القلوبَ المؤمنةَ، وكأنَّ الأرضَ تستنشقُ عبيرَ الطُهرِ بعدَ طُولِ غيابٍ.
إنهُ رجبُ، ذاك الضيفُ الوقورُ الذي يطرقُ أبوابَ أرواحِنَا وقلوبِنَا، ليوقظَ فينَا حنينًا قديمًا إلى رحابِ اللهِ، ويبشرَ بقدومِ الضيفِ الكريمِ، لنستعدَّ لرحلةِ الأشواقِ نحو رَمضانَ.
رجبُ المعظمُ هوَ ليسَ مجردَ ورقةٍ عابرةٍ في تقويمِ الأيامِ والشهورِ، بل هوَ محرابٌ للصالحينَ، وملاذٌ للتائبينَ، ومحطةٌ إيمانيةٌ كبرى يتزودُ منهَا السائرونَ إلى اللهِ.
لقد فضلَ اللهُ سبحانهُ وتعالى من بينِ الدهرِ أيامًا على أيامٍ، وشهورًا على شهورٍ جعلَ لهَا مزيةً وفضلاً، فكانَ رجبُ أحدَ تلك الجواهرِ المصونةِ في عقدِ الأشهرِ الحرمِ. يقولُ الحقُّ جلَّ وعلا: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾.
وفي قولِهِ تعالى: “فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ” زجرٌ لطيفٌ ونداءٌ حذرٌ يدعو القلوبَ العامرةَ بالإيمانِ إلى التوبةِ النصوحِ؛ فإنَّ الذنبَ في هذهِ الأشهرِ ليسَ كغيرِهِ من الذنوبِ؛ فهو يعتبرُ عندَ اللهِ ذنبًا عظيمًا لعظمِ الزمانِ الذي وقعَ فيهِ، ويا شقاءَ العبدِ الذي دنسَ قلبَهُ بالظلمةِ والمعصيةِ وهوَ في رحابِ شهرٍ من الأشهرِ الحرمِ.
وسُمي “رجبًا” لأنهُ يُرجبُ، أي يُعظمُ ويُهابُ، وكانَ العربُ قديمًا يعظمونَهُ ويضعونَ فيهِ السلاحَ، فليتَنَا نضعُ فيهِ سلاحَ الكبرِ والعنادِ والحقدِ والحسدِ، ونخلعُ ثيابَ الغفلةِ لعلَّ اللهَ يرحمنَا.
لم يكنِ النبيُّ “صلى اللهُ عليهِ وسلمَ” ليدعَ هذا الشهرَ يمرُّ هكذا كبقيةِ الشهورِ دونَ أن يحددَ معالمَهُ في القلوبِ؛ ففي الحديثِ المتفقِ عليهِ، أكدَ “صلى اللهُ عليهِ وسلمَ” مكانةَ ذلكَ الشهرِ الكريمِ بقولِهِ: “السنةُ اثنا عشرَ شهرًا، منهَا أربعةٌ حرمٌ؛ ذو القعدةِ وذو الحجةِ والمحرمُ ورجبُ مضرَ الذي بينَ جمادى وشعبانَ”.
ونسبتُهُ إلى “مضرَ” وهيَ قبيلةٌ من قبائلِ العربِ كانت أشدَّ تعظيمًا وإجلالاً لهذا الشهرِ الحرامِ، فكانَ كأنهُ شهرُهُم الذي لا يفرطونَ في حرمتِهِ.
وكانَ نبيُّنَا الكريمُ “صلى اللهُ عليهِ وسلمَ” إذا رأى الهلالَ قالَ: “اللهمَّ أهلهُ علينَا باليمنِ والإيمانِ والسلامةِ والإسلامِ ربي وربكَ اللهُ”، وهوَ دعاءٌ يحملُ في طياتِهِ استشعارًا لعظمةِ الزمنِ، وطلبًا للمددِ الإلهيِّ لنبلغَ الغايةَ القصوى بقلوبٍ عامرةٍ.
يقولُ العارفونَ: “رجبُ شهرُ الزرعِ، وشعبانُ شهرُ السقيِّ، ورمضانُ شهرُ الحصادِ”. فمن لم يغرسْ في رجبَ، ولم يسقِ في شعبانَ، فأنَّى لهُ أن يحصدَ ثمارَ التقوى والورعِ وحلاوةَ الإيمانِ في رمضانَ؟!
إنَّ رجبَ هوَ فرصةُ العبدِ لغسلِ أدرانِ المعاصي بدموعِ الندمِ، والرجوعِ إلى اللهِ بقلبٍ منيبٍ. إنهُ شهرُ “التخليةِ” قبلَ “التحليةِ”؛ ننظفُ فيهِ قلوبَنَا من الحقدِ والشحناءِ، وجوارحَنَا من الآثامِ، لكي تتحلى أرواحُنَا بنورِ القربِ في رمضانَ.
فيا من أثقلتْ كاهلَهُ الأوزارُ، ويا من أرهقتْهُ دروبُ الغفلةِ، ويا من تعثرتْ خطواتُهُ إلى طريقِ النورِ اغتنمْ شهرَ رجبَ، وبادرْ بالاستغفارِ؛ فإنهُ يجلي القلوبَ الصدأةَ ويملؤهَا بالنورِ.
الزمِ الصلاةَ واجعلْهَا معراجَكَ الذي تنسى فيهِ ضجيجَ الدنيا وصخبَهَا، ورتلِ القرآنَ الكريمَ، ولو آياتٍ يسيرةً تضيءُ بهَا ظلماتِ صدرِكَ وعقلِكَ وقلبِكَ.
دربْ نفسَكَ على الصيامِ قدرَ استطاعتِكَ؛ ليكونَ لكَ مراسًا وجنةً، وطهرْ قلبَكَ من الحقدِ والغلِّ والحسدِ، فالحسدُ والإيمانُ ضدانِ لا يجتمعانِ في قلبِ المؤمنِ، فلا يجدنَّ الحقدُ إلى ركنِكَ سبيلاً، وأعلنْهَا توبةً نصوحًا ترضي بهَا اللهَ الغفورَ الشكورَ.
خاتمةُ: إنَّ بقاءَكَ حتى أدركتَ رجبَ؛ فهو رسالةُ حبٍّ من اللهِ إليكَ؛ مفادُهَا أنَّ بابَ العفوِ ما زالَ مشرعًا أمامكَ وأنَّ اللهَ اصطفاكَ وأبقاكَ حيًّا ليمنحكَ تلكَ الفرصةَ فاغتنمْهَا، فلعلَّهَا تكونُ الفرصةَ الأخيرةَ وأنتَ لا تعلمُ، وتأكدْ أنَّ رحمةَ اللهِ أوسعُ من كلِّ خطيئةٍ.
فمن أصلحَ ما بينَهُ وبينَ ربِّهِ في رجبَ، وقامَ بالمسئوليةِ الإيمانيةِ على وجهِهَا، هداهُ اللهُ لبلوغِ رمضانَ بقلبٍ سليمٍ، ونفسٍ مطمئنةٍ.
فاللهمَّ باركْ لنَا في رجبَ، وأعنَّا فيهِ على ذكرِكَ وشكرِكَ وحسنِ عبادتِكَ، واجعلْنَا فيهِ من المقبولينَ.