التّجارة فى المدينة بعد الهجرة
17 يناير، 2026
بستان النبوة
المقال الثامن من سلسلة (هجرة النبى).
فضيلة الشيخ/ احمد عزت حسن
الباحث فى الشئون الاسلامية
كان احتِراف التجارة من الأعمال الرئيسة التي زاولها أهل المدينة من عرب ويهود، ويبدو أنَّ اليهود كانوا يشكّلون الغالبيَّة العظمى لتجَّار المدينة عند مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتَّضح ذلك من خلال الروايات التي تدل على كثرة تعامل النبي صلى الله عليه وسلم وعامَّة الصَّحابة مع تجار من اليهود، ولعلَّ ما عرف عن اليهود من شدة الجشع وحبّ المال وتعاملهم مع غيرهم من النَّاس بالرّبا الفاحش وعدم التَّسامُح، كان كلّ ذلك من أسباب سيطرتِهم على رؤوس الأموال بالمدينة، وأنَّه كثيرًا ما كان يتعرَّض الأنصار لضياع أموالهم بسبب تعامُلهم المالي مع اليهود.
ويبدو أنَّ التجارة كانت تأتي في المقام الثَّاني بعد الزراعة في المدينة، وقد نشطت التجارة الداخلية منها التي كانت تتمثَّل في تبادل السلع المحلية المختلفة من المنتجات الزراعية والحيوانية لأهل المدينة، ومما يجلبه أهل البادية من خيل وإبل وأغنام ومنتجاتها من الألبان والأصواف وغيرها، هذا بالإضافة إلى ما ينتجه صنّاع المدينة من مختلف الصناعات المعدنية من أسلحة وأدوات وحلي وتحف، وغير ذلك من الصناعات الأُخْرى الَّتي اشتهرت بها المدينة.
وقد قامتْ لأجل ذلك أسواقٌ عدَّة في المدينة؛ لتصْريف تلك المنتجات وتبادُل السِّلَع، ومن تِلك الأسواق أسواق كانت مشهورة ومعروفة في الجاهليَّة، وظلَّت قائمة حتَّى قدوم النبيِّ صلى الله عليه وسلم والمهاجرين إلى المدينة، نذكُر منها سوق زبالة شمال المدينة، وسوق الجسر في بني قينقاع، وكانت تُعْرَف باسمهم فيُقال لها سوق بني قينقاع، وسوق الصفاصف بالعصبة، ومن تلك الأسواق أيضًا سوق زقاق ابن حيين، وكان يقال لموضعها مزاحم، ومن أسواق يثرب أيضًا سوق الربذة وكان يقال لها أهوى، ولمَّا قدم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة واستقرَّ المسلمون بها، أراد صلى الله عليه وسلم أن يجعل للمسلمين سوقًا خاصَّة بهم، فأنشأ سوقًا جديدة جعلها مباحة لجميع المسلمين لا يُؤخذ منها ضريبة، وجعلها صدقةً عليهم وأطلقت على هذه السوق أسماء كثيرة، فكان يُقال لها بقيع الخيل، كما أطلق عليها أيضًا اسم البطحاء، وسمِّيت كذلك بسوق حرض.
وقد أدَّى وقوع المدينة على الطَّريق التِّجاري القديم الممتدّ عبر شبه الجزيرة العربيَّة فيما بين اليمن جنوبًا إلى الشام شمالاً إلى أن جعل لها حظًّا طيِّبًا في المشاركة بنصيب وافر في التِّجارة الخارجيَّة لبلاد العرب، فقد ساعد موقعها وخصوبة أرضها إلى اتّخاذها محطَّة للتجارة، فنشطت بها التجارة البرية، كما أصبح ميناؤها القديم الجار منفذًا لها على البحر حيث ترسو كثير من السفن التجارية القادمة من الحبشة واليمن للتبادُل التجاري.
وقد برع بعضُ اليهود في التجارة الخارجيَّة أيضًا، ويروى أنَّ نجاح أحدهم قد أثار حقْد بعض تجَّار قريش في الجاهليَّة، واعتبروه منافسًا خطيرًا لهم، وكان بعض أولئك اليهود يخرجون بأنفُسهم للتجارة الخارجيَّة ويعودون إلى المدينة بما يحتاجه أهلها من مختلف أنواع السلع والطعام، بينما يكتفي بعضهم بإرسال تجاراتهم إلى الشام برفقة القوافل التجارية، ويقومون باستيراد بعض الأقمشة المختلفة من الشام، وقد عمل الأنصار في التِّجارة الداخلية والخارجية أيضًا.
وممَّن عُرِفوا بالتجارة منهم في عهْد الرسول صلى الله عليه وسلم أبو معلق الأنصاري والبراء بن عازب، وزيد بن الأرقم، وكان يأْتي المدينة إلى جانب تجَّارها من العرب واليهود بعض التجَّار الغرباء الذين يحملون معهم مختلف بضائع الشَّام وأطعمتها وطرائفها، كذلك كان لتجَّار فارس صلة واتّصال تجاري بأسواق المدينة، ويروى أنَّهم كانوا يأتونَها أيضًا ببضائع بلادهم.
ولمَّا قدم المهاجرون إلى المدينة عمِل بعضهم بالتِّجارة، خاصَّة وأنَّ التّجارة كانت حرفتهم الرئيسة في مكَّة قبل الهجرة، فكانوا يخرجون إلى الأسواق يبيعون ويشترون، كما كانوا يشاركون أيضًا في أسواق العرب الموسميَّة التي كانت تقام في أماكن متفرِّقة خارج المدينة.
وكانوا إلى جانب ذلك يَخرجون في رحلات طويلة إلى بلاد الشَّام وغيرها من البلاد البعيدة بقصْد التِّجارة، ويستنتج من رواية البخاري أنَّ المهاجرين الأوَّلين كانوا يخرجون إلى الشَّام للتِّجارة منذ مقدمهم إلى المدينة وقبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليها، فقد جاء في الحديث، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لقِي الزُّبير في ركْب من المسلمين كانوا تجَّارًا قافلين من الشَّام فكسا الزُّبير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثيابًا بيضًا.
ويبدو أنَّ المهاجرين استطاعوا بعد فترة وجيزة من إقامتهم بالمدينة أن ينشطوا في أسواقها التجارية، وذلك بسبب ما عرف عنهم من مهارة فائقة في تصْريف أمور التجارة، فقد حقق كثيرٌ منهم أرباحًا ومكاسب هائلة في وقت قصير، واشتهر جماعة من كبار المهاجرين بالتجارة في المدينة، نذكر منهم على سبيل المثال: أبا بكر الصدّيق وعمر بن الخطَّاب وعثمان بن عفَّان وعبدالرحمن بن عوف. وممَّا يُذْكر أنَّ عبدالرحمن بن عوف استطاع تحقيق ثروة عظيمة في المدينة في زمن قصير، فيروى أنَّه تصدَّق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بأموال كثيرة على فترات؛ فقد روي أنَّه بلغ ما تصدَّق به في إحدى المرَّات أن حَمَل خمسمائة فرس في سبيل الله، ثمَّ حمل مرَّة أخرى على ألف وخمسمائة راحلة في سبيل الله، وذكر أنَّ عامَّة ماله من التجارة.
ويستنتج من بعض الروايات أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يشجّع عامَّة المسلمين على مزاولة التجارة، ويبدو أنَّ السَّبب الذي دفع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ذلك هو قلَّة موارد المسلمين المالية في المدينة، وما كان يعانيه المسلمون من ضائقة ماليَّة شديدة قد لا يستطيعون التغلّب عليْها إلاّ بالعمل بالتجارة؛ ذلك لما عُرِف من مكاسبها العظيمة، وكان المسلمون بحاجة إلى موارد اقتِصاديَّة مستمرَّة ليتمكَّنوا من مجابهة أعدائِهم الأقوياء اقتصاديًّا، كاليهود في داخل المدينة وقريش وحلفائها في خارجها.
وقد تجلَّى موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم من تشجيع التجارة عندما خرج وأصحابه من مهاجرين وأنصار للِقاء أبي سفيان بن حرب يوم بدر الموعد، وكانت بدر مكانًا يجتمع فيه العرب، وتقام به أسواقهم الموسمية. فخرج المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بتجارة وبضائع، فوصلوا بدرًا ليلة قيام ذلك السوق، وأقاموا بها ثمانية أيَّام يبيعون ويشترون ويعقدون الصَّفقات.
وذكر الواقدي أنَّ المسلمين كانوا أكثر أهل ذلك الموسم؛ حيث بلغ عددهم ألفًا وخمسمائة رجل، كما روي عن عثمان بن عفَّان رضي الله عنه أنَّه قال: “فلقد خرجت ببضاعة إلى موسم بدر فربحت للدّينار دينارًا فرجعنا بخيرٍ وفضْل من ربِّنا”.
وكان التجَّار المسلمون من مهاجرين وأنصار لا يضيِّعون فرصة يستطيعون العمل من خلالها على تنمية مواردهم الماليَّة وعقد الصفقات التّجاريَّة، فيُروى أنَّهم كانوا يتاجرون أحيانًا أثناء خروجهم للغزْو، وحدث ذلك في غزوتَي خيبر وتبوك، كما يروي دحية بن خليفة الكلبي، الذي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب إلى عظيم بصرى، ليسلمه بدوره إلى قيصر الروم، قد خرج بعد انتهاء مهمَّته إلى أسواق بصرى، وعاد محمَّلاً بتجارة وبضائع من تلك البلاد.
وقد التحق بعض كبار الصَّحابة في العمل بالتجارة، حتى إنَّ عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – حينما ذكر له أثناء خلافتِه أحد الأحكام الشَّرعيَّة التي لم يسمعها عن النَّبي صلى الله عليه وسلم ذكر أنَّ سبب فوات ذلك عليه هو كثرة انشغاله بالتجارة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. إلاَّ أنه يجب أن نوضّح هنا أنَّه على الرَّغم من كثرة اشتغال بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالتجارة الداخلية والخارجية، فقد كانوا لا يتخلَّفون عن الخروج للجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهود غزواته إذا كانوا حاضرين بالمدينة، وقد قيل فيهم: “كان القوم يتبايعون ويتاجرون، ولكنَّهم إذا نابهم حقّ من حقوق الله لم تُلْهِهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله حتَّى يؤدّوه إلى الله، وقد ذكر الله في كتابه الكريم قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله وَإِقَامِ الصَلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ النور: ٣٧ .