الإخاء بين المسلمين


المقال السادس من سلسلة (هجرة النبى)

فضيلة الشيخ/ احمد عزت حسن
الباحث فى الشئون الاسلامية

 

آخى الرسول صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، إذ قال لهم: “تآخوا في الله أخوين أخوين”، ليتحقق الترابط، والتكافل فيما بينهم. ولم تكن المؤاخاة بين المهاجرين والأنصاري فقط، وإنما كانت تتم أحيانًا بين مهاجر ومهاجر، فلقد آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين علي بن أبي طالب، وآخى بين عبد الله بن الزبير وعبد الله بن مسعود، وآخى بين عمه حمزة وبين زيد بن حارثة وكل هؤلاء مهاجرون. وابتدأت المؤاخاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أول مجيئه صلى الله عليه وسلم وكانت تتجدد كلما ظهر مسلم جديد، أو جاء المدينة مؤمن مهاجر.

 ولقد برز خلق الأنصار العظيم، وهم يؤثرون إخوانهم المهاجرين على أنفسهم وقد تجردوا من شح النفس، وملئوا قلوبهم بحب الله ورسوله، فكانوا قدوة مثالية في عالم الإيثار الرائع، والإنسانية النبيلة حتى إنهم قبلوا أخوة جعفر بن أبي طالب لمعاذ بن جبل رغم اغتراب جعفر وجعلوا له حق المشاركة والعطاء والولاء. تورد كتب السنة نماذج لهؤلاء الصفوة من أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث نقرأ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالت الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم: أقسم بيننا وبين إخوتنا النخيل قال صلى الله عليه وسلم: “لا”. فقالوا: تكفونا المئونة ونشرككم في الثمرة. قالوا: سمعنا وأطعنا.

روى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للأنصار: إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم. فقالوا: أموالنا بيننا قطائع. فقال صلى الله عليه وسلم: “أو غير ذلك”؟ قالوا: وما ذاك يا رسول الله. قال صلى الله عليه وسلم: “هم قوم لا يعرفون العمل، فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر”. قالوا: نعم.

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: دعا النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار إلى أن يقطع لهم البحرين فقالوا: لا إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها. قال صلى الله عليه وسلم: “أما لا فاصبروا حتى تلقوني، فإنه سيصيبكم بعدي أثرة” البخاري.

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال المهاجرون: يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل، ولا أحسن بذلا من كثير، لقد كفونا المئونة، وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله. قال: “لا ما أثنيتم عليهم، ودعوتهم الله لهم” البداية والنهاية ج ٣  ص ٢٢٨.

يتحدث الرسول صلى الله عليه وسلم عن فضل الأنصار والمهاجرين فيما يرويه الإمام البخاري بسنده عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إن أول ثلة يدخلون الجنة لفقراء المهاجرين الذين تتقى بهم المكاره، إذا أمروا سمعوا وأطاعوا، وإن كانت منهم حاجة إلى السلطان لم تقض حتى يموت وهو في صدره، وإن الله يدعو يوم القيامة الجنة فتأتي بزخرفها وزينتها فيقول:أي عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وقتلوا وأوذوا في سبيلي، وجاهدوا في سبيلي ادخلوا الجنة فيدخلونها بغير عذاب ولا حساب، وتأتي الملائكة فيسجدون ويقولون: ربنا نحن نسبح لك الليل والنهار، ونقدس لك. من هؤلاء الذين آثرتهم علينا”؟ فيقول الله: هؤلاء عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وأوذوا في سبيلي فتدخل الملائكة عليهم من كل باب وهم يقولون: “سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ”.

– وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: مر أبو بكر والعباس رضي الله عنهما بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون، وذلك في مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الأخير. فقال: ما يبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلس النبي صلى الله عليه وسلم منا. فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك.

فخرج النبي وقد عصب رأسه بحاشية برد، فصعد المنبر ولم يصعده بعد ذلك اليوم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: “أوصيكم بالأنصار، فإنهم كرشى – بطانتي- وعيبتي – خاصتي – وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزا عن مسيئهم” البخاري.

لقد صهرت هذه الأخوة المسلمين في بوتقة واحدة، وربطتهم بحبل الله المتين، وخلصت نفوسهم من شهوات النفس، وأزاحت من حياتهم وساوس الهوى والشيطان، وشعر كل مسلم بأخوته للآخرين بلا فرق بين حر ومولى، أو غني وفقير، أو كبير وصغير، أو مهاجر وأنصاري وصار الجميع جنودًا لله تعالى، يضحون بكل ما يملكون في صدق وإخلاص.

لقد أقاموا بجهدهم وجهادهم دولة الإسلام الأولى، في سموها ورفعتها، وربانيتها، وأصبحوا مثالا يفتخر المسلمون بهم في كل مكان، وصدق قول الله فيهم: “مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ الله وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا” الفتح: ٢٩.

والآية تقدم صورة كريمة، رائعة لهذا الجيل المتفرد في حياة الأمة الإسلامية الذي اتصف وتميز بالحقائق التالية:

١- جعلوا حياتهم لله تعالى، فساروا بأمره واتبعوا منهجه، وكانوا بحق خير معية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وخير جند لله تعالى.

2- عاشت آمالهم وأحلامهم وأعمالهم كلها بفضل الله ورضوانه محفوظة في الدنيا بالنصر والتوفيق، وفي الآخرة بالجنة والنعيم.

3- كانوا عبادًا لله مخلصين، تراهم دائمًا راكعين ساجدين خاشعين، وتبرز في وجوههم سمة الخشوع والعبادة، وتنمحي من حياتهم علامات الاستعلاء والكبر.

4- علاقتهم بالآخرين أساسها الإيمان، فهم مع المؤمنين رحماء، ومع الكفار أشداء، ولو كانوا آباءهم وإخوانهم.

5- أكرم الله هذا الجيل العظيم بتنزيل مثله في التوراة والإنجيل، فجعلهم صورة وضيئة في التوراة، وصورهم في الإنجيل بالزرع النامي القوي الضخم المستقيم الذي يعجب زارعه، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولك أن تتخيل أثر هذه الآية على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم يتلقون هذا التكريم الإلهي الذي يوضح مقامهم عند الله وعند الناس، ويستمر مع الناس ما دامت تلاوة القرآن الكريم، وما دامت الحياة.

 

وقد سجلت السنة موقف أنصاري بلغ في الإيثار مبلغًا يستجلب تمام رضى الله سبحانه وتعالى، لقد بات الرجل طاويًا وزوجته كذلك، وفوق ذلك نوّما صبيانهما دون عشاء، وآثرا ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين بما كان عندهم من طعام. والعظيم في الأمر أن الأنصاري يطلب هذا وتوافقه زوجته، والأم على أطفالها جد حانية، ولا تؤثر بطعامها عليهم أحدًا إلا أن صنيع الإيمان في قلوب الأنصار غير الطبائع إلى أسمى ما يتصوره عقل يفهم أو يخطر ببال مفكر أريب. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فبعث إلى نسائه فقلن: ما معنا إلا الماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من يضيف هذا”؟ فقال رجل من الأنصار: أنا. فانطلق به إلى امرأته فقال لها: أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني. فقال: هيئي طعامك، وأصبحي سراجك، ونومي صبيانك، إذا أرادوا عشاء، فهيأت الأم طعامها، وأصبحت سراجها، ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان بصوت يصدرونه، وباتا طاويين فلما أصبح غدا الأنصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له صلى الله عليه وسلم: “ضحك الله الليلة أو عجب- من فعالكما” البخاري. فأنزل الله تعالى: “وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ”.