ضبابية وصعوبة الرؤية في المجال السياسي [سلسلة الدين والسياسة السماء الصافية والبحر العميق]

بقلم الدكتور: حاتم عبد المنعم أستاذ علم الاجتماع البيئى بجامعة عين شمس 

سلسلة الدين والسياسة السماء الصافية والبحر العميق المقال الخامس:

نتيجة صعوبة وتركيب العلوم السياسية وانتشار الأمية والأمية الثقافية وتراجع نظم التعليم والثقافة في وطننا العربي نجد من الصعوبة على أي مواطن عادي الخوض أو فهم الأحداث السياسية بوجه عام وخاصة وأنها ترتبط بمصالح اقتصادية وسياسية عالمية وكثير من الأمور السياسية غير معلنة وغير واضحة مع وجود مؤامرات دولية ومحلية كل ذلك يؤدي في النهاية إلى رؤية ضبابية وقد تكون خاطئة لأن غير المعلن في السياسة كثير ولذلك من الأفضل عدم الخوض والحديث في السياسة إلا بعد دراسة موسوعية شاملة لكافة الأبعاد حتى لا يقع في الخطأ أو لا يظلم احد وخاصة وأن مسؤولية رجل الدين اخطر واكبر من أي مسؤول في مجال اخر لأنه يقود الأمة وعليه التريث قبل إعلان رأيه ودراسته مرة واثنين وعشرة حتى لا يضلل الأمة لأن دوره ورأيه مهم في المجتمع ويتحمل تبعات هذا الرأي وتأثيره على العامة وعلى المجتمع وخاصة أن هناك مصالح وشبهات مثل الوصول أو التقرب من السلطة أو للقوى المعارضة فالمصالح والجوائز متعددة سواء جوائز محلية ومراكز مرموقة أو سواء جوائز إقليمية من بلاد أخرى ووظائف مجزية أو حتى على مستوى العالم كالتعيين مستشار في إحدى المنظمات الدولية أو جوائز عالمية وخلافه.

وبدون الدخول في تفاصيل الآن نجد كثير من شيوخنا الكبار قد غيروا من أراءهم السياسية إلى العكس تماماً أكثر من مرة مما يعني ويؤكد أن الرؤية لم تكن واضحة لهم ويؤكد ما سبق أن ذكرناه فمثلاً بدون تأييد أو رفض اي موقف نذكر هذه الأمثلة:

الشيخ محمد الغزالي، انضم إلى جماعة الإخوان في الأربعينيات وأشاد بمرشدها حسن البنا واعتبره استاذه ثم هاجمها في عصر عبد الناصر واتهم قيادات الاخوان بالماسونية في كتابة معالم الحق عام 1963م وانضم للاتحاد الاشتراكي العربي ثم بعد وفاة ناصر هاجم ناصر ثم حذف اتهاماته للإخوان بالماسونية في الطبعات الأخيرة دون توضيح هل أخطأ في اتهامه السابق أم لا، ثم حصل على جائزة الملك فبصل ب 750 ألف ريال في التسعينيات (سعيد الشحات اليوم السابع 27 مايو 2019).

الشيخ محمد متولي الشعراوي هاجم عبد الناصر ثم بعد وفاته كتب مرثية كبيرة أشاد فيها بسياساته وإنجازاته على مستوى العالم وكرر ذلك قبل وفاته مباشرة، وكان معارض لقانون تطوير الأزهر ثم ذكر محاسنه بعد ذلك وكثيرون من رجال الدين غيروا مواقفهم السياسية وهنا على سبيل المثال الشيخ القرضاوي كان مؤيداً للقذافي وحافظ الأسد وتم تكريمه في ليبيا وسوريا ثم بعد ذلك كان من المؤيدين للثورة عليهما.

وهنا نتسأل هل تغير الآراء هنا ناتج عن قلة معرفة وجهل بحقيقة الأمور وضبابية الرؤية , ام تغير مصالح و وتغير الأنظمة وهنا هناك عدة تساؤلات مشروعة للجميع هل كان من الأفضل عدم التسرع في هذه الآراء التي تراجعوا عنها وتحول بعضهم الى النقيض ثم هل استفاد الناس والمجتمع من هذه الآراء ام ساهمت في تضليل البعض والامة ثم هل هؤلاء العلماء استفادوا من هذه الآراء ام انعكست سلبيا على رصيدهم وما هو رأى الجهور والعامة و هل ادت الى فقد الثقة في بعض العلماء وهل المجتمع والإسلام استفاد من الآراء السياسة لعلماء الدين وساهم في توعية أم تضليل الأمة، وهل ساهمت في تقدم الوطن ونشر الإسلام أم لا؟

وهل كان من الأفضل أن يركز هؤلاء العلماء على نشر تعاليم الدين من القاعدة وما رأي القارئ الكريم بعد ذلك هل تدخل علماء الدين في السياسة كان مفيدا من وجهة نظرك للإسلام والمسلمين وخاصة ان الأمثلة كثيرة في هذا المجال ونخرج منها بعدة حقائق منها أن الأوضاع السياسية متشابكة ومعقدة وضبابية الرؤية ثم أن التسرع في الحكم على هذه الأوضاع يعرض صاحب هذا الرأي للعديد من المشكلات والشبهات معاً، أقلها أنه لم يفهم الموقف فهما صحيحاً وأن معلوماته كانت ناقصة أو خاطئة وأنه يجهل هذا المجال بدرجة أو أخرى، او ان هناك من ضلله واخفى عنه بعض الحقائق او استخدمه لمصالح خاصة ثم هناك شبهات الاستفادة أو التضرر سواء من النظام أو معارضيه فيضع نفسه موضع الشبهات ثم الأهم والأخطر تبعات ذلك لرجل الدين خاصة على المجتمع لأن رأي رجل الدين الخاطئ يضلل أمة ويكون حسابه عسير عند المولى الكريم لأنه يتحمل تبعات كل من اقتنع بكلامه أو ساهم في تضليله فرجل الدين مسئوليته وحسابه عسير ومن هنا عليهم التريث والتروي قبل الخوض في مجال السياسة وخاصة وأن معظمهم ثقافته السياسية لا تؤهله للخوض في ذلك. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا على مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾(الحجرات:6).

هذا فضلا عن فقدان الثقة وخاصة للشباب في هؤلاء الأشخاص الذين يغيرون آرائهم من زمن لأخر ومن حكم لآخر وتساؤل اخر فهل استفاد الناس والمجتمع بل والشيوخ انفسهم من انضمامهم للمنظمات السياسية حيث انضم بعضهم للاتحاد الاشتراكي في عصر ناصر وبعضهم للوزارة في عصر السادات وبعضهم انضم الى لجنة السياسات في عصر مبارك هل كل هؤلاء هل أفادوا واستفادوا من الانضمام للمنظمات السياسة

ولأن المجال السياسي ملعباً لكل التيارات والصراعات المحلية والإقليمية والدولية والعالمية فإن شهادات بعض رجال الدين، أنفسهم ترى أن هناك أيادي خفية ودولية وراء نشأة بعض الجماعات الدينية وأن ذلك جزء من مؤامرة دولية وهنا نتذكر مقولة الشيخ الغزالي عن جماعة الإخوان المسلمين وعلاقة بعض قيادتها بالماسونية العالمية وكلام العقاد وإن شاء الله سوف يأتي الحديث عن ذلك تفصيلاً. وايضا نتذكر الفتنة الكبرى في زمن الخلافة وكان لليهود الدور الأساسي فيها فهل كل ذلك صدفة وخاصة ان الاتهامات تشير الى ان المصدر والمنبع واحد