منهج العلماء في التراجم : دقّة النقد وإنصاف الحكم


بقلم الشيخ : نور عبدالبديع حمودة الأزهرى الشافعي

إمام وخطيب بوزارة الأوقاف المصرية

(لماذا قالوا: “صالح، عالم، إلاّ أنه خارجي”.فيه نصب” مرجئ”ثقة، إلا أنه يتشيّع)

تمهيد: العدالة العلمية بين المدح والتنبيه

في بحور كتب التراجم والجرح والتعديل، يلمع نجم الدقة والإنصاف، حيث يزن العلماء الرجال بموازين الحق، فيذكرون الفضائل كما هي، وينبهون على الهنات كما هي، دون مبالغة أو إفراط، ودون ظلم أو تفريط.

لقد كان هدف العلماء ليس الطعن في الأشخاص، ولا الانتقاص من قدرهم، بل إظهار الحقيقة كما هي، بلا هوى، ولا تعصّب، ولا تأثير لمذهب أو انتماء.
ومن أظهر العبارات التي تعكس هذا النهج العلمي الرصين:

“صالح، عالم، إلا أنه خارجي” “ثقة، إلا أنه يتشيّع” “صدوق، فيه نصب” “ثقة، مرجئ”

هذه العبارات ليست تضادًا في الحكم، بل ميزان علمي دقيق يفرّق بين عدالة الراوي، وضبطه للرواية، ومذهبه العقدي، وهو ما حافظ على نقاء علم الجرح والتعديل، وجعل منه نموذجًا خالدًا للموضوعية.

“إلا أنه خارجي”: قراءة دقيقة في العبارة

عندما يقول الأئمة عن رجل: “عالم، صالح، إلا أنه خارجي”، فهم لا يقصدون تبديعه أو إنكار فضله، بل يقصدون أمرًا محددًا:
أنه مستقيم في عبادته وسلوكه، صادق في حديثه، ضابط للرواية، لكنه يحمل رأيًا من آراء الخوارج، أو يميل إلى شيء من مذهبه.

فالعبارة تجمع بين جانب القوة: علمه، وورعه، وصدقه، وبين جانب الضعف: البدعة أو الانحراف العقدي.

ويقول الإمام الذهبي: “وفي السلف من كان فيه بدعة خفيفة مع صدقٍ في الحديث، فحديثه مقبول.”(ميزان الاعتدال)

وهذه الدقة في التمييز بين الصحيح والسقيم، بين الفضل والهفوة، كانت وما تزال أساسًا متينًا لحفظ ميراث السنة النبوية، ومرآة ناصعة لعدالة العلماء وإنصافهم.

منهج الأئمة في التوازن والإنصاف

تميّز أئمة الجرح والتعديل بدقة النظر وعمق الفهم، فابتعدوا عن الغلو والتعصّب، ووضعوا كل رجل في موضعه اللائق، فكانوا يذكرون ما له وما عليه، دون إفراط أو تفريط.

يقول الذهبي: “الناقد البصير من نظر في مجموع أحوال الرجل، فيثني ويجرح بصدق وعدل.”(سير أعلام النبلاء)
ويقول ابن حجر: “وقد يقال في الرجل: ثقة، إلا أنه يتشيّع، لبيان مذهبه من غير ردّ روايته.”(تقريب التهذيب)

وهذا هو العدل الحق: جمع فضائل الرجل مع التنبيه على ملاحظاته، دون ظلم أو تهويل.

نماذج تطبيقية من كتب الرجال
لكي ندرك هذا التوازن في الواقع، نعرض بعض الأمثلة:

★عبد الرحمن بن ملّ، من رواة الصحيح، قيل فيه: “ثقة، وكان يرى رأي الخوارج.”
★حريز بن عثمان، قال عنه الذهبي: “ثقة، إلا أنه كان ينتقص عليًّا.”
★قتادة بن دعامة السدوسي — إمام التفسير والحديث، وصفه النقّاد: “ثقة ثبت، إلا أنه كان يرى القدر.”
توضح هذه الأمثلة كيف كان العلماء يفصلون بين الضبط في الرواية وبين الانحراف الفكري أو المذهبي، فيحفظون العلم، وينبهون على الخطأ، دون ظلم أو مبالغة.

الحكمة من الجمع بين الثناء والتنبيه
الدقة العلمية: تحديد الفضل والخلل معًا.
منع الانخداع: عدم اغترار الأمة بالعالم في جانب خطأ فيه.
الوفاء للأمانة العلمية: إعطاء كل ذي فضل حقه.
الفصل بين الانضباط العلمي والانحراف الفكري: الحفاظ على الرواية الصحيحة مع التنبيه على البدعة.

أثر هذا المنهج في حفظ السنة
لقد حافظ هذا التوازن على مصداقية علم الحديث، ومنع الانحرافين المتطرفين:
من قبول كل أحد بلا ضابط، ومن رفض كل من أخطأ جزئيًا، ولو كان ضابطًا صادقًا.

وبذلك بقيت علوم الحديث مضرب المثل في الدقة، والرصانة، والموضوعية العلمية.

خاتمة
إن عبارة “صالح، عالم، إلاّ أنه خارجي” ليست مجرد كلمات، بل رمز لمنهج علمي راسخ، يقوم على الحق، والعدل، والإنصاف، بعيدًا عن الغلو، والتحزّب، والانحياز الشخصي.

هذا المنهج لو التزمت به الأمة اليوم، لأثمر صفاءً علميًا، وبُعدًا عن التعصّب، وتقديرًا للعلماء مع تنبيه على ما قد يُخطئون فيه دون تجاوز أو مبالغة.

بهذا الميزان العادل حُفظت السنة، واستقام نقد الرجال، وبقيت علوم الحديث مضرب المثل في الدقة والرصانة والإنصاف